رئيس التحرير: عادل صبري 10:51 صباحاً | الأحد 18 نوفمبر 2018 م | 09 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

لا رجم للزناة.. وهو تعزير لا حد

لا رجم للزناة.. وهو تعزير لا حد

مقالات مختارة

عصام تليمة

الحلقة الأولى: تاريخية الرأي الفقهي النافي للرجم حدا

لا رجم للزناة.. وهو تعزير لا حد

عصام تليمة 26 أكتوبر 2014 12:38

ما كنت أتمنى أن نشغل بمثل هذه المعارك التي أعتبرها ثانوية في هذا الظرف الحساس الذي تمر به مصر والأمة كلها، لكن للأسف تم نشر فيديو رجم امرأة قيل: إنها اقترفت حد الزنى، وراج هذا الفيديو بشكل مقلق، فقمت بإعادة نشر مقال مختصر جدا لي على صفحتي على الفيس بوك، وما أحزنني فعلا هو أن صحيفة تنسب لحزب يدعي العمل بالدعوة، وقد تعاملت الصحيفة مع البحث العلمي الذي نشرت ملخصا له منذ فترة على أنه تكئة لتصفية موقف سياسي، وهو ما لا ينبغي أن يكون، فلنختلف سياسيا كما نريد وليبقَ البحث العلمي بعيدا عن هذا الخلاف، وإن كنت أعتبر أن المواقف لا تتجزأ. وفي النهاية الحياة ليست كلها قضايا سياسية لكن منها ما هو حياتي ومعيشي.

والبحث الذي أنشره اليوم على حلقات هو مجرد مدخل لكتاب كبير عكفت عليه عدة أعوام وعملت فيه بطريقة بحثية علمية متجردة، قمت من خلالها بقراءة كاملة لكل نصوص الرجم سنة وآثارا، بطريقة أصولية، وتتبعت فيها تاريخية الفكرة وتطورها. والأهم في هذه الدراسة أنني قمت فيها بتفكيك لكل النصوص الواردة في الرجم بلا استثناء سواء كانت سننا قولية أو فعلية أو ممارسات صحابة للرجم سندا ومتنا وفقها، فإن كنت قد وفقت فمن الله، وإن كنت أخطأت فمن نفسي، راجيا التصويب العلمي لكل من يرى خطئا فيه، وهو كما أسلفت مختصر لكتاب كامل أوشكت على الانتهاء منه عن قضية (الرجم).

رأي عبد الوهاب خلاف:

ظن كثير من الباحثين: أن أول من جهر بهذا الرأي: أن الرجم تعزير وسياسة موكولة للحاكم، هو الشيخ أبو زهرة رحمه الله، ولكني وجدت من سبقه بذلك قبل أن يعلن برأيه بحوالي عشرين عاما، وقد كان أبو زهرة حاضرا فيها، ولم يكن رأيه في الرجم قد نضج بعد، ولذا كان واضحا أنه من المخالفين لهذا الرأي، الذي سبق الجميع، وهو أول من نجده في علمائنا المعاصرين من قال: بأن الرجم تعزير وسياسة، متروك للحاكم: الشيخ العلامة عبد الوهاب خلاف رحمه الله وذلك في شهر أكتوبر عام 1954م، حيث قال:

اشتهر على ألسنة المسلمين في مختلف العصور: أن التخصيص لعموم قوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) النور: 2، هو آية نسخت تلاوتها وبقي حكمها، ويروون في هذا حديثاً عن عمر رضي الله عنه: "كنا نقرأ آية الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله" وأنا قرأت هذا الحديث بكل رواياته، والذي استقرَّ في نفسي أنه حديث مضطرب. والذي يمكن الاستناد إليه في تخصيص عموم الزاني والزانية أمران:

أولاً: حديث قوليٌّ، وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة". والأمر الثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ماعزاً والغامدية، وفي رأيي: أن هذا الحديث القولي، وهذه الحادثة العملية ليست نصاً قطعيّا في الرجم.

وفي القرآن الكريم مايدل على ما أستند إليه، وهو قوله تعالى في شأن الإماء: (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ماعلى المحصنات من العذاب) النساء: ، فالآية تقرُّر: أن عقوبة الأَمَة إذا زنت نصف عقوبة الحرة إذا زنت، والرجم لا يتنصف، فالآية تدل بطريق الإشارة على أن عقوبة المحصنة الجلد، وعلى ذلك فالذي أراه: أن ظاهر آية سورة النور وهي قوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) ظاهرها العموم، وأنه لا فرق بين محصن وغير محصن، وإشارة آية سورة النساء: (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ماعلى المحصنات من العذاب) أن المحصنة حدها الجلد لا الرجم.

وعلى هذا أرى: أن رجم ماعز والغامدية كان سياسةً لا حداً، وأنَّ حديث: "والثيب الزاني" كان للتشنيع والتهويل، ولم يكن حداً أيضاً، وحد الزاني والزانية الجلد سواء كان محصناً أو غير محصن. وهذا خلاف ما سار عليه جمهور المسلمين في مختلف العصور.[1]

أبو زهرة يفجر قنبلة فقهية عام 1972م:

وفي عام 1972م في ندوة التشريع الإسلامي بليبيا، فجر الشيخ أبو زهرة قنبلة فقهية، هيجت عليه أعضاء المؤتمر، حينما فاجأهم برأي جديد له كتمه عشرين عاما، يتعلق بقضية رجم المحصن في حد الزنى، وأنه كان شريعة يهودية أقرها الرسول في أول الأمر ثم نسخت بحد الجلد في سورة النور، وقال الشيخ: ولي على ذلك أدلة ثلاثة:

الأول: أن الله تعالى قال في سورة النساء: (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) الآية: 25 والرجم عقوبة لا تتنصف، فثبت أن العذاب في الآية هو المذكور في سورة النور: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) النور: 2.

والثاني: ما رواه البخاري في جامعه الصحيح عن عبد الله بن أوفى: أنه سئل عن الرجم؟ هل كان بعد سورة النور أو قبلها؟ فقال: لا أدري.[2] فمن المحتمل جدا أن تكون عقوبة الرجم قبل نزول آية النور التي نسختها.

الثالث: أن الحديث الذي اعتمدوا عليه، وقالوا: إنه كان قرآنا ثم نسخت تلاوته وبقي حكمه: أمر لا يقره العقل، لماذا تنسخ التلاوة والحكم باق؟ وما قيل: إنه كان في صحيفته فجاءت الداجن وأكلتها: لا يقبله منطق.

وما إن انتهى الشيخ من كلامه حتى ثار عليه أغلب الحضور، وقام من قام منهم، ورد عليه بما هو مذكور في كتب الفقه حول هذه الأدلة. ولكن الشيخ ثبت على رأيه.

رأي القرضاوي:

هذا هو رأي الشيخ أبي زهرة، وقد كان للدكتور يوسف القرضاوي رأي بأن الرجم يعتبر تعزيرا لا حدا، وحاول أن يناقش أبا زهرة في ذلك لعله يميل معه للقول بالتعزير، فلم يفلح، يقول القرضاوي:

وقد لقيته (أي أبا زهرة) بعد انفضاض الجلسة، وقلت له: يا مولانا، عندي رأي قريب من رأيك، ولكنه أدنى إلى القبول منه. قال: وما هو؟

قلت: جاء في الحديث الصحيح: "البكر بالبكر: جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب: جلد مائة، ورجم بالحجارة".[3]

قال: وماذا تأخذ من هذا الحديث؟ قلت: تعلم فضيلتك أن الحنفية قالوا في الشطر الأول من الحديث: الحد هو الجلد، أما التغريب أو النفي، فهو سياسة وتعزير، موكول إلى رأي الإمام، ولكنه ليس لازما في كل حال.

وعلى هذا نقول في الشق الثاني من الحديث: إن الحد هو الجلد، والرجم سياسة وتعزير، مثل التغريب والنفي، فنثبت ما جاءت به الروايات من الرجم في العهد النبوي، فقد رجم يهوديين، ورجم ماعزا، ورجم الغامدية، وبعث أحد أصحابه في قضية امرأة العسيف، وقال له: اغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها.[4] وكذلك ما روي أن عمر رجم من بعده، وأن عليا رجم كذلك. ولكنا نفسر هذه الوقائع على أنها لون من التعزير والسياسة الشرعية.

ولكن أبا زهرة رفض رأي القرضاوي، وأصر على أنه لا رجم في الإسلام وأنه منسوخ.[5]

القائلون بأن الرجم تعزير:

هناك من قال بأن الرجم تعزير مفوض إلى الحاكم حيث ما يرى من المصلحة، فمنهم من قال ذلك مفصلا قوله وأدلته، وشارحا وجهة نظره، ذاكرا ما استدل به من أدلة، ومن هؤلاء: عبد الوهاب خلاف، ومحمد أبو زهرة، ومحمد البنا، ومصطفى الزرقا، ويوسف القرضاوي، ود. محمد سعاد جلال.[6] ومنهم من قال بنفس رأيهم، لكنه نقل عنه نقلا، دون نقل لأدلته، إما لأنه قال رأيه شفهيا، وأسر به إلى أحد تلامذته، أو في جلسة لم تدون وقائع النقاش فيها، ومن هؤلاء: الشيخ محمود شلتوت[7]، والشيخ علي الخفيف[8]، والشيخ علي حسب الله.[9]

هل من قائل من القدامى بذلك؟

ولقد عنيت وبحثت في أقوال القدامى، عمن يكون مال إلى نفس الرأي، بتعزيرية الرجم، فلم أجد في كتب المذاهب، إلا أني وجدت ابن القيم يشير إلى قول طائفة بأن الرجم سياسة في قضية رجم اليهوديين، وإن عقب عليه بأنه قول قبيح.[10]

 

[1] انظر:ندوة (رجم المحصن وشرعيته) المنشورة في مجلة (لواء الإسلام) العدد السادس من السنة الثامنة الصادر في صفر سنة 1374هـ ـ أكتوبر سنة 1954م، والتي شارك فيها كل من المشايخ: عبد الوهاب خلاف، ومحمد أبو زهرة، ومحمد الخضر حسين، ومحمد البنا، ومحمد سابق، وعبد الوهاب حمودة، وغيرهم. نقلا عن: (ندوات لواء الإسلام) جمع وتحقيق: مجد مكي، تحت الطبع.

[2] رواه البخاري (6813) ومسلم (1702).

[3]رواه مسلم (1690) عن عبادة بن الصامت.

[4]رواه البخاري (2315) ومسلم (1698) عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني.

[5]انظر: ابن القرية والكتاب (مذكرات القرضاوي) الجزء الثالث ص: 253-255. بتصرف، وما ساقه القرضاوي من دليل على أن الرجم تعزير لم يسبقه إليه أحد من الفقهاء.

[6] نشر في ذلك الدكتور محمد سعاد جلال ثلاث مقالات تحت عنوان: (الرجم لا يتعين حدا للزاني المحصن) في مجلة الهلال سنة 1981م.

[7]انظر: فتاوى الزرقا ص 394.

[8]انظر: في أصول الفقه الجنائي الإسلامي للدكتور محمد سليم العوا ص .

[9] نقل هذا الرأي المرحوم الدكتور إسماعيل سالم عبد العال عن الشيخ علي حسب الله، وقال: إنه سجل رأيه كتابة في ربيع الآخر سنة 1394هـ ـ مايو سنة 1974م. انظر: (نفاة الرجم وفقه آية التنصيف) للدكتور إسماعيل سالم عبد العال ص 5.

[10] انظر: زاد المعاد لابن القيم (5/33).

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان