رئيس التحرير: عادل صبري 05:31 صباحاً | الأحد 18 نوفمبر 2018 م | 09 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

قضايا سعودية عالقة!

قضايا سعودية عالقة!

مقالات مختارة

عبدالله ناصر العتيبي

قضايا سعودية عالقة!

عبدالله ناصر العتيبي 27 أكتوبر 2014 19:47

في الأسبوع الماضي، عاد السعوديون من جديد لإثارة اثنتين من أهم قضاياهم العالقة، المبتعثون وقيادة المرأة السيارة. وفي كل مرة يعود فيها السعوديون لإثارة القضيتين، ترتفع الأصوات المؤيدة والمعارضة، ويتراشق الجميع بمقذوفات الكلام، ثم يعودون الى الصمت مجدداً من غير تحقيق مكاسب على الأرض، فلا الداعون لقيادة المرأة السيارة استطاعوا إقناع السلطة التنفيذية بتبني قضيتهم وتحويلها إلى واقع، ولا المعارضون للابتعاث الخارجي استطاعوا التأثير في السلطة التنفيذية لإيقافه وتخليص الأمة من شروره كما يرددون!

 

فبالنسبة للمبتعثين، يقول المعارضون لبرنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي إنه برنامج تغريبي، يُسهم في خراب شباب «الأمة»، ويستشهدون دائماً بحوادث جنائية تحدث بين الحين والآخر لبعض المبتعثين للتدليل على فشله وانتفاء الحاجة له. ويستغلون هذه الحوادث لتأجيج الرأي العام وحمله على الاصطفاف معهم في موقف «الضدية»!

 

والسؤال هنا، لماذا يعارض هؤلاء الابتعاث الخارجي؟ وهل فعلاً تمثل هذه الحوادث الجنائية لبعض المبتعثين فشلاً للبرنامج؟

 

المعارضون للابتعاث لهم أسبابهم المعلنة التي طالما رددوها في المجالس العامة والمساجد ووسائل الإعلام المختلفة، لكن لهؤلاء أيضاً أسباب أخرى سرية، يتحدثون بها في ما بينهم، ويبقون المجتمع العريض بعيداً عنها. أسباب قد تكون حاضرة في وعيهم قصداً، وقد تكون منزوية في لاوعيهم جهلاً.

 

أسبابهم المعلنة، تتمحور حول الخوف من أن ينقل هؤلاء الشباب المبتعثون إلى الوطن الأفكار الأجنبية غير المتصالحة مع الدين الإسلامي والعادات المجتمعية، وبالتالي تحويل المملكة من أرض عروبية مسلمة ذات خصوصية تاريخية إلى بلاد تابعة «للكفار» ثقافة وفكراً.

 

يتحدثون دائماً عن التغريب وخطره على شباب الأمة، ولم يدر في بال أحدهم يوماً ما الإجابة عن السؤال المهم: كيف يفهم الشاب الذي يعيش داخل الوطن، فضلاً عمّن يعيش خارجه، هذه اللغة وهو لا يستطيع التفريق بين الهيمنة الثقافية والهيمنة التكنولوجية؟

 

أما أسبابهم غير المعلنة، فهي الخوف من أن يتمرد هؤلاء الشبان القادمون من مختلف أصقاع الأرض على المرجعية الثقافية المحلية التي تجعل المتحدثين باسم الدين حراساً للأبواب الحياتية كافة. يرى المعارضون للابتعاث في أجنداتهم السرية، أن الشاب في مقتبل العمر الذي يعيش الثقافات المختلفة في خارج المملكة، ويدرس الكتب العلمية «العلمانية»، سيعود لأرض الوطن وهو يضع في اعتباره أن كل أمة محمد رجال دين، وكل نفس بما كسبت رهينة، وبالتالي سينكشف غطاء التقديس الذي يظلل البعض دون غيرهم! سيعود الشاب من الخارج وهو لا يعترف بالوصاية الدينية، وهذا ما يؤرق المعارضون ويشغلهم خوف تزلزل عروشهم. هم يرفضون الابتعاث لا من أجل مصلحة وطنية عليا، أو حاجة مجتمعية شاملة، هم يفعلون ذلك للدفاع عن وجودهم الخالص، وما يلحق ذلك من مصالح ومنافع دنيوية لا محدودة.

 

وإجابة للسؤال الثاني: هل تمثل هذه الحوادث الجنائية لبعض المبتعثين فشلاً للبرنامج؟ لنتخيل وجود مدينة سعودية عدد سكانها 150 ألف نسمه، ولنسجل في كل ليلة عدد وأنواع الجرائم التي تحدث في هذه المدينة، ثم لنقارن هذه الجرائم والحوادث اليومية بما يرتكبه الطلبة المبتعثون في الخارج (عددهم 150 ألفاً) من جرائم وحوادث سلبية، ويمكننا إلغاء عامل ارتفاع المستوى المعيشي والتعليمي للطلبة الذي يقلل من الجرائم بإلغاء عامل الفتوة وانطلاق الشباب في مراحل حياتهم الأولى، والذي يزيد من احتمالية ارتكاب الجرائم. لنفعل ذلك، لنتبيّن حجم الأكذوبة الصحوية التي تسلط الضوء وعدسة التكبير على نقطة القبح الصغيرة في لوحة رائعة الجمال!

 

المتتبع للأخبار التي تنقل الجرائم التي تحدث للمبتعثين في الخارج، سواء استهدافهم للآخرين أم استهداف الآخرين لهم، يجد أنها تقل كثيراً عن المعدلات العالمية والمحلية من جهة، وتقل كثيراً عن معدلات مشكلات الطلبة الأجانب وجرائمهم في البلدان الموجودين فيها.

 

القضية الثانية المثارة أخيراً هي قيادة المرأة السيارة، وهذه القضية تحديداً أُشبعت جدلاً، وسحبت وطرقت حتى صار الحديث عنها مملاً ومكرراً، لكن لا بأس من الإشارة إليها هنا كونها كانت خلال الأسبوع الماضي حديث الناس.

 

وحتى لا أذهب بعيداً في هذه المسألة، سأتطرق إلى ثلاثة جوانب فقط من جوانب هذه القضية.

 

الجانب الأول، هو إحالة الجهات التنفيذية في السعودية أمر حل هذا الموضوع الشائك إلى المجتمع من غير وضع خريطة طريق لذلك! ففي أكثر من مناسبة قال المسؤولون السعوديون أن قيادة المرأة السيارة أمر خاضع لرغبة المجتمع، لكن لم يتبع هذه الرؤية الرسمية رسم آليات محددة يمكن بها استخلاص رأي المجتمع! فبغياب صوت الشارع عن مجلس الشورى غير المنتخب، كان الأجدر بالمسؤول الذي يملك السلطة التشريعية والتنفيذية في يد واحدة أن يحدد الطريقة التي يمكن بها معرفة الرأي الحقيقي لمجاميع الناس، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فهناك الكثير من الناس وأنا أحدهم، لا يجدون مبرراً لرمي حل هذه القضية على المتوسط الحسابي للناس، وهي الحق الأصيل لمفرداتهم!

 

الجانب الثاني، يتمثل في إغفال الحكومة السعودية للموقف الدولي في هذه القضية وتغييبه، والذي كان يجب إضافته لمصفوفة العوامل الضاغطة لإيجاد حل مدني متحضر. هناك الرافضون لقيادة المرأة، وهناك الداعمون لقيادتها، وهناك المجتمع الدولي الذي ينتظر من السعودية أن تدخل في دائرة معاييره ومقاييسه.

 

الجانب الثالث، هو ظهور بعض الدعوات المجهولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي للتظاهر والتجمع للحصول على هذا الحق، وهذا ما لا يستقيم مع واقع الحال، فلا الحسابات المجهولة في «تويتر» و«فيسبوك» وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي موثوقة الوطنية، ولا التجمع والتظاهر هو الوسيلة المناسبة للحل! الحل في تقديري يتمثل في أن نستبعد المجهولين الذين يتبنون هذه القضية، ونستدني بدلاً منهم مجاميع من الرموز الوطنية (علماء دين وتجار وشخصيات فكرية وعلمية واجتماعية)، بحيث يتبنون هذا الهم السنوي ويرفعونه للجهات العليا، مصحوباً بمبررات الحاجة الاقتصادية والدينية والاجتماعية له.

 

 

* كاتب وصحافي سعودي

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان