رئيس التحرير: عادل صبري 11:33 صباحاً | الأربعاء 14 نوفمبر 2018 م | 05 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية
ما بعد داعش

مقالات مختارة

الأكاديمي المصري خليل العناني

ما بعد "داعش"

خليل العناني 30 سبتمبر 2014 12:18

سوف تنتصر الحملة الراهنة على تنظيم داعش، ولن يمر وقت طويل، حتى نرى صور معظم قياداتها وأعضائها على صفحات الجرائد العربية والغربية، إما بعد قتلهم أو اعتقالهم. هذا ليس تكهناً، وإنما واقع سوف نراه قريباً. وبينما سيحتسي زعماء الشرق والغرب نخب انتصارهم العظيم على "الوحش" الداعشي، فإن ثمة "نطفة" راديكالية تمردية أخرى سيتم زرعها في عقول وأفئدة كثيرة، تسمع صفير الـ "إف16"، وترى نيران صواريخ "توماهوك" وهي تشعل سماء سورية وأرضها. وما هي إلا سنوات قليلة، ربما، حتى يخرج جيل جديد من الموتورين، أكثر وحشية وبربرية من "الدواعش"، هكذا تمضي الرواية، وهكذا يخبرنا التاريخ.

في التاسع والعشرين من أغسطس/أيلول عام 1966، تم تنفيذ حكم الإعدام في سيد قطب، صاحب "الظلال" و"المعالم"، كان هناك صبي اسمه أيمن الظواهري، لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، يشاهد ويسمع عن "شهادة الأستاذ"، وثباته وتضحيته، فقرر التظاهر مع غيره من الصبية، فجرى اعتقالهم أياماً، وتم الإفراج عنهم لحداثة سنهم. وما هي إلا سنوات قليلة، حتى تحولت أفكار قطب إلى واقع، بعد أن استلهمها شباب كثر، وبدأوا تنفيذها على الأرض، فظهرت مجموعة شكري مصطفى التي أنشأت جماعة "المسلمين"، أو "التكفير والهجرة"، مستلهمة أفكار سيد قطب عن الجاهلية والحاكمية والعزلة الشعورية...إلخ.

ومجموعة صالح سرية التي نفذت عملية "الفنية العسكرية" عام 1974، لكي تنتشر بعدها جماعات العنف والتكفير والجهاد المسلح طوال السبعينيات والثمانينيات، قبل أن يلتقي أيمن الظواهري، الذي أصبح شاباً بشاب آخر، هو أسامة بن لادن، كي يشكلا معاً "الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين" عام 1998، أو ما بات يُعرف لاحقاً بـ"تنظيم القاعدة" الذي نفذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.

وبعدها بعامين، تغزو القوات الأميركية العراق وتُسقط صدام حسين، بحجة التعاون مع تنظيم القاعدة وتصنيع سلاح نووي، فيتحول العراق إلى بؤرة جذب جديدة وقبلة حياة للجهاديين، خصوصاً الذين عادوا إلى بلدانهم، بعد نهاية الحرب في أفغانستان، أوائل التسعينيات.


حينها يقرر شاب أردني اسمه "أبو مصعب الزرقاوي"، وُلد بعد شهرين فقط من إعدام سيد قطب، أن يذهب إلى العراق، لكي يشكل جماعة "التوحيد والجهاد" التي غيّر اسمها لاحقاً إلى "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" عام 2005، ويبايع تنظيم القاعدة، وكان الزرقاوي أول من أدخل تقليد "جزّ الرقاب" وذبح الخصوم إلى الحقل الجهادي. يتم اغتيال الزرقاوي عام 2006، فتنتقل القيادة إلى أبو حمزة المهاجر، ومن بعده أبو عمر البغدادي الذي يعلن قيام "دولة العراق الإسلامية"، وبعد اغتيالهما، تم اختيار "أبو بكر البغدادي" قائداً جديداً للتنظيم.

وبعد قيام الثوة السورية واشتدادها، يعلن البغدادي قيام "الدولة الإسلامية فى العراق والشام" أو "داعش" في إبريل/نيسان 2013، ثم ينصّب نفسه "خليفة" للمسلمين في يونيو/حزيران 2014، وبعد أن سيطرت "داعش" على مساحات شاسعة فى العراق وسورية، يجري الآن الحشد الدولي لمقاتلتها ووقفها، مثلما حدث الأمر قبل ثلاثة عشر عاماً في أفغانستان.


لكن، ماذا يفيد هذا التناول التاريخي السريع للتيار الجهادي؟ وما علاقته بعنوان المقال؟ متابعة تاريخ الحركات الجهادية الراديكالية وتطورها يكشف عن ثلاثة أمور:

أولها أنه لا يمكن تجاهل العلاقة الوثيقة بين القمع السياسي وظهور الأفكار المتطرفة ونشاطها، وهو أمر أصبح من المسلمات. لذا، ليس غريباً أن ينضم آلاف الشباب العربي إلى "داعش"، هرباً من أنظمتهم السلطوية، وطمعاً فى "خلافة" وهمية.

وثانيها، أن ثمة علاقة قوية بين التدخل الخارجي العسكري ووحشية الحركات الجهادية. فما تفعله "داعش" في ضحاياها قتلاً وذبحاً هو نوع من الانتقام والكراهية التي لا يمكن فصلها عن الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

وثالثها، أن التطور التاريخي للفكر الجهادي ينتقل من سيئ إلى أسوأ. وما نراه اليوم وحشية وبشاعة، قد يصبح غداً اعتدالاً. لذا، فلا غرو أن يتندر بعضهم، الآن، بوصف تنظيم القاعدة على أنه أكثر اعتدالاً وأقل سوءاً من "داعش".


لذا، ففي وقت تدكّ فيه طائرات التحالف معاقل "داعش"، مزهوة بنصرها المحتوم، فإنه يجب التحضير لمرحلة جديدة أكثر سوءاً، وألا نفاجأ إذا خرج جيل من المتطرفين أكثر وحشية وبربريةً من "داعش"، فلربما يراقب بعضهم، الآن، ما يجري في سورية والعراق، ويحضّر نفسه لمرحلة ما بعد "داعش".

نقلا عن موقع العربي الجديد

 

اقرأ أيضا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان