رئيس التحرير: عادل صبري 10:41 صباحاً | الأحد 23 سبتمبر 2018 م | 12 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

العودة الأميركية إلى الإقليم

العودة الأميركية إلى الإقليم

مقالات مختارة

ماجد كيالي

العودة الأميركية إلى الإقليم

ماجد كيالي 30 سبتمبر 2014 18:44

ثمة معانٍ كثيرة كشفتها الحرب الدولية على الإرهاب، بخاصة ضد «داعش»، مع حلف يضم 62 دولة، ضمنها 20 دولة تشارك فعلياً في العمليات العسكرية، التي تديرها الولايات المتحدة الاميركية في سورية والعراق، وهي حرب بدأت بالضربات الجوية، لكن لا أحد يستطيع التكهن كيف أو إلى أين أو على ماذا ستنتهي.

 

المعنى الأول، وهو ناجم عن مراجعة الإدارة الأميركية لسياستها في المشرق العربي، بالتحول من الانكفاء الى التدخّل المباشر، لا سيما بالقوة العسكرية، ما يؤكد سذاجة النظريات التي كانت تروّج لأفول مكانة الولايات المتحدة، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، كدولة عظمى، أو كقوة وحيدة، ذات فاعلية دولية. إذ أثبت هذا التحول أن هذه النظريات كانت متسرعة ورغبوية ومنفصلة عن الواقع وعن معادلات القوة في العالم. كما أثبتت أن انكفاء الولايات المتحدة، في هذه القضية أو تلك، هو وحده الذي يسمح ببروز دور معين لدولة ما، في منطقة ما، وهو ما يصحّ تماماً على بروز الدور الروسي، كما على دور دول «البريكس» (روسيا والصين والبرازيل والهند وجنوب افريقيا)، في السنوات السابقة، ناهيك عن دور إيران. فها هي الولايات المتحدة بعدما حسمت أمرها، توضّح أنها الدولة الوحيدة التي تستطيع أن تفعل ما تفعله، وأن تجرّ الآخرين وراءها، وضمنه، مثلاً، أن تقيم الأحلاف بدعوى مواجهة «داعش»، وأن تتحرك عسكرياً في الأرض السورية والعراقية، من دون أن تستطيع روسيا أو إيران أن تفعل شيئاً. وها هي الدول الأخرى تتحرك وراءها، من فرنسا وبريطانيا وصولاً الى السعودية وقطر وتركيا.

 

هذا يفيد، أيضاً، بأن الولايات المتحدة لا تتحرك بناء على سياسات الآخرين ومصالحهم، وإنما تتحرك وفق رؤاها السياسية الخاصة، ووفق تعريفها لمصالحها الذاتية، بغض النظر عن ادعاءاتها الأخرى، المتعلقة بنشر الحرية والديموقراطية والسلام والتنمية في العالم، ما يفسّر عزوفها في السنوات السابقة عن التدخّل لوضع حد للمأساة السورية الفظيعة. وبالطبع، فإن ذلك لا يلغي أن ثمة فروقات في سياسة إدارة أوباما الخارجية، عن سياسة سلفه جورج بوش. لكن هذا الفارق، مهما كان حجمه، لا علاقة له بمكانة الولايات المتحدة، ولا بقدراتها، وهو الأمر الذي أساء البعض فهمه.

 

المعنى الثاني، وفي ما يخصنا، أو يخص النظام الرسمي العربي بالتحديد، فإن هذا التطور يكشف مجدّداً عجز هذا النظام، في الوحدات السياسية المشكّلة له، أو بشكل كلي، عن مواجهة التحديات السياسية او الاجتماعية او الاقتصادية او الأمنية التي تعترضه. هكذا نحن إزاء واقع من عالم عربي «مريض» يعاني مشكلات داخلية مزمنة، لا تعوق قدرته على التكيّف مع حقائق العصر، ومحاكاة العالم، فقط، وإنما تعوق قدرته على الاستمرار والتطور أيضاً.

 

والحال، فلم يكن العالم العربي بحاجة الى كل ما حصل في السنوات القليلة الماضية، من الثورات العربية، وأحلام «الربيع العربي»، والتداعيات الكارثية التي نجمت عن مقاومة بعض الأنظمة لإرادة التغيير، إلى صعود الجماعات الإسلامية المتطرفة، من مثل منظمات «القاعدة» وأخواتها إلى «داعش». نعم ما كان العالم العربي بحاجة إلى كل ذلك لو أن النظم القائمة قرأت بانتباه، وبمسؤولية، المعاني المتضمنة في تقارير «التنمية الإنسانية العربية»، مثلاً، والتي صدرت تباعاً في الأعوام (2002-2009)، وتحدثت بوضوح عن معاناة العالم العربي، وعجزه عن التطور، نتيجة نواقص ثلاث في الحرية والمعرفة وتمكين المرأة، والتي رأت أن مواجهتها تتطلب تمكين الحرية والديموقراطية وإصلاح نظم الحكم، وتعزيز المعرفة والتنمية ومكانة المرأة.

 

هكذا تبين النظام العربي عن حالة شلل مرضية مزمنة، ونحن هنا لا نتحدث بخصوص عجزه عن مواجهة التحديات التي فرضتها عليه إسرائيل، مثلاً، إذ إنه لم يفعل شيئاً إزاء ما جرى في العراق، وتركه لمصيره منذ مطلع التسعينات، ما سهّل وقوعه في إطار الهيمنة الإيرانية، وهو ما حصل في لبنان أيضاً. وقد تكرّر ذلك أخيراً، وبطريقة مخجلة، في اليمن الذي ترك لمصيره، بعدما سدّت في وجهه أبواب «مجلس التعاون الخليجي» لمجرد كونه بلداً فقيراً. وكان من شأن دخول اليمن في هذا النادي، على المدى البعيد، تعزيز الاستقرار في شبه الجزيرة العربية، وتوسيع المجال الجغرافي لمجلس التعاون الخليجي، وزيادة مجال الاستثمارات، وتعظيم الموارد البشرية، وصد المطامح الإيرانية، لكن الرؤى السلطوية الضيقة، فوتت كل ذلك، وتركت هذا البلد لمصيره. هذا يحصل أيضاً في سورية، منذ سنوات، بطريقة مأسوية وكارثية، من دون أي تدخل فعال ومسؤول من جانب النظام العربي او أطرافه، في حين ترك الباب مفتوحاً لإيران وحتى لـ «حزب الله». وبديهي أن كل ذلك يجعل دول الإقليم غير العربية، كتركيا وإيران وإسرائيل، أكثر فاعلية من النظام العربي، ومن أي من أطرافه، في تقرير مستقبل المشرق العربي، بل إن الأمر وصل حد نشوء منظمات لا دولتية كـ (داعش) بدت وكأنها كذلك أيضاً، إذ ان ظهور منظمة كهذه هو الذي استدعى التغيير في السياسة الاميركية وعلى هذه الدرجة.

 

المعنى الثالث، وهو يتعلق بسقوط أسطورة الجيوش العربية، بخاصة بعد ان شهدنا ما حصل في العراق وسورية وليبيا واليمن. فهذه الأسطورة، التي عشنا عليها لعقود من الزمن، أكلت من أعمار مجتمعاتنا ومن مواردها، وتم دفع ثمنها باهظاً من حريات الناس وكراماتهم وقوْتهم، وقد تبين في الاختبار (أيضاً ليس في مواجهة إسرائيل فحسب) أن هذه مجرد جيوش الرئيس أو الزعيم أو القائد لا أكثر، أي بمثابة جيوش سلطوية، لم تخلق للدفاع عن الوطن ولا لحماية الشعب، ولا لصون مبنى الدولة.

 

المعنى الرابع، وهو ربما الأكثر أهمية، ويفيد بأن العالم العربي لا يفتقد الحرية والديموقراطية والتغيير السياسي، والتي اعتبرت بمثابة المحرك للثورات العربية، إذ هو يفتقر أساساً، وقبلاً، إلى مسارين مؤسسين، أيضاً، هما المواطنة والدولة. المواطنة، التي تخلق الصيرورة لتحول الأفراد، المتساوين والأحرار، إلى مجتمع حقاً. والدولة، بما هي دولة دستور وقانون ومؤسسات ومواطنين، أي بما هي ليست مجرد جهاز سلطة، وقمع وسيطرة وقسر. والواقع، فإن تقارير «التنمية الإنسانية العربية»، في حديثها عن نواقص العالم العربي، قصرت عن ذكر هذين العاملين المؤسسين، إذ لا يمكن الحديث عن ديموقراطية وإصلاح نظم حكم وتنمية وتمكين للمرأة وتعزيز للمعرفة من دون قيام المواطنة والدولة، فهذان هما الشرطان اللازمان لقيام اجماعات وإدراكات وطنية، بديلة من الاجماعات والادراكات قبل الوطنية، أي الطائفية والإثنية والقبائلية والمناطقية، ناهيك عن الإجماعات السلطوية المصطنعة.

 

أخيراً، نحن نتحدث عن حرب ضد «داعش»، لكن هذه الحرب هي في بداياتها، فلا أحد يعرف كيف يمكن أن تنزلق هذه الحرب، أو ما التداعيات التي قد تنشأ عنها، فلا شيء يقينياً في كل ذلك. اليقين الوحيد بهذا الخصوص، ربما، هو ان ثمة بيئات سياسية جديدة يتم تصنيعها في هذه المنطقة، مع خرائط جديدة، أو من دونها، وأن ذلك يجرى بفعل خارجي، اميركي بخاصة، نتيجة الفوات والعجز الدولتي والمجتمعي، مع كل الاحترام للنظام الرسمي السائد وللثورات العربية.

 

* كاتب فلسطيني

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان