رئيس التحرير: عادل صبري 02:16 صباحاً | الخميس 20 سبتمبر 2018 م | 09 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

52 عاماً على ذكرى الاستقلال الجزائري ... حرب انتهت إلى استئثار بالسلطة

52 عاماً على ذكرى الاستقلال الجزائري ... حرب انتهت إلى استئثار بالسلطة

مقالات مختارة

بوعلام صنصال

52 عاماً على ذكرى الاستقلال الجزائري ... حرب انتهت إلى استئثار بالسلطة

12 نوفمبر 2014 20:19

لا أستــسيغ الأعياد الجزائرية، الدينية والمدنية على حد سواء، ومنها على سبيل المثل ذكرى الاستقلال في 5 تموز (يوليو). وفي الإمكـــان الاحتفال بالذكرى هذه احتفالاً يعمه الفرح ويشارك فيه فرنسيون، لكننا نحتفل بالاستقلال على نحــو ما تحتفل كوريا الشمالية بعيد قائدها العزيز،

 

وكأن الجزائر يعتصرها ندم على انتهاء الحرب أو أنها تأسف على أن إعلان توبة واستسلام لم يلِ الحرب هذه. توبة واستسلام على منوال تسليم بورجوازيي كاليه الفرنســية حيواتهم ومفاتيح مدينتهم الى ملك إنكلترا البطل. ولا يخفي وجهاء «جبهة التحرير الوطني» رغبتـــهم هذه، ويدور كلامـــهم عليها: وصول وفد من الوزراء والنواب الفرنسيين إلى العـاصمة الجـــزائرية وهم في ملابس الليل ومقيدون بسلاسل معلقة في أقدامهم، فيتوجهون إلى قصر «الريس» ويسلمونه كما في كل عــــام إعلان التـــوبة وشيكات الاعتذار عن الضرر والتـــعويض. وكان بوتفليقة يحلم بتحقق المشهد هذا إلى أن أصابته جلطة دماغية خلّفته مقعداً في قصر يلفه السكون.

 

والحق أن هذا الحلم المجنون ليس ما يزعجني، فموعد ذكرى الاستقلال مزيف تزييفاً يلف جوانبه كلها: تاريخ الاستقلال الفعلي هو 3 تموز (يوليو) وليس الخامس منه (التاريخ الرسمي)، وبن بيلا هو الذي نقل الذكرى هذه من يوم الى آخر، فهو حسِب إثر استيلائه على السلطة بواسطة مدرعات الجنرال بومدين، أن كل شيء مباح: قتل الناس وتفليس البلاد وتزوير التاريخ. وهو حسِب كذلك أن الاحتفال بالاستقلال في الخامس من تموز يمحو ذكرى 5 تموز 1830، تاريخ استسلام داي الجزائر حسين باشا أمام الجيش الفرنسي، وتسليمه الجزائر إلى الجنرال دي بورمون. لكن بن بيلا أغفل أن جزائر الداي كانت خاضعة لسلطان الباب الأعظم، وأن سقوط الداي آذن باستـــقلال الجزائر استقلالاً دام 17 عاماً دبَّر فيه الأمير عبدالقادر أمور البلاد أحسن تدبير وجَبَهَ المحتلين الفرنســيين. لكن في 23 كانون الأول (ديسمبر) 1847، ألمَّت به الهزيمة والإنهاك، فألقى السلاح وسلم حياته وسيفه إلى الجنرال لاموريسيير، ففقدت الجزائر استقلالها الطري العــود وصارت فرنسية في السراء والضراء.

 

لم أحتفل يوماً بتاريخ هذا الاستقلال في الخامس من تموز وهو التاريخ الرسمي، أو في الثالث منه وهو التاريخ الفعلي غير المعترف به، فأي استقلال نحتفل به في وقت يئن البلد تحت نير ديكتاتورية مقيتة أقسى من النظام الكولونيالي. ولا أوجه تحية الى أي بطل أو مُحرِّر، وليس ثمة ما يُشرِّف في تحرير البلد والصدوع بحكم المستبدين. ويعصر قلبي الألم حين يُذكر تاريخ الواحد من تشرين الثاني (نوفمبر)، فالتاريخ هذا هو ذكرى ذروة الاحتيال والتزوير، وتحريف الوقائع والرموز عن واقع الأمور. والنظام عصِيَ عليه استمدادُ مشروعيته من الاستقلال الذي صادره ووضع اليد عليه، فاستند الى تاريخ شنِّ الكفاح المسلح على المستعمِر، ومع مرور الوقت، وعلى وقع تشديد خناق الاستبداد، لجأ النظام إلى مسرحة ذكرى الأول من تشرين الثاني وإعلاء شأنها وطمس أهمية الخامس من تموز.

 

ومن أين للنظام الاحتفال بكفاحٍ جمع أبناء الجزائر كلهم على اختلاف مشاربهم (العرب والبربر واليهود والفرنسيون) في وقت تصادر «جبهة التحرير الوطني» النضال والكفاح وتزعم أنها جبهت الفرنسيين «أحادياً» في معزل عن الجزائريين الآخرين. وديدن نظام الجبهة هذه هو تزوير شمل كل المجالات، وأبرزها التاريخ، فالنظام يزور كل شيء ويفسده ويخربه.

 

وذكرى 5 تشرين الأول (أكتوبر) 1988، أثيرة على قلبي، ففي هذا اليوم انتفض الجزائريون على نير جبهة التحرير الوطني، والانفعالات تهزني حين أتذكر شباب الأحياء الشعبية الذين تحدوا عسكر النظام. فتضحياتهم رفعت عنا القيود ومنحتنا حرية دامت بضعة أشهر انتهت حين تحالف الإسلاميون والنظام على «قرع ناقوس (نهاية) الفرصة». خلاصة القول أن الحاجة تمس إلى طي التاريخ المزوَّر هذا وكتابةِ فصولِ تاريخ الجزائر كتابةً وفيةً للأحداث تجمع ضفتي المتوسط.

 

 

* كاتب جزائري،

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان