رئيس التحرير: عادل صبري 05:00 مساءً | الأحد 18 نوفمبر 2018 م | 09 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

داعش.. "اشتغالة" جديدة

شيرين فهمي تكتب:

داعش.. "اشتغالة" جديدة

24 أكتوبر 2014 12:50

خرجت علينا داعش في عام 2013، معلنةً دعوتها بالسلاح إلى إقامة الخلافة الإسلامية. خرجت داعش من داخل الأراضي السورية، متوجهةً بالحرب والعدوان ضد الثورة السورية المُسلحة، منتقلةً بعد ذلك إلى العراق، محاربةً الجيش العراقي. ولم تنس داعش – في خضم كل ذلك – أن تزيد الطين بلة، حينما قامت بذبح صحافيين بريطانيين وأمريكيين، مفتخرةً بتلك الأعمال "البطولية" عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

جميع تلك الأحداث لم تستغرق أكثر من عامٍ واحد، تداعت فيه الأخبار والقصص عن "داعش"، لتحتل اهتمام الجميع، من حكومات إلى شعوب إلى منظمات دولية إلى إعلاميين. والسؤال الذي يطرحه هذا المقال ويحاول الإجابة عليه: لماذا أضحى لتنظيمٍ مثل "داعش" كل هذا الاهتمام الدولي والإقليمي والمحلي؟  



ترى كاتبة هذا المقال أن "داعش" ليست إلا أداة من أجل تحقيق هدفين رئيسيين: أولاً، صرف انتباه الشعوب العربية عن ثوراتها الوليدة منذ عام 2011، وإشغالها عن مطالب ثوراتها التي تتمثل في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية؛ على أن يتم ذلك من خلال خلق عدو وهمي (داعش) يصير مبرراً لمحاربة الأنظمة العربية له، ومن ثم إعادة شرعية الأنظمة العربية التي كانت الشعوب قد ثارت ضدها في عام 2011. ثانياً، استكمال مسار السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة العربية – الماضية قدماً منذ أحداث 11 سبتمبر – والتي تتبنى الهجوم على التيار الإسلامي وتشويهه، ومن ثم تبرير إقصائه واستبعاده من الحياة السياسية ومن الفضاء العام ككل. فعبر استدعاء "داعش" تقوم حروب وفتن داخلية في المنطقة العربية، ومن ثم إيجاد ذريعة لتدخل عسكري أمريكي، يقوم بتفتيت المُفتت في الأوطان العربية، ويُقسمها إلى دويلات على أسس عرقية ومذهبية.  

إشغال الشعوب بقضايا الخارج عن قضايا الداخل سياسة قديمة ومعروفة لطالما استخدمتها الأنظمة غير الديمقراطية والفاشلة لستر عوراتها أمام شعوبها ولا سيما إن كانت الأخيرة لا تتمتع بالوعي الكافي لإدراك تلك "الاشتغالة".

ولكي يتم "طهي" الموضوع جيداً لابد من فبركة قضية خارجية، ذات طابع أمني، تزلزل عقول وقلوب تلك الشعوب؛ فيتم تخويفها بشتى الهواجس والهوائل – عبر تلك القضية المصطنعة – ومن ثم صرفها تماماً عما يجري في الداخل من مظالم وانتهاكات. وبالطبع، تكون وسائل الإعلام التابعة لتلك الأنظمة هي الأداة الأساسية لتسويق أولاً تلك الهواجس والمخاوف في داخل العقول المُستلَبة، ولتسويق ثانياً المُخَلص والمنقذ الأوحد من كل ذلك "الهول"؛ ذلك المنقذ المتمثل في الأنظمة الفاشلة وغير الديمقراطية.

وعبر تلك التمثيلية المُحكَمة، تصير الأنظمة الفاشلة وغير الديمقراطية أنظمة ناجحة ومُنجزة لكونها تتصدى لذلك "العدو" الخارجي. بل وتكتسب شرعية مُضاعفة، تجعل الشعوب تنسى أو تتناسى، من خلالها، كل الضنك والضيم والظلم الداخلي.

أما البعد الأمريكي في هذا الموضوع، فهو يتمثل في مصلحة الإدارة الأمريكية في إشغال شعوب الربيع العربي عن الربيع العربي؛ وفي تشويه الحركة الإسلامية إقليمياً ودولياً. فعبر استخدام "داعش" أمريكياً يتم تحقيق هاتين المصلحتين الأمريكيتين؛ أي ضرب عصفورين بحجرٍ واحد.

ولا يُنسى – بالطبع في خضام ذلك – ذكر مصلحة الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" داخلياً، والتي تتمثل في سعيه لكسب تأييد جماهيري له من بين صفوف المحافظين الجدد، بعد تدهور شعبيته في الآونة الأخيرة. فبإعلانه حرباً خارجية ضد "داعش" يكون "أوباما" قد استأنف – أخيراً وبعد غياب ست سنوات – السياسة الخارجية الأمريكية "المحافظة" المعهودة القائمة على شن حروب خارجية من أجل تحقيق المصلحة الأمنية/الاقتصادية الأمريكية العليا والاستثنائية على حساب العالم كله؛ على أن يتم ذلك تحت غطاء المبادئ الأمريكية "السامية" الداعية للحرية والديمقراطية...إلخ.

لقد قام "أوباما" أخيراً بنزع القناع الذي أتى به إلى الرئاسة الأمريكية؛ ذلك القناع الديمقراطي الليبرالي الداعي لعلاقات السلمية والتعايش مع العالم الإسلامي عبر سياسيات وأدوات الدبلوماسية الشعبية التي طالما تحدث عنها في السنوات الأولى من حكمه. لقد سقط القناع عن "أوباما" ليُري الجميع أنه ليس مختلفاً عن سابقه "جورج دبليو بوش". فالإثنان امتداد لما نتج عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ والإثنان امتداد للسياسة الخارجية الأمريكية القائمة، منذ أحداث سبتمبر، على اعتبار الإسلام عدواً لابد من إقصائه، سواء على المستوى الفكري أو الثقافي أو الحركي.

وبالطبع لن يتم – في هذه الحرب – التفرقة بين "داعش" وبقية الحركات والتنظيمات الإسلامية؛ فالجميع سيتم وضعهم ومزجهم في سلةٍ واحدة...وسيُكتب عليها "إرهابيون" يُحل قتلهم. وتحت ذلك التبرير ستُدق طبول الحرب الأمريكية العربية على "داعش"، وسيتم احتلال أراضي الوطن من جديد، وتقسيمها من جديد بعد قرابة مائة عام من تقسيم "سايكس بيكو" القديم في 1917. يعني تقسيم على تقسيم، وتفتيت على تفتيت، واستمرار في سلب إرادة شعوبنا على تحقيق حريتها واستقلالها الداخلي والخارجي.، واستمرار في إجهاض ثورات الربيع العربي...وهنيئاً للإدارة الأمريكية وحلفائها...

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان