رئيس التحرير: عادل صبري 10:43 مساءً | الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م | 14 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية
التحديات الكبرى

مقالات مختارة

محمد الأشهب

التحديات الكبرى

محمد الأشهب 27 أكتوبر 2014 19:50

أهم من نتائج الاشتراعيات التونسية، أن البلاد احتكمت في حسم الصراع السياسي إلى صناديق الاقتراع. وأحداث العنف والهجمات الإرهابية في ضواحي العاصمة عشية الاقتراع، الدليل الآخر على أن تثبيت أركان الاستقرار أقوى نفوذاً من أي خلافات حزبية. فثمة برامج لا تحتمل الجدل، عندما يتعلق الأمر بتهديدات أمنية، حتى أصبح مطلب الاستقرار يفوق أبجديات العدالة الاجتماعية والحرية التي لا يمكن الظفر بها في غياب الأمن والاستقرار.

 

بين حماية صناديق الاقتراع من أشكال التلاعب التي لا تسلم منها طبعات الانتخابات العربية، وصون أمن الدولة والمواطنين وسلامتهم من مخاطر العنف والتطرف، ترسو المعادلة على قناعة لا بديل منها. مفادها أن الديموقراطية تحد من تغول السلطة والمال والاستبداد. لكنها أيضاً في حاجة إلى من يحميها من عبث الانفلات والفتن والاضطرابات.

 

غير أن التجربة التونسية استطاعت القفز على حواجز الألغام بقدر من الوفاق، أبعدها عن استنساخ نماذج خنقت أنفاسها بأيديها. وإذا كان حكم الترويكا أذعن في وقت سابق إلى متطلبات تأمين الانتقال السلس، من دون استخدام نفوذ الشارع الذي يصعب التحكم في مساره. فإن أهم مكسب تحقق على أرض الواقع، يكمن في ارتضاء أسلوب المنافسة في الأفكار والمبادرات، وإن طغى عليها مثل أي انتخابات أسلوب استعراض القوة والثقة الزائدة في الاستئثار بميول الناخبين.

 

ولا يشابه اقتراع الأمس زخم الانعطاف الذي جرى بعد ثورة الياسمين، إن على مستوى الانبهار الذي كان سائداً، أو على صعيد تداعيات مآزق الربيع العربي في أيما مكان. حتى أن قوات الجيش التي اتخذت موقفاً متردداً نزلت بكثافة هذه المرة لحماية المسلسل الديموقراطي.

 

ستُحدد نسبة المشاركة في الانتخابات قبل غيرها ملامح التوجهات المقبلة. كونها تعكس درجة التشبع باليقين الديموقراطي كحل وحيد لتجاوز المعضلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. بخاصة في ضوء ما يمثله الشباب باعتباره العمود الفقري في التركيبة السكانية وفي حجم ونوعية التطلعات والمشاكل. إذ لا يكفي أن يفوز هذا التيار أو ذاك، وإنما حجم حيازة الثقة هي الأساس. ليس على الصعيد المحلي فحسب، بل في سياق ما يتفاعل من أحداث في بلدان الجوار التي تعثر فيها الانتقال الديموقراطي.

 

وما يميز التجربة التونسية أنها شذت عن قاعدة المقاطعة التي عرفتها استحقاقات انتخابية في دول أخرى. وهذا التطور في حد ذاته مؤشر إيجابي يبلور ما تراكم للتجربة التونسية من قناعات إيجابية، مهما اختلفت صراعات استمالة الناخبين. بيد أن أكبر التحديات لا يستقر عند ضفاف الأبعاد السياسية في التطبيع مع الممارسات الديموقراطية، وإنما يشمل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تعتبر المحك الحقيقي في اختبار سلامة التوجه الديموقراطي، وما لم تتجاوز العملية السياسية شكليات الاقتراع والمنافسات وتباين البرامج، و تتحول إلى ديموقراطية اقتصادية واجتماعية، عبر إشاعة الاستقرار والأمن والكرامة والعدالة والحرية، فإنها تصبح أقل جدوى. وإن كانت تبعث على الثقة والأمل.

 

ثمة معطيات تشير إلى تعاظم تحديات البطالة وتعثر الإقلاع الاقتصادي وتردد الاستثمارات وانكفاء المبادرات الحرة داخلياً وخارجياً. وثمة مؤشرات تفيد بتراجع معدل النمو والتوجس حيال تنشيط الدورة الاقتصادية، في بلد يتجلى كل رصيده في استتباب الأمن. وإذا كان مفهوماً أن لا حكومة التكنوقراطيين ولا الجهاز التنفيذي للترويكا كان في وسعها تحقيق طفرة نوعية في هذا المجال، أقله نتيجة ضغط الزمن واشتداد الصراعات السياسية، فلا أقل من أن يحظى هذا الجانب بالقسط الأوفر من الاهتمام، كي تخرج البلاد من قاعة الانتظار وتنفتح أكثر على ذاتها ومحيطها وأصدقائها الذين لن يبخلوا عليها بالدعم.

 

ولا يهم أن يحوز هذا التيار أو ذاك صدارة النتائج، وإنما تنحبس الأنفاس على ما يستطيعه هذا الحزب أو ذاك في مواجهة التحديات الكبرى. وقد يكون الخيار الوفاقي في ظل استحالة انفراد حزب بالغالبية مقدمة وفاق أشمل حول الحلول. أما المشاكل فلا خلاف حول نوعيتها وأخطارها.

 

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان