رئيس التحرير: عادل صبري 03:17 صباحاً | الاثنين 16 يوليو 2018 م | 03 ذو القعدة 1439 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

ما بعد عين العرب.. درس مستفاد

حسن البنا يكتب :

ما بعد عين العرب.. درس مستفاد

22 أكتوبر 2014 10:45

مدن صغيرة- أو قُلْ قرى وبلدات- شاءت لها المقادير أن يَكُنّ صانعاتٍ مستقبل الكُبْرَيَات، ومُقرِّراتٍ لمصائرهن، ليست غزة أول هذه القرى الصغيرة الكبيرة، وليست كوباني- عين العرب- آخرتهم، وفيما بينهن متسلسة طويلة، خذ مثلاً السويس أو القصير أو مصراتة، من تاريخنا القريب.


- لماذا إذن المدن الصغيرة؟
- لأنه لا يظلم إلا الضعيف، ولأن هذا المظلوم لن يتوقف الزمن عند مظلوميته وضعفه، بل إنه يومًا ما سيكبر وربما "يضربنا" جميعاً وقتها.
عسكرياً، المعركة المستعرة الآن في كوباني جديدة من نوعها على تنظيم الدولة، نظراً لاختلاف عدوّه – أو أعدائه – الجدد، فالتنظيم في غالب معاركه السابقة على كثرتها وكثرة انتصاراته فيها، وكثرة أعدائها واختلافهم أيضاً، كان جُلّها معارك على الأرض، اللهم إلا معركة "سد الموصل" وبعض المعارك الصغيرة مع الجيش السوري أو الجيش العراقي، اللذان بدورهما يخوضان ألف حرب، ضد ألف عدو، على ألف جبهة، فَشُتِت سلاح جوهما حتى لم يعد منه شيء.

الجديد هذه المرة هو المعركة من الجو، فبينما كانت السماء قبل اجتياح الموصل على يد تنظيم الدولة، حكراً على الجيشين الباليين السوري والعراقي، كانت اليوم في سلطان التحالف الدولي، فبينما كانت السماء بالأمس تمطر براميل غبية، ها هي اليوم تمطر بالصواريخ الذكية.

طبيعة المعركة المستعرة هناك – من حيث السماء - شبيهة جداً بالحروب التي تشنها إسرائيل على غزة كلما انسد الأفق السياسي أمام صناع القرار الإسرائيلي أو اقترب موعد الانتخابات.
فالمعركة محصورة ومكثفة في شريط حدودي جد ضيق كما غزة، وسلاح الجو المقاتل فيها هو الأحدث على الإطلاق، لكن تنظيم الدولة ليس هو المقاومة الفلسطينية، فلا حاضنة شعبية له في كوباني، ولا حق مشروع له، كالحق الفلسطيني في التحرر، ولا خبرة مكانية لمقاتليه بأرض المعركة "زنجة زنجة" كما مقاتلو المقاومة.

ناهيك على أن أساليب الأخيرة التي لا تعتمد على حرب الشوارع وفقط، بل يلزمها بنية تحتية كبيرة يحتاج بناها لسنوات وسنوات، كالأنفاق، والخنادق، ومضارب الهاون، وافتقاره – التنظيم – لسلاح استراتيجي كسلاح الصاروخ الفلسطيني.
لذلك وإن تشابهت المعركة من حيث السماء، فإنها ليست شبيهة من حيث الأرض، فكل عوامل قوة وصمود المقاومة الفلسطينية في غزة، تمتلكها قوات حماية الشعب الكردي والفصائل المقاتلة الأخرى في كوباني، وكل عوامل الضعف التي حظي بها الجيش الإسرائيلي في غزة، يحظى بها تنظيم الدولة في كوباني.

وبناءً عليه نتوقع انهزام تنظيم الدولة الإسلامية أمام كوباني هذه الجولة. لكن يبقى الكلام كلاماً حتى يجيء ما يثبته أو ينفيه، لكن يبني المرؤ تصوره على ما يتوقع.


رفضت تركيا التدخل لدعم كوباني وكان تصرفا جد معقول من بلد رفض أن يكون كبش فداء، لكنها في النهاية رفضت، وكوباني لم تسقط، ولم تنتصر بدعمها، وإنما بدعم الغرب، الذي لن يكون في حاجة إلى تركيا كبيرة بعد ذلك، حيث إن التجربة أثبتت أنه قادر بغيرها، ولم يعجزه تخلفها عن حملته، لذا سيتغير الكلام، وبدلاً من أن يتفاوض مع تركيا على استبدال مطلب بغيره، أو حذف أحد الأربعة، سيرفضهم كلهم ويدير ظهره كلياً للأتراك، ويستخدم المنتصر الصغير، تسليحاً وتدريباً، سيصنعه على عينه.


أكراد العراق كذلك يصنعون، ويحسمون الملفات العالقة والأراضي المتنازع عليها بالقوة، وما هي إلا أيام حتى يتمم لهم أمرهم، ونرى دولة كردستان حقيقة وأمرًا واقعاً، حينها سندرك حجم مصيبتنا! ستدرك تركيا، وإيران، وما تبقى من العراق، وما تبقى من سوريا حجم خطيئتهم.

الإقليم الملعون كله خارج التغطية الأمريكية، فهل سيدوم هكذا؟ بالقطع لا، لابد من شُرْطِيّ يعيد مارقِيه إلى حظيرتهم، أو على الأقل يحجم هؤلاء المتمردين، ستكون كردستان الوليدة، هي هذا الشرطي، وإن كان سيحتاج لوقت ليس بالقصير "عشان يكبر ويضربهم" لكنها حتماً بالدعم المفتوح والتنمية الموجهة ستكبر، حينها لن تكون لدينا إسرائيل واحدة، يكون لدينا اثنتان، ولا يلومن أحد الأكراد، هؤلاء الذين حرموا حقهم في وطن كما الأوطان، وما منعهم منه وقاتلهم عليه إلا نحن، نحن الذين اقتسمنا حقهم واغتصبناه ولم يجدوا نصيراً لهم إلا الغرب وإسرائيل.

ستخوض كردستان الصغيرة، مشروع تحرر يهلل له العالم كله لاستخلاص ما بقي من أراضي الكرد من "الفتوتين" إيران وتركيا، حينها سينسحب كل منهما إلى الوراء خطوة وأكثر، فلن تكون إيران مهتمة كثيراً بضرب دول الخليج في حديقتهم الخلفية بالحوثيين، أو تخوض حرباً مفتوحة بذريعة حماية المراقد المقدسة، ستكون مهتمة أكثر بالدفاع عن حدودها الجائرة، سينسحب حزب الله إلى ضاحيته، حتى لا يتبقى منه شيء، وكذلك تركيا.. إلخ
وحين تنتزع كردستان أراضيها سيُعلم الأطفال الكرد في مناهجهم "كانت لنا أرض تغتصبها العرب والفرس والترك، فحررناها بدعم من أصدقائنا الأمريكان والأوربيين وإسرائيل" وسيكتفي المنهج عند ذلك الحد ولن يقول "إسرائيل التي اغتصبت أرض العرب والمسلمين".

درسكم المستفاد ما بعد كوباني، هو: حين يعيش الأكراد على أرضهم، فهذه الأرض عين للأكراد لا عين للعرب!

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان