رئيس التحرير: عادل صبري 07:45 مساءً | السبت 17 نوفمبر 2018 م | 08 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

آن الأوان ترجعي يا دولة الجواسيس!

آن الأوان ترجعي يا دولة الجواسيس!

07 أكتوبر 2014 11:16

ـ كيف نجحت دولة الزعيم الملهم في أن تجمع كبار مثقفي مصر وسياسييها بكل اختلافاتهم على شيئ واحد هو كتابة التقارير؟
ـ تقارير مرفوعة لعبدالناصر في منتصف الستينيات: المسيحيون يقومون بفتح حنفيات المياه في منازلهم كل ليلة لتخريب البلاد والإخوان يكتبون شعارهم على الأتوبيسات وينشرون الشائعات وموظف بشركة «بسكو مصر» يحمل أفكارا خطيرة تهدد الوطن.

كل ثلاثة أيام تقريبًا يصلني منه نفس "الإيميل" الذي يختار له نفس العنوان (تحذير من مواطن شريف: عمارة يتم تأجيرها بالكامل للإرهابيين والإخوان المسلمين)، واضعا في المتن اسم صاحب العمارة وعنوانها بالكامل، ولاعنا سنسفيل صاحب العمارة وكل سكانها بل وكل سكان الشارع الذين يتسترون على جريمة تسكين إرهابيين يتآمرون على مصالح الوطن، ثم بدأت إيميلاته بعد فترة تصبح أكثر حدة ومبالغة، ربما لأنه لم يجد اهتماما من الكتاب والصحفيين الذين أرى أسماءهم معي في قائمة من يتسلمون الإيميل، لدرجة أنني أصبحت أراه في خيالي يزعق وهو يكتب ليصل صوته للجميع مرددا عبارات حفظها من خلال متابعته الدائمة لوسائل الإعلام (جريمة خطيرة في وضح النهار ـ مصر تضيع تحركوا لإنقاذ مصر ـ نحن نفضح بالأسماء والعناوين ـ لك الله يا مصر)، وكان آخر ما وصلني منه قبل أيام رسالة غاضبة يشتم فيها سنسفيل أحد الذين كان اسمهم موضوعا في القائمة لأنه رد عليه طالبا منه أن يذهب إلى طبيب نفسي بدلا من أن يصفي حساباته مع أحد جيرانه بهذه الطريقة.

قلت لنفسي: بالتأكيد يشعر ذلك الرجل بحزن عميق، لأنه تلقى طعنة غادرة في وطنيته، فهو لم يفعل شيئا سوى الإمتثال لقيادته الحكيمة التي خصصت في العام الماضي خطوطا ساخنة تحث فيها المواطنين على الإبلاغ عن أعضاء جماعة الإخوان الإرهابية، وربما حاول الرجل أن يفعل فكان حظه كحظ من يتصل بخطوط الإسعاف أو النجدة أو المطافئ، لعله لم يلجأ للإبلاغ المباشر عن جيرانه في قسم الشرطة لأنه اقتنع بخطورة عناصر الطابور الخامس الموجودة في كل مواقع الدولة كما كشف الخبراء الإستراتيجيون، لكنه مع ذلك لم ييأس بل قرر أن يلجأ لرجال الإعلام الذين يراهم دائما يحضون المواطنين على الإيجابية وحماية الوطن، لكنه لم يكن يتوقع أبدا أن يكون رد فعلهم سلبيا ومتباطئا، لعله قرأ الأخبار المنشورة عن اتجاه حكومي للإستعانة بالطلاب الوطنيين في الجامعات للإرشاد عن زملائهم المشاغبين، فتمنى أن يكون هناك مكان رسمي يمكن أن يشبع فيه رغبته الوطنية في الإرشاد عن جيرانه من الإرهابيين، لعله تذكر ما كان يحكيه له والده عن العصر الذهبي للإرشاد الوطني في الخمسينات والستينات، حين لم تكتف السلطة بكل ما كان لديها من مخبرين تابعين لكل الأجهزة السيادية والأمنية، بل أنشأت تنظيما سياسيا سريا أسمته (التنظيم الطليعي) كان يقوده في أزهى عصوره وزير الداخلية شخصيا، ولعله استبشر خيرا بعودة هذه الأيام عندما قرأ وسمع وشاهد المطالبات المتلاحقة للرئيس عبدالفتاح السيسي بأن يشكل حزبا خاصا به، يتجمع فيه "بتوع السيسي" كما أسمتهم ابنة الزعيم الملهم ـ الأولاني ـ هدى جمال عبدالناصر في حوار أخير لها شكت فيه من أنها تبحث على الساحة السياسية عن "بتوع السيسي" فلا تجدهم.

قبل خمسين عاما كانت مصر قد أصبحت مليئة عن آخرها ببتوع والد الدكتورة، وكان "البتوع التانيين" أيا كان انتماؤهم مرميين في السجون أو منفيين خارج البلاد أو ماشيين جوه الحيطان دون أن ينسوا أن لها ودان، ومع ذلك لم يكتف والدها بكل ما لدولته من بتوع ومخبرين تابعين لكل الأجهزة السيادية والأمنية، ولم يقنع بتأميم السياسة لتصبح ممارستها حكرا على من ينتمي إلى كيانات مشوهة تنشئها دولته لتراقب دولته، فقرر أن ينشئ "التنظيم الطليعي" الذي قام فيه بتجنيد خيرة كتاب مصر ومفكريها ومبدعيها وسياسييها، ليكون من أبرز مهامهم كتابة تقارير سرية عن كل "مظاهر الإنحراف التي تهدد مسيرة الثورة وعن كل أعدائها الداخليين المتعاونين مع الخارج"، ولم يجد إلا قلة نادرة ترفض التعاون معتذرة بكل أدب لأنها لا تصلح لهذه المهمة الوطنية الجسيمة، في حين وجد مئات آخرين يوافقون على التحول إلى كتبة تقارير سرية، دون أن يشعروا بأنهم ارتكبوا خطيئة تستوجب العار، فالإنسان حيوان مبرر بامتياز، ومسألة أن تقنع نفسك بأنك تكتب التقارير خدمة للوطن ليست مجهدة ولا تحتاج إلى أن يحرق المخ الكثير من السعرات الحرارية، وربما لذلك ظل ـ ولا زال ـ أغلب أعضاء هذا التنظيم يتصدرون الساحة السياسية في مصر، دون أن يشعروا بالعار أو حتى الحرج، فيقرروا اعتزال الحياة السياسية التي شاركوا في تأميمها وإفسادها.

للعلم، لم تكن التقارير التي يكتبها هؤلاء تقارير فكرية أو استشارية تكتب من باب مساعدة صانع القرار على إتخاذ قراره، كما ادعى الكثير من هؤلاء فيما بعد تبريرا لما شاركوا فيه، فقد كشفت الوثائق عن تقارير شخصية كان يتلقاها وزير الداخلية شعراوي جمعة ليتخذ في أغلبها إجراءاته الأمنية اللازمة على الفور بتنسيق كامل مع جمال عبدالناصر الذي كان يهتم بهذه التقارير جدا، نعم كان هناك من يكتب تقارير سياسية واقتصادية عامة يأمل بها أن تفيد الوطن، لكنه بالتأكيد رأى خلال اشتراكه في التنظيم كيف يتم استخدام تقارير كثيرة أخرى للتنكيل بكل من له رأي معارض أو مختلف، ومع ذلك فقد وافق على الاستمرار في ذلك التنظيم الإجرامي الذي كان سببا في رمي الكثيرين في السجون وقطع أرزاقهم وتشريدهم وتطفيشهم من البلاد.

ولكي لا نلجأ إلى الإستشهاد بما صار معلوما للجميع من قمع دموي للإخوان والشيوعيين والوفديين في تلك الفترة، دعونا نرى كيف كان خطر ذلك التنظيم أشمل وأوسع حتى على من لم يثبت انتماءهم السياسي لأي تنظيم من التنظيمات التي وصمت بتهمة العداء للثورة والقائد والوطن، ولنختر مثلا شهادة واحد من أنبل وأبرز علماء مصر، أستاذ الجيولوجيا الدكتور رشدي سعيد، الذي أتمنى إن لم تكن تعرفه أن تبحث في مكتبات دار الهلال عن إصداراته الرائعة وعلى رأسها كتابه الموسوعي عن نهر النيل ومذكراته الممتعة (رحلة عمر) التي يحكي فيها عن شعوره بخيبة الأمل عندما أدرك أن عبدالناصر وقيادات يوليو لم يكونوا راغبين في الحوار مع أساتذة الجامعات طبقا للمهمة التي كلفه عبدالناصر بها، وأنهم "لا يرغبون في الأخذ والعطاء مع المثقفين كما تصورت بل كانت غايتهم هي بناء تنظيم طليعي سري من بعض التابعين لهم من الأساتذة يمكن به إحكام القبضة على الجامعة... أما الحوار وبناء مصانع الأفكار فلم يكن واردا عندهم، وقد كانوا يحضرون اجتماعاتنا بين الحين والآخر من باب نقل ما يدور فيها من أفكار وقد سببت ملاحقة هذه العناصر لي أكبر الإزعاج وألجأتني ولأول مرة في حياتي إلى استخدام حبات الفاليوم المهدئة، فقد أصبحت منذ ذلك التاريخ تحت المراقبة المستمرة، وموضوعا للتقارير الكثيرة التي أوكلت كتابتها لمن جندوهم من موظفي مكتبي أو من بين أعضاء مجلس الشعب الذين كانوا يُلحقون لهذا الغرض بالوفود البرلمانية التي كنت دائم الإنتظام فيها".

ويصف الدكتور رشدي سعيد هذه التقارير التي أتيح له عن طريق بعض الساخطين على الأوضاع والمتعاطفين معه أن يطلع عليها بأنها "... تقارير لم تكن تكتب لكي تُقرأ بأي عين فاحصة بل إنها كانت تكتب بغرض إبلاغ المسئول عن رأي وانطباعات الأجهزة في المشكو في حقه، فكل التقارير وبلا استثناء مكتوبة بأسلوب متدن ضعيفة المبنى ليس للإستنتاجات فيها أية علاقات بالمقدمات التي بدأت بها كما أنها كانت مؤسسة على إشاعات غير موثقة"، ويتمنى الدكتور رشدي في كتابه ـ وقد كان دائما حسن النية ـ على المسئولين وقت صدور كتابه عام 2000 أن يتيحوا للمشتغلين بكتابة تاريخ مصر الإطلاع على هذه التقارير لبناء صورة مصر في تلك الفترة وفهم ما جرى لمصر بسببها.

لحسن الحظ، تحقق جزء كبير من أمنية الدكتور رشدي سعيد عندما قام أستاذ التاريخ الدكتور حمادة حسني في عام 2008 بنشر دراسة خطيرة مصحوبة بالوثائق التي حصل عليها من عدد من شهود المرحلة بعنوان (عبدالناصر والتنظيم الطليعي السري 1963 ـ 1971) وهو كتاب تواطأت أغلب وسائل الإعلام على تجاهله، برغم أهمية ما فيه، ربما لأن رموز ذلك التنظيم من كتبة التقارير كانوا وقت نشر الكتاب ملء السمع والبصر، أذكر أنني عندما أشرت إليه في إحدى حلقات برنامجي (عصير الكتب) طيب الله ثراه، مطالبا جميع من تورط في هذا التنظيم بالإعتذار العلني عن مشاركتهم فيه ورواية شهادتهم عليه، تلقيت لوما من بعض الكتاب الكبار لأنني أساعد على الإشارة إلى كتاب ينكأ جراحا لن يستفيد الوطن من فتحها، وأنني أتغافل عن أن كتابة التقارير من أجل الوطن كانت مرتبطة بخطورة المرحلة، وقد عشت وعاشوا حتى رأيت هؤلاء الأساتذة يباركون بالتهليل والتأييد وبالصمت أيضا عودة ملامح ذلك العصر القبيح ثانية بسبب "خطورة المرحلة"، ومن يدري فربما كانوا الآن عرّابين لتنظيم طليعي سري تتولى فيه أجيال مختلفة كتابة التقارير من أجل حماية الوطن من الأخطار والإرشاد عن أعداء الداخل المتآمرين مع الخارج، دون أن يكون لأخينا المبلغ عن جيرانه حظ الإنضمام إليهم حتى الآن.    

ربما يكون أفضل ما نفعله لفهم طبيعة الخراب الذي أحدثه في مصر تشكيل ذلك التنظيم، هو أن نتأمل عناوين بعض التقارير السرية التي حصل عليها الدكتور حمادة حسني وأوردها في دراسته، لترى كيف نقوم بشكل مؤسف بإعادة تاريخنا بكل خطاياه دون أن نتعلم منه شيئا، متوقعين أن نصل إلى نتائج مختلفة لمجرد أننا غيرنا اسم الزعيم الملهم هذه المرة، تعالوا نقرأ العناوين سويا وسأترك لكم التعليق عليها:

ـ 25 يوليو 1965: مذكرة بخصوص كتابة شعار الإخوان المسلمين على بعض خطوط الأتوبيس خط 40 ورقمه 1963 نقل عام.

ـ 10 يوليو 1965: مذكرة عن بعض العائلات القبطية تقوم مساء كل ليلة بفتح جميع حنفيات المياه بمنازلهم.

ـ 31 مارس 1965: تقرير من العميد جمال هدايت بشأن شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير وتولي بعض المسيحيين مراكز قيادية هامة.

ـ 30 مايو 1965: مذكرة حول تزايد نشاط الإخوان المسلمين وإعادة تأسيسهم للأجهزة السرية.

ـ 22 مارس 1965: مذكرة بشأن قيام الأمير دعيج السلمان الصباح بتهريب نقد مصري. مقدمها محمد حسنين هيكل.

ــ 21 سبتمبر 1965: مذكرة عن الطلبة العرب المشكوك في انتمائهم للإخوان.

ـ 8 أكتوبر 1965: مذكرة حول جنازة مصطفى النحاس. مقدمة من ابراهيم الشهاوي.

ـ 18 أكتوبر 1965: تقرير حول ميول واتجاهات أساتذة جامعة القاهرة. مقدمه عثمان عزام.

ـ 13 يوليو 1965: مذكرة من محمد حسنين هيكل بشأن الشيوعي إدوارد يونان.

ـ 8 مايو 1965: مذكرة مقدمة من محمود أمين العالم حول بعض الندوات السياسية بين طلبة الجامعة والطلاب العرب.

ـ 15 سبتمبر 1965: مذكرة حول الاشتباه في عضوية بعض الطلاب للتنظيم السري للإخوان المسلمين.

ـ 17 ابريل 1966: مذكرة بخصوص ما حدث من سائق ومحصل الأتوبيس رقم 54 حول عدم تنكيس الإعلام لوفاة الرئيس عبدالسلام عارف. مقدمة من محمود الصفطاوي.

ـ 7 مايو 1966: تقرير من الدكتور جلال أمين (مجموعة خالد محيي الدين) بشأن سفره إلى لندن.

ـ 12 مايو 1966: تقرير الدكتور حسين كامل بهاء الدين عن نشاط معادي بدكرنس الدقهلية.

ـ 14 مايو 1966: مذكرة معلومات عن شخص يدعي حلمي غير مؤمن بالثورة وسبق تطهيره.

ـ 14 مايو 1966: مذكرة حول تعليمات كنسية للمسيحيين بعدم تنظيم الأسرة. مقدمة من أحمد كامل.

ـ 6 سبتمبر 1966: مذكرة عن أسرة يهودية.

ـ 15 أغسطس 1966: تقرير يقترح سحب الجنسية من مواطن مصري في ألمانيا الغربية.

ـ 7 سبتمبر 1966: تقرير عن نشاط إخواني في حلوان مقدم من عبدالغفار شكر.

ـ 11 يونيو 1965: تقرير حول الخلاف بين أحمد حمروش وأحمد بهاء الدين وانعكاس هذا على العمل في دار روز اليوسف.

ـ 10 أكتوبر 1966: تقرير من أحمد حمروش بشأن مقابلته مع فؤاد نصار.

ـ 13 فبراير 1966: مذكرة بخصوص الشك في وجود اثنين من الطلبة بكلية الهندسة في جامعة الإسكندرية من الإخوان المسلمين. مقدمة من سمير حمزة.

ـ 14 مارس 1966: تقرير عن نشاط بعض الشيوعيين الموجودين في شركة النصر لصناعة الخشب الحبيبي بالمنصورة.

ـ 16 مارس 1966: مذكرة مقدمة من جمال هدايت بشأن ما حدث في حادث انحراف بعض الفتيات من طالبات معهد التربية الرياضية للبنات.

ـ 19 مارس 1966: تقرير عن نشاط معاد يقوم به مدرس القاهرة للثانوية الميكانيكية.

ـ 25 يونيو 1966 تقرير حول إشاعات يرددها محمود وفيق شلبي المراجع بشركة بسكو مصر.

ـ 1 ابريل 1967: تقرير عن مجلس الكنائس العالمي والإنحرافات بجريدة وطني.

ـ 22 مايو 1967: مذكرة بحديث بين الدكتور رفعت المحجوب والدكتورة فوقية حسين.

ـ 26 يونيو 1966: مذكرة بخصوص انحراف علي كامل محمد راجي معادي للثورة  والإشتراكية. مقدمة من فاروق راجي شقيق المذكور.

نكتفي بهذا القهر ونكمل الأسبوع القادم بإذن الله.

نقلا عن مدى مصر

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان