رئيس التحرير: عادل صبري 08:49 مساءً | الاثنين 12 نوفمبر 2018 م | 03 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 27° غائم جزئياً غائم جزئياً

ترك الفقراء الدراسة في الجامعات الأميركية

ترك الفقراء الدراسة في الجامعات الأميركية

فيكي مادّن 01 أكتوبر 2014 19:05

كنت أحث الخطى من أجل الانتقال من قطار إلى آخر في شارع ديلانسي وسط مدينة مانهاتن مطلع السنة، حين اعترض طريقي شاب طويل القامة وناداني. نظرت إليه وعرفته، صرخت: «كيلفن هذا أنت!» ضممنا بعض، وفكرتُ نحن في آذار (مارس)، ويفترض به أن يكون في صفوف الدراسة.

 

سألته عن دواعي تغيبه عن الجامعة. أجاب: «سآخذ سنة إجازة قبل أن ألتحق بها مجدداً، فأنا شعرت بأنني لا أعرف ماذا أنا فاعل في ذاك المكان». فأخبرته أنني انقطعتُ مثله طوال سنة عن الدراسة الجامعية، وأن ابني ليس سعيداً في جامعته الواقعة في بلدة صغيرة. فاقترحت عليه الانتقال إلى جامعة «هانتر» في المدينة، وأن يلجأ إلى المستشار في ثانوية في بروكلين حيث علمته لمساعدته في الانتقال من جامعة إلى أخرى.

 

هزّ رأسه موافقاً، ومشيت في طريقي وأنا على ثقة أنه لن يطلب المساعدة. وبعد أشهر، صادفتُ طالبة سابقة في متجر خضار في بروكلين حيث كانت تعمل محاسبة صندوق. ضمتني إليها وأكدت لي أنها ستعود إلى الجامعة في أيلول (سبتمبر) وأنها تعمل موقتاً لحاجتها إلى المال. وأخبرتني أن زميلاً لها من أيام الثانوية ترك كذلك صفوف الدراسة في إحدى أفضل الجامعات في ماين.

 

وتصدرت، أخيراً، عناوين الصحف مسألة تعاظم مساعي زيادة عدد الطلاب من ذوي الدخل المتدني بين خريجي الجامعات، وجامعات النخب تحديداً. لكنني حين أفكر بتلاميذي وبسيرتي الشخصية، يشغلني سؤال واحد: هل ذللت العوائق، المرئية وغير المرئية، التي تنتظر الطلاب من أصول فقيرة وغير ميسورة أو بقيت على حالها؟ وعلى رغم حسباننا أن التعليم هو «محرك» الارتقاء في السلّم الاقتصادي- الاجتماعي، وهذا نواة أسطورة «الحلم الأميركي»، تعاظمت هوة الانقسام بين الميسورين وغير الميسورين في جامعات اليوم. وحين يلتحق الطلاب من أصحاب الدخل المتدني بالجامعات، يبذلون جهداً كبيراً لمتابعة مسارهم التعليمي. فهم يقاسون عزلة اجتماعية وشعوراً بالاغتراب.

 

وليست الإحصاءات مرآة أمينة لحيوات الطلاب. وأنا خبرت ما يعانيه أمثالهم، فحين وصلتُ الى جامعة بارنرد في 1978 آتية إليها من سياتل في رحلة ليلية متعبة، بدا لي أن الطلاب الآخرين في مثابة أجانب أو غرباء: آباؤهم خريجو جامعات النخب الأميركية، ويلعبون التنس، ويكثرون من السفر. وأنا لم أقصد يوماً شرق نابراسكا مسقط رأسي. فوالدتي ربت أولادها الخمسة وهي تعمل في مكتب البريد. وفي باحة منزلنا، ربينا عنزة من أجل تقليص حجم النفايات وتجنب دفع كلفة عالية مقابل رمي نفاياتنا في مكب المقاطعة. وطلابي السابقون يقصدون اليوم جامعات فرانكلن ومارشال وبرنارد وبارد وكولبي. وهم يألفون الحياة المدينية. شبّوا في نيويورك وارتادوا مرافق مثل «هاي لاين» وتناولوا السوشي وزاروا المتاحف، لكن تكيفهم مع أجواء جامعات مدن صغيرة يصطدم بعثرات لم أختبرها. فحين يقع سوء تفاهم بين الأستاذ والطالب حول ورقة بحث أو حين تقلص قيمة المساعدات المالية إثر زيادة دخل الوالدين زيادةً ضئيلة، يسارع (الطالب) إلى ترك الدراسة. فإذا كان المرء لا يملك 700 دولار يشعر كأنها مليون دولار في غير متناوله.

 

ويجبه طلاب الدخل المنخفض والمحدود في جامعات النخب، تحديات أكاديمية، وهم قادرون على تخطيها. لكنهم يشعرون بضيق في التعامل مع الأساتذة وطلب مساعدتهم أو في المشاركة في مجموعات درس مشتركة أو تنظيم جدول الدراسة. وفي مدرسة بروكلين حيث علمت، دربتُ تلاميذي على كتابة أوراق بحث في التاريخ من 10 صفحات مع ذكر مراجع واقتباس أقوال باحثين، وعرض البحث والدفاع عنه. ومثلي فعل غيري من الأساتذة. وفي عملية التقديم إلى الجامعات، مددنا يد العون إلى التلاميذ في تجاوز كل المراحل والمشكلات، ومنها إقناع الأهل بأن المغادرة من أجل متابعة دراسة جامعية ترتجى منها فائدة.

 

ولكن حين يصل الطلاب المتحدرون من أوساط اجتماعية واقتصادية متواضعة إلى الجامعة، يواجهون مشكلة بارزة وثيقة الصلة بهويتهم وعلاماتها. والمشكلة هذه هي الأقسى إذ تفترض تحديهم هويتهم والشعور بالراحة في الحرم الجامعي وبأنهم لا يتطفلون عليه وليسوا في غير محلهم. وفي جامعات النخب، تتعاظم المشكلة هذه. أذكر أنني واجهت صعوبات بالغة في التعامل مع مراجع لم أسمع بها، من هوميروس إلى الـ» سوشيل ريجيستر» (كتاب قائمة أسر النخب الأميركية النافذة). ولم يسعني مطالعة صحيفة «نيويورك تايمز»، على رغم أنني كنت أعرف معنى المفردات. لكنني لم أكن ملمة بأحوال العالم وعصيت علي متابعة المقالات ومقاصدها. وكان الآخرون يسخرون من ضعف حيلتي في قراءة الصحف وإدراك ما يقصد بالمراجع في سياق الكلام، وكانوا يرون أن جهلي هو علامة غباء أو انتماء إلى «طبقة متدنية». ولم يسبق لأحد من زملائي الجامعيين أن تناول جبنة فلفيتا البخسة الثمن أو تولى عملية ذبح إيل. ولم يخفَ أننا من عوالم مختلفة.

 

واليوم يواجه الطلاب الفقراء من أبناء المدن الكبيرة مشكلات لا يستخف بها في جامعات البلدات والمدن الصغيرة. وتناهى إليّ أن طالباً سابقاً نصحه زملاؤه في الدراسة في جامعة بنسلفانيا الصغيرة بألا يرتدي قميصاً بقبعة فيبدو «مريباً». وتخلي الشاب عن اللباس هذا هو تخل عن شطر من هويته يعرضه للخطر والمساءلة.

 

ومتابعة الدراسة الجامعية أربع سنوات تقتضي قبول الطالب بمقايضة غير معلنة: استبدال عالمه القديم بعالم جديد لا يقيم وزناً لذاك الذي يتحدر منه. وليس مدار الانتقال هذا على حيازة شهادة جامعية وكسب المال الجزيل، بل له أثره على أوجه الحياة كلها بدءاً من طريقة تربية الأطفال إلى الاعتناء بالصحة والأمل بالحياة. وربما لأنني انتمي إلى أجيال من الناس الذين تركوا عائلاتهم وراءهم وتوجهوا إلى الغرب من إرلندا وشرق فيرجينيا ومونتانا، لم أجد عسراً في الاستقرار في أرض جديدة تحمل فرصاً واعدة. ورغبت في اقتناء مكتبة كبيرة ومنزلاً صيفياً واحتساء الشراب الفاخر، فلم أتمسك بشارات عالمي القديم أو الأصلي. وفي الجامعة وقعت على مذكرات ريتشارد رودريغيز «جوع الذاكرة»، ويصف فيها شعوره إثر متابعته دراسة جامعية بالاغتراب إزاء عائلته. فهو عاد إلى البيت بعد نفاد منحته الدراسية في جامعة راقية ليتواجه مع والديه، فلم يجد غير صمتهما. وفي شبابي لم أفهم ما قصده، وحسبت أن كسب مهارات جديدة أو دخل مجزٍ لن تقابله خسارة يعتد بها. ورغبت في أن أكون من الطبقة الوسطى النيويوركية المعروفة بزياراتها المتاحف. ومع توسع هوة الدخل بين الطبقات الاجتماعية، يتعاظم التباين بين منبت المرء ووجهته الجامعية، وثمة مساعدات مالية فيديرالية وعدد كبير من المستشارين في الجامعات، ولكن ما السبيل إلى إعداد الطلاب الشباب لحرب النزاع الداخلي التي ستقض مضاجعهم وتشغل روحهم وعقلهم؟

 

 

* مدربة الشؤون التعليمية، أستاذة جامعية سابقة، عن «نيويورك تايمز» الأميركية، 21/9/2014، إعداد منال نحاس

 

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان