رئيس التحرير: عادل صبري 04:33 مساءً | الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م | 08 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

أمجد أبوالعلا يكتب:

الفك والتركيب

22 أكتوبر 2014 11:23

ما يحدث الآن فى مصر والوطن العربى بل والعالم الإسلامى جميعا -وذلك عقب الزلازل الفكرية والنفسية والعصبية والوطنية التى تعرض لها الجميع- هو حالة من الفك والتركيب لجميع المصطلحات والتراكيب والمفاهيم والقناعات والمعتقدات والشخصيات والمعلومات والواضحات والمخفيات، لكن يبدو أننا مازلنا فى بداية مرحلة الفك دون التطور إلى مرحلة التركيب بعد.

فنحن الآن فى مرحلة الفك لمعانى عديدة تبلورت على مر الزمان بمفاهيم معينة دعمتها الثقافات والخطب والأغانى والأفلام والإعلام والحوارات، مثل الصديق والعدو والتنظيمات والثقة والطاعة والصالح والفاسد والإسلامى والعلمانى والوطنى والحرية والاستبداد والديمقراطية والدكتاتورية والحق والباطل والجيش والمعارضة والدولة والشيخ والداعية والعالم والإعلامى ورجل الأعمال والقوى الدولية والاتفاق والاختلاف والسياسة والاقتصاد والمصالح المعتبرة والمصالح المتبادلة والفقه والتاريخ والدين والتدين...إلخ.

ما يحدث الآن حالة من الحزن الشديد تجتاح الكثير من الرجال والنساء على حد سواء وذلك لمجرد تفكيره فى أخطاء تنظيم انتمى إليه، أو تفكير اعتنقه، أو دعوة قضى عمره يدعو لها، أو ضياع عمره من أجل نشر أفكار مخطئة (على الأقل غير صائبة) أو أشخاص لم يكونوا على المستوى المطلوب، وقد ينقضى عمر هؤلاء وهم يحاولون العيش فى الماضى أو مجاراته أو التمسك بما كان ولو كان خطأ وذلك هربا من العذاب النفسى.

ما يحدث الآن هو حالة من الحيرة الشديدة والارتباك  الفكرى والنفسى فيما يمكن أن يكون بعد مرحلة بعد الفك، فالكثير يريد مصطلحات جاهزة يقوم باعتناقها أو الانتماء اليها بعد الفك ولعل ذها ما يفسر بعض حالات الالحاد القليلة جدا التى طفت على السطح، أو الاستمرار فى الخطأ  فيما يعبر عنه البعض بقوله (وما البديل)؟.

الكسل الفكرى الذى أصابنا عبر ما يزيد عن مائة عام يظهر جليا فى محاولة الخوف من الفك والهرب منه لأنه لا يعرف أو أنه لا يستطع ايجاد ذلك البديل فهو إذا فى انتظاره حتى يأتى، وإن كان هذا بالتأكيد لا ينطبق على الجميع فهناك الكثير قد أعلن رأيه فى رفضه لما أثبت الزمن والواقع والتاريخ فشله دون النظر الى ما سيكون بعد ذلك، ومنهم من يحاول أن يجد بديلا.

عقب الانقلاب وأثناء اعتصام رابعة أرسل إلى أحد قيادات الشباب عارضا على أفكار عامة لانشاء جمعية أو حزب بديل يعمل على تلاشى الأخطاء السابقة  فوافقته على ذلك من باب التشجيع فقد تعودت أن أشجع المبادرات مهما تكن فهى دائما شيء إيجابى، ولكنى لم أتلق منه رد بخصوص ذلك الموضوع، نفس الأمر حدث مع أحد الشباب الذىن يعملون خارج مصر وقد أرسل إليّ داعيا إلى المشاركة فى تأسيس جمعية تهتم بالعمل التنموى ولا علاقة لها بالسياسة وبعد موافقتى كالعادة وتشجيعى له لم يفدنى أيضا  بأى تطورات واختفى، ونفس الأمر تقريبا أو ما شابه قد حدث فى كل مدينة فى مصر  بداية من ثورة 25 يناير وحتى الآن وربما قبلها بقليل وكم شهدنا من محاولات عدة لشباب فى مدن صغيرة يحاولون انشاء تكتلات او أحزاب.

فهى حيرة إذن، البعض شعر بخطأ ما فرفضه ثم هو يحاول الوصول إلى البديل ولكنه لم يلبث إلا أن يقتنع بخطأ ما فى هذا الطريق، فهو يسعى ويحاول ويجرب، وهذا هو التطور النوعى الحادث والذى  من المؤكد لم يكن موجودا من قبل عند الفاعلين فى الحياة.

عمليتا الفك والتركيب ليستا بالأمر السهل أو الهين إذا، بل هو أمر أصعب من المهمة التى يقدمها توم كروز فى سلسلة أفلامه الماتعة "المهمة المستحيلة "، فهو يسعى لأن يفتك عن منظومة ما ويسعى للمشاركة أو لمسايرة منظومة أخرى قد تكون مغايرة تماما لما كان عليه من قبل فكريا واجتماعيا وشعوريا وثقافيا، فليس من الأمر الهين أو اليسير نقض الموروثات الثقافية الهائلة والتى تم حشو أجسادنا بها من الرأس إلى أخمص القدم..

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان