رئيس التحرير: عادل صبري 08:38 صباحاً | الأحد 18 نوفمبر 2018 م | 09 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

مشاهدات في زمن الإيبولا

مشاهدات في زمن الإيبولا

مقالات مختارة

نهلة الشهال

مشاهدات في زمن الإيبولا

26 أكتوبر 2014 14:43

مايكل زهاف بيبو ذاك، الذي قتل شرطياً في أوتاوا واقتحم البرلمان ثم قُتل، كان بإمكانه أن يذهب إلى الجحيم لو شاء، ولكنه أبى إلا أن يرتدي كوفية. ليس كما يعتمرها الناس العاديون من لابسي الكوفيات في بلادنا،

 

وليس كما تبناها المقاتلون الفلسطينيون وأصبحت رمزا لـ»الفدائي»، بل على طريقة الشبان الغربيين في التظاهرات، مثل مجموعات «بلاك بلوك» مثلاً، الذين يدّعون انهم متمردون راديكاليون، ويلعبون عبر وضع قماشة مثلثة على وجوههم، غالباً ما تكون سوداء، ويرمون بقناني المولوتوف على الشرطة أو على مقرات لا يحبونها... وإما زهاف ذاك فأضاع المشيتين. لم يفعل مثلهم، فهم يحكمون ربط قناعهم للتخفي وللاحتماء من قنابل الغاز المسيل للدموع (تلك هي لعبة الكر والفر)، وترك طريقة لف الرأس والوجه بالكوفية للتخفي فعلاً، فلا تظهَر إلا فتحة العينين. وهذه نعرفها جيداً، في الواقع المعيش وفي عمليات رأينا لها أشرطة وصوراً، ثم كما رُسمت في الملصقات وفي لوحات لفنانين كثر، ربما كان آخرهم الفلسطيني منذر جوابرة، الذي قدم فدائييه في وضعيات خارج السياق المألوف للفدائي... ولكنها معبرة بقوة، إذ تقول تغيره وتقول كذلك وجهة هذا التغير واحتمالات تأويله.

 

ولكن لا! صاحبنا الكندي مايكل ترك شعره المرسَل يطير في الهواء، ونصف وجهه مكشوفاً، فكأنما أراد فحسب استعارة الكوفية بالقوة لإعلان انتماء ما. والمضحك أن وسائل الإعلام الغربية أشارت إلى تلك الكوفية بمفردات تفترض لنفسها الاقتضاب، فانزلقت إلى غباء يفوق التوقع: «غطاء رأس للمسلمين». يا سلام! وظننا أنه من حسن حظ الفلسطينيين العاثر بمثل هؤلاء، أن للشاب والداً ليبي الأصل يعمل بقالاً في كندا وأماً كندية أصيلة تعمل في دائرة الجوازات والهجرة، وأن أصدقاءه يتكلمون عن اختلاله النفسي في الفترة الأخيرة، إذ كان يسمع أصواتاً يعتقد أنها لشيطان يلاحقه.

 

ولكن لا! فعلى رغم ذلك كله، اتهم المسؤولون الإسرائيليون الفلسطينيين بالإيحاء له، حتى محمود عباس شخصياً.

 

فأن يدهس فلسطيني مجموعة من المستوطنين في القدس، ويتسبب بمقتل رضيعة (تبين أنها تحمل الجنسية الأميركية كذلك)، شيء، وأن يقوم وزير خارجية إسرائيل أفيغدور ليبرمان بالربط بين ذلك وإطلاق النار في أوتاوا شيء آخر، يتطلب خيالاً. وهنا أيضاً تفيض الاستعارات السخية. فليبرمان يعتبر المصدر واحداً: «الإرهاب الإسلامي المتطرف». وأنه لا يوجد فارق بين العمليات في أوتاوا ونيويورك ولندن وباريس ومدريد... وماذا؟ القدس. مضيفاً أن على دول العالم محاربة «الإرهاب الإسلامي» بقوة وفي كل مكان.

 

وأما نتانياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية فحمّل الرئيس الفلسطيني محمود عباس المسؤولية عن حادث الدهس الذي أودى بحياة طفلة يهودية في القدس المحتلة. لأن عباس، بتأليفه حكومة مشتركة مع حركة حماس (التي يفترض أن السائق الداهس الذي قُتل وسُبي بيته واعتُقل شقيقه الخ... ينتمي إليها)، يغطي عليها في تنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية.

 

وتجاوز الأمر الرجلان ومعهما وزير الاقتصاد نفتالي بينت (يدعو بناء عليه لتوسيع وتسريع الاستيطان) ووزير الجيش موشي يعالون (يحكي عن افتقاد السلطة الفلسطينية لثقافة السلام ـ نعم! ـ وعن كذب أبو مازن في الأمم المتحدة)، إلى رئيس إسرائيل روبن ريفلين الذي حمل المسؤولية الكاملة عن هذه العملية لـ»التحريض المستمر من العالم العربي ضد إسرائيل، وبخاصة المتعلق بمدينة القدس والمسجد الأقصى»، معتبراً أن لهذا التحريض «انعكاساً مباشراً على سكان القدس الشرقية، إذ ترجموه بعمليات واسعة». وما هي؟: «إلقاء الحجارة والشغب، وصولاً إلى عملية الدهس».

 

هذا تمرين نموذجي في كيفية تقـــطيع أوصال الوقائع والتاريخ. فلندع ما يجري في القدس من مصادرات وانتـــهاكات ولندع الاستفزازات في داخل المسجد الأقصى من المستوطنين المحميين من الشرطة، ولندع مشاريع تقسيم الأقصى التي تُطبخ على نار ليســـت هادئة (وستحدث في غفلة منا أو تغافل). ولنـــدع الواقع الاستـــعماري الاستيطاني بكل تفاصيله وعنفه وجوره الخ... ولنـــتذكر أنه قبل ثلاثة أيام من الدهس ذاك جرى دهس طفلة فلسطينية وجرح أخرى بسيارة مستوطن إسرائيلي قرب رام الله. معليش؟

 

وأما واحدة من كبرى ممارسات القطع والوصل فتتعلق ببلاكووتر. هذه كانت تسمي نفسها رسمياً، وبأناقة، «شركة الخدمات الأمنية»، وتسمي مرتزقتها «المتعاقدين»، وهي غيرت اسمها مراراً (بداية إلى «اكس سي» الذي يعتمد على الغموض والتجريد، ثم حالياً إلى «أكاديمي» الرصين والسينمائي!) بعدما صارت عنواناً لبشاعاتٍ تفنَّن الأميركان بالقيام بها في العراق. هيئة المحلفين الأميركية وجدت أربعة من عناصر بلاكووتر مسؤولين عن القتل العمد لـ 17 شخصاً، كلهم مدنيين وبينهم أطفال ونساء، وهي الواقعة الشهيرة التي جرت في ساحة النسور ببغداد عام 2007. وطلبت السجن 30 عاماً لهؤلاء الأربعة، مميزة بينهم في المسؤوليات. والجميع ينتظر حكم المحكمة.

 

وأما الحادثة المذكورة فغيض من فيض، والشركة كانت تعمل بناء على طلب من الحكومة الأميركية وتحت إشرافها (ومؤسسها ضابط سابق في الاستخبارات، وهي واحدة من مظاهر ما يقال له «خصخصة الحرب»)، وهي ما زالت تعمل ولها مقرات رسمية وناطقة باسمها ومراكز تدريب. المدهش؟: أولاً، تحول هؤلاء القتلة الأربعة إلى رجال أربعينيين هادئين حليقي الذقون، يرتدون بذلات وربطات عنق. شيء لا صلة له بالمشهد الذي كانوا يتباهون بتقديم أنفسهم وفقه، حيث كنا نرى رجالاً غلاظ الهامة، يرتدون تحت السترة الترابية اللون قمصاناً بمربعات على طريقة الكاوبوي، ويحرصون على وضع نظارات عاكسة للضوء على عيونهم تشبه تلك التي يضعها رجال الاستخبارات في الأفلام.

 

ويحملون بالطبع أسلحة فتاكة ومتطورة. ويدلون بتصريحات للصحف والتلفزيونات عن قصصهم ومآثرهم وحتى عن آرائهم السياسية التي تتناول افتخارهم بقتلهم لتلك «الحشرات» في العراق. اليوم يكذبون ويخترعون قصصاً عن الواقعة تلك، وهذا طبيعي. ولكن المدهش ثانياً أن تختزل الجرائم المرتكبة بهذه، وأن يقتصر المجرمون على هؤلاء الأربعة. والمدهش ثالثاً ألاّ تكون المحاكمة الطويلة مناسبة لإعادة التفكير بالمنظومة نفسها. أبداً. وهكذا تتكرر الجريمة في ساحات أخرى ووفق قصص أخرى إلى ما شاء الله، مستندة إلى جريمة دائمة أكبر منها... أظنكم حزرتم اسمها ولا داعي للاستفاضة.

 

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان