رئيس التحرير: عادل صبري 04:46 صباحاً | السبت 17 نوفمبر 2018 م | 08 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

الغرب والإسلام المفترى عليه

الغرب والإسلام المفترى عليه

عبدالعزيز التويجري 29 سبتمبر 2014 20:55

ينعكس ما يجري حالياً في المنطقة من إرهاب وقتل ودمار سلباً على صورة الإسلام والمسلمين في العالم أجمع. إن الجرائم البشعة التي يرتكبها التنظيم الإرهابي «داعش» من قطع للرؤوس واعتداء على الآمنين بالقتل والتهجير وإجبار غير المسلمين على اعتناق الإسلام، هي افتراء ما بعده افتراء على الإسلام، وظلم وعدوان على سمعة المسلمين جميعاً.

 

ولذلك لا ينبغي أن ينظر إلى الإسلام من خلال الأعمال الإرهابية والممارسات المنحرفة والتصرفات المذمومة والأفكار الباطلة التي يُعرف بها بعضُ العناصر التي تدّعي الانتماء إلى الإسلام. ففي ذلك خللٌ في الفهم وقصورٌ عن معرفة طبيعة الرسالة الخالدة التي جاء بها الإسلام، لأن تلك العناصر الفاسدة والجماعات الارهابية مفترية على الإسلام، ولا تمثل هذا الدين الحنيف في شيء، بل هي في منظور الشرع الإسلامي، خارجة عن هديه، وتسيء إليه، بل تعاديه وتحاربه.

 

ومن الضروري التشديد على أن الغرب ليس بريئاً من أمثال هذه الجرائم، فقد قام الجنود الفرنسيون بقطع رؤوس المقاومين المغاربة والجزائريين إبان مرحلة الاستعمار والحماية الفرنسية لهذين البلدين والتباهي بحملها على رؤوس البنادق. وعلى رغم أن تاريخ العلاقات بين المسلمين وأوروبا، التي كانت تمثل الغرب في القرون الوسطى، لم يخلُ من مراحل سلمية ومحطات إيجابية كثيرة، فإن الحروب الدينية التي شنّتها أوروبا، تحت تحريض من الكنيسة، ضد العرب والمسلمين في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، وفترة الاستعمار الأوروبي لبلدان عربية وإسلامية والذي كان احتلالاً وإذلالاً للشعوب التي خضعت لهيمنته، تميزت بجرائم بشعة ومجازر رهيبة تغطي على تلك المراحل التاريخية التي سادت فيها أجواء من التفاهم والتفاعل الثقافي والحضاري الذي أغنى الحضارة الأوروبية، وكان دافعاً للتطور الفكري الذي ساهم في إشراق أنوار المعرفة في هذه القارة.

 

كما أن الصورة المشوهة التي صنعها الأوروبيون عن الإسلام والنبي الكريم، (صلّى الله عليه وسلّم)، وعن المسلمين بصورة عامة وتوارثتها أجيالهم، لا تزال تهيمن على الذاكرة الجماعية في أوروبا. وعلى رغم الطفرة المعرفية الهائلة التي يشهدها العالم اليوم، وعلى رغم الانفجار الكبير في منابع المعلومات المتاحة للجميع بأبسط الوسائل، فإن التعصب الديني الذي ينعكس على الأفكار والتصورات والرؤى والمواقف الفكرية والثقافية والسياسية، يعمل عمله في تعكير الأجواء بين العالم الإسلامي وأوروبا، بل والغرب عموماً، الأمر الذي يُبقي على الحالة المرتبكة السائدة بين الطرفين.

 

وغالبية الشعوب الغربية، هي في طبيعتها غير متعصبة، وفيها عقلاء وحكماء يتعاملون مع الإسلام والمسلمين بروح منصفة، ومن خلال رؤية حضارية، وبموضوعية ونزاهة، وعبر وسائل كثيرة، وفي مناسبات كثيرة. ومن زمرة هؤلاء طائفة من المفكرين والكتّاب والمؤرخين والأكاديميين. لكن الأقلية ذات الصوت العالي، هي التي تؤثر في المشهد العام، وهي التي تصنع الرأي العام بما تملكه من نفوذ في وسائل الإعلام والفن والسينما، وتدفع في اتجاه التحريض على الإسلام وتتعمَّد الإساءة إلى المسلمين، سواء في أوروبا، أو في غيرها من القارات. وهؤلاء هم الذين يؤجّجون نيران الكراهية والعنصرية، ويؤلّبون الرأي العام، ويحولون دون سماع الأصوات العاقلة والأقلام المنصفة، فيمارسون الإرهاب الفكري بصورة واضحة، ويضرّون بالعلاقات العربية الإسلامية- الأوروبية، ويخلقون أجواء التوتر ودوافع القلق، ويفترون على الإسلام افتراءً عظيماً يمس بمصالح المسلمين في العالم أجمع، بما يشيعونه من الأكاذيب والمزاعم الباطلة. وهذا يخالف الحقيقة، ويتعارض مع الواقع. وفي المقابل يقوم المتطرفون من أبناء المسلمين بتقديم الحجج والمبررات لهؤلاء المفترين على الإسلام من خلال أعمال الإجرام والإرهاب التي يرتكبونها باسم الإسلام والإسلام منها براء.

 

ومع هذا كله، فإن الإسلام أصبح اليوم حقيقة ماثلة في الغرب بصفة عامة، وعنصراً مكملاً للحضارة الغربية. وهو الأمر الذي يقف في وجه دعاة التفرقة والعنصرية والكراهية بين الشعوب، ويبطل دعاوى العناصر المتطرفة التي تعمل على التخويف منه. فالإسلام في الغرب كما في مناطق أخرى، يقوم بدور فاعل ومؤثر في نشر القيم السامية والمبادئ المثلى وتعزيز ثقافة العدل والسلام. فهو بهذا الاعتبار يُغني الحضارة الغربية، ويضيف إليها ويتفاعل معها. ولذلك ليس من الحكمة في شيء ولا من المصلحة، إقصاء الإسلام، أو محاربته، لأن الإسلام في الغرب يضيف بعداً مُعزّزاً للنمو الحضاري والتنوع الثقافي في البلدان التي يوجد فيها المسلمون.

 

ومن مصلحة الغرب والعالم الإسلامي بدء مرحلة جديدة من التعاون الإيجابي الذي يضمن محاربة الإرهاب بكل صوره وأشكاله، والقطيعة مع العقلية الاستعمارية التي لا تختلف في بشاعتها عما يقوم به الإرهابيون اليوم من جرائم ضد الإنسانية، واحترام مصالح جميع الأطراف التي هي في الحقيقة من المصالح الإنسانية عموماً، حتى تستقيم الأمور، وترجع الحقوق إلى أصحابها، ويستبين أهل الإجرام، وتنسبُ جرائمهم إلى أنفسهم، وليس إلى الإسلام المفترى عليه. وبذلك يستتب الأمن والسلم في المنطقة، وفي العالم كله.

* أكاديمي سعودي

 

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان