رئيس التحرير: عادل صبري 11:28 مساءً | الأحد 20 مايو 2018 م | 05 رمضان 1439 هـ | الـقـاهـره 32° صافية صافية

التحالفات الأمريكية والمصالح العربية.. من المنظور الاستراتيجي

التحالفات الأمريكية والمصالح العربية.. من المنظور الاستراتيجي

مقالات مختارة

السفير د. عبدالله الأشعل

التحالفات الأمريكية والمصالح العربية.. من المنظور الاستراتيجي

السفير د. عبدالله الأشعل 17 سبتمبر 2014 07:00

أعلنت واشنطن خلال مؤتمر وزراء الخارجية في جدة يوم 12 سبتمبر 2014 تشكيل التحالف الدولي ضد داعش وأنها في حالة حرب معها. ولا شك أنه يجب حماية الدول العربية من مخاطر الإرهاب، ولكن المشكلة هي أن جميع التحالفات التي تصدرتها واشنطن كان لها ثلاث خصائص:

 الأولى هي أنها بين دول إسلامية وعربية لتحارب خطرًا صنعته الولايات المتحدة نفسها، الثانية هي أن هذه التحالفات ارتبطت بالإرهاب كما أسمته واشنطن والثالثة هي أن كل هذه التحالفات كانت ضد المصالح العربية والإسلامية من الناحية الاستراتيجية، ولكنها من المؤكد أنها لصالح إسرائيل وبدت المصالح الأمريكية الاستراتيجية هي ضرب العروبة والإسلام وهى هوية هذه المنطقة، وضرب الوجود العربي والإسلامي نفسه ومد إسرائيل على حساب المنطقة بكل مصادر القوة وإزالة المهددات للمشروع الصهيوني.

هذه الخصائص الثلاث ظهرت جلية في كل التحالفات التي قادتها واشنطن.منذ نهاية سبعينات القرن الماضي. التحالف الأول، هو ضد الشيوعية وعلى الجميع الانتظام في هذا التحالف بما في ذلك إسرائيل وبذلك تصبح إسرائيل شريكا مع العرب فى قضية أكبر وهى محاربة الشيوعية، فعدو الجميع هو موسكو وحلفاؤها وليس إسرائيل، وليزدهر المشروع الصهيونى على حساب الجسد العربى الذى تركه هذا التحالف الجديد فريسة للسرطان الصهيونى، وحتى يتم استنزاف موارد المنطقة لدفع خطر خارجي ابتدعته واشنطن ولا توجه هذه الموارد إلى التنمية.

 وقد حدث ذلك بعد اتفاقيات السلام بين إسرائيل من ناحية ومصر والأردن من ناحية أخري ،قبل أن تظهر الثورة الإسلامية في إيران التي أحدثت آثارًا استراتيجية هائلة وأجبر ت مصر وإسرائيل على التوقيع علي اتفاقية السلام التي صارت ركيزة التحرك الاسرائيلي والعربي.ولا شك أن واشنطن أنشأت بمناسبة أزمة رهائنها في طهران تحالفا عربيا مركزه بغداد ولحمته دول الخليج قبل أن تعيد الكرة بنفس التحالف وأوسع منه ضد العراق مادام الهدف هو تدمير كل من إيران والعراق، تارة باحتوائهما وتارة بضرب بعضهما ببعض، وتارة ثالثة بضربهما معا، وهما محور التحركات الإقليمية والسياسة الأمريكية.

التحالف الثاني، عندما احتلت القوات السوفيتية أفغانستان فاستنهضت واشنطن المسلمين في كل مكان ضد هذا الخطر "الإلحادي" الذي يهدد معسكر الموحدين، فكان التحالف المؤمن ضد محور الإلحاد الشيوعي. وكان هذا التحالف أوضح المناسبات التي استغلت فيها واشنطن سذاجة التيارات الإسلامية والحكومات الإسلامية رغم أن بعضها فصل بين إدانة الغزو، ودعم المقاومة المشروعة، وهى مشروعة مادامت تخدم المصالح الأمريكية وضد عدو واشنطن، لكنها تصبح إرهابًا إذا وجهها الشعب المحتل المقهور فى فلسطين إلى المغتصب والجلاد الصهيونى.

وللمرة الثانية ينصرف العرب إلى عدو واشنطن وليس عدوهم وليس إسرائيل وهذه هي المرحلة التي نشطت فيها عمليات السلام في كامب دافيد واتجاه المنطقة إلى هذا المصير، أي السلام مع إسرائيل وبالرغم الاغتصاب والحرب ضد أعداء واشنطن وعندما حققت القاعدة التي أنشأتها ودبرت لها الدعم المالي والسياسي مادامت ضد موسكو صنعت واشنطن حليفا جديدا وضعته محل القاعدة فأعلنت أن القاعدة إرهابية وبلغت حربها ضدها إلى حد اتهامها بتفجير برجى التجارة العالمي في نيويورك ووزارة الدفاع في واشنطن المعروفة بأحداث 11 سبتمبر الشهيرة.

 في الوقت الذي كانت فيه واشنطن قد أنشأت طالبان بعد تسويات أفغانستان في جنيف التي لم تشترك فيها الدول الإسلامية الفاعلة في الجهاد الأفغاني، وأخذت تروج لها بديلا عن القاعدة ولم تعترف بها سوى السعودية والإمارات وباكستان رغم أنها سيطرت على 95% من أراضى أفغانستان .ثم انقلبت واشنطن على طالبان واتهمتها بعدم تسليم بن لادن "مفجر الأبراج"  فى مسرحية مكشوفة بعد أن اتهمت طالبان بتدمير تماثيل بوذا درة التراث العالمى رغم أن واشنطن نفسها دمرت تراث الإنسانية كلها فى العراق وسرقت ما نجا من الدمار بعد ذلك ثم دمرت العراق نفسه كلية.

التحالف الثالث، هو الذى أنشأته واشنطن بعد غزو العراق للكويت، فقد استدرجت صدام إلى الكويت ثم استغلت هذا الجرم واستمطرت من مجلس الأمن 12 قرارا في أقل من أربعة أشهر من 2 أغسطس يوم الغزو إلى 28 نوفمبر، الأول هو القرار 660/1990 والأخير القرار 678 / 1990 (الإنذار) وهناك شواهد علي أنها أعاقت انسحاب صدام ونشرت سجله الذى اشتركت فيه ضد الأكراد يوم أن وظفته لضرب إيران بعد أن رفضت إيران إطلاق سراح رهائنها فى طهران. عام 1979.

وكان التحالف ضد العراق فى ظاهره إجلاء الجيش العراقى من الكويت بجهود دول عربية وإسلامية وإفريقية ولاتينية ولكن الجهد الأمريكي هو الذي وجه التحالف لتدمير الجيش العراقى وتدمير العراق نفسه، وبذلك حققت واشنطن خمسة أهداف بأيدي العرب المسلمين الذين استعصى عليهم وحدهم ضد صدام حسين.

الهدف الأول هو أنها المحرر والمخلص،  والثاني  هو أن صدام خطر على المنطقة والعالم وهو رمز عربي وإسلامي وعلى علمه الله أكبر، مما ضرب العروبة والإسلام فى مقتل، ولم يشفع أن صدام حارب إيران نيابة عنها وبدعم عربى خليجى لمدة ثمانى سنوات وداست الحرب على كل المقدسات الإسلامية. الهدف الثالث هو إعلاء شأن إسرائيل وتحول الصراع إلى العراق، العدو الجديد وليس إسرائيل الدولة المتحضرة المسالمة والتى لم تهدد الخليج بل العراق هو المهدد، ثم ربطت بين تسوية الكويت وتسوية فلسطين، فكان مؤتمر مدريد بداية التحول إلى السقوط فى القضية وازدهار إسرائيل.

وكان الهدف الرابع هو استنزاف ثروات إيران والعراق والخليج. أما الهدف الخامس فهو زرع الشقاق بين إيران والعرب جميعاً الداعمين لصدام ضد إيران عدا سوريا وليبيا، ثم زرع الشقاق بين العراق والخليج، وانقسام العرب وتعميق الجرح الكويتى من العراق، ومن الدول العربية الأربعة التى ترددت فى إدانة الغزو، أو رفضت أن تقبل بضرب العراق لأهداف أمريكية إسرائيلية وبأيدي عربية، وتحت ستار تحرير الكويت، حتى إن بعض المثقفين العرب استهجن الثمن الفادح لتحرير الكويت مقابل استعباد الخليج كله وبذر بذور القضاء على العراق ، كما بذرت بذور الشقاق الكبير بين الفلسطينيين والخليج.

التحالف الرابع، هو الذى قادته واشنطن ولندن لغزو العراق وتطويع قرارات مجلس الأمن، ووضع خطة الفتنة الطائفية، وتمزيق العراق.

والتحالف ضد داعش، يختلف عن بقية التحالفات، لأن الطرف الآخر كان دائماً عربياً إسلامياً واضحاً، أما داعش فقد كانت فاعلا إيجابيا عندما أرسلت إلى سوريا، ولكنها أصبحت إرهابية بأفعالها الفجة فى القتل والوحشية، وقتل الرهائن الأمريكيين والإنجليز. وداعش ظاهرة باطنها الظلم ضد السنة فى العراق وظاهرها كوزموبوليتان تضم الشباب المسلم الذى وقع فريسة لمفاهيم مغلوطة وظلم من ظن أن العنف وحده هو الحل له.

ثم أن داعش هي الصورة البشعة للإسلام وعلى المسلمين محاربته ولكن داعش عرض لمرض بدأته واشنطن وهى فى النهاية التى صنعته، وهى التى ستصرفه، فلماذا تصطف وراءها عشر دول عربية. إن واشنطن يهمها إلحاق أكبر الأذى بالإسلام والعرب، ولكن هذا التحالف بداية لفوضى جديدة بعد أن صار الإرهاب أداة فى الصراع بين العرب والمسلمين، وكل ذلك يخدم واشنطن ويضرب العرب بالعرب.

المصالح العربية الضائعة في مسلسل التحالفات الأمريكية اثنا عشر ظاهرة علي الأقل. المصلحة الأولي هي انصراف العرب والمسلمين إلي حرب إقليمية واستنزاف مواردهم. المصلحة الثانية هي الإضرار بالعرب واندثار قوّتهم وازدهار إسرائيل. المصلحة الثالثة هي تمزيق الأوطان العربية. المصلحة الرابعة هي الإساءة إلي العروبة التي تراجعت أمام ازدهار القوميات اليهودية أي الحركة الصهيونية . المصلحة الخامسة أن صدام توحش علي الخليج فدبرت للعراق المؤامرة، ولكن صدام كان موازنًا لإيران  فلما زالت قوة العراق استفادت إيران وإسرائيل، بل تحول العراق إلي أهم مقومات الأمن القومي الإيراني.

وكانت المصلحة السادسة هي التوافق بين إيران والخليج وإسرائيل علي أن إضعاف العراق كفيل بتحقيق مصالحها، وهذا أدى الي مضاعفات خطيرة في ميزان القوة بين إيران والسعودية وجعل العالم العربي في غيبة مصر فراغاً تتناطح إيران واسرائيل على سده. المصلحة السابعة أن الإسلام والمسلمين صوروا رسميا علي أنهم إرهابيون والحل هو أن يقضي الجميع علي الجميع. المصلحة الثامنة هي ضياع موارد المنطقة وتدفق السلاح الغربي وضياع أي فرصة للتنمية البشرية والإنسانية.

والمصلحة التاسعة اضطراب العالم الإسلامي وضياع بوصلته واستحالة الاتفاق علي عمل إسلامي مشترك. المصلحة العاشرة هي إفلاس مناهج التطور، فقد ظن أن الثورة السلمية تحقق آمال الشعوب وأن الشيوعية والعنف الطبقي تراجع، ولكن ثبت أن المؤامرة علي آمال الشعوب معقدة وأن الاستلحاق بالهيمنة الغربية هو الطريق الحتمي.

والمصلحة الحادية عشرة ضياع الحقوق الفلسطينية وازدهار المشروع الصهيوني. والمصلحة الثانية عشرة هي ضياع أمل الشعوب في الحرية والاستقرار واتساع الهوة بين الحاكم والمحكوم واستحكام مشكلة التطرف والعنف داخل المجتمع الواحد.

اقرأ أيضًا:

عبد الله الأشعل: نعيش المرحلة الأخيرة من تصفية القضية الفلسطينية

واشنطن بوست تنتقد استراتيجية أوباما ضد داعش

القاعدة تستنفر حلفاءها لمساعدة داعش

جماعة الإخوان: نرفض داعش والتدخل الدولي تقسيم للشرق الأوسط

الأمم المتحدة تدعو إلى احترام قواعد الحرب في مواجهة داعش


 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان