رئيس التحرير: عادل صبري 02:37 صباحاً | الأحد 19 أغسطس 2018 م | 07 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية
لم يعد انقلابا

مقالات مختارة

د. خليل العناني

لم يعد انقلابا

خليل العناني 14 سبتمبر 2014 17:12

بوصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة في مصر، انتهت المرحلة الانقلابية التي بدأت في الثالث من يوليو/تموز ٢٠١٣، ودخلت مصر تحت حكم عسكري سلطوي مكتمل الأركان. لم تعد المسألة مجرد انقلاب على سلطة منتخبة، والاستيلاء على السلطة في أداء تمثيلي باهت، تحت يافطة الانتخابات، وإنما بتنا إزاء محاولةٍ حثيثة لتثبيت أركان نظام سلطوي جديد/قديم، يتم فيه استخدام الأدوات والأساليب كافة، بدءاً من القمع والقهر والقتل، مروراً بالتعبئة والحشد الإعلامي الشوفيني، وانتهاء بالكذب والخداع، تحت يافطة "مشروعات قومية"، تستنزف الوطن والمواطن.

هذه هي الحقيقة التي يرفض بعضهم أن يراها، أو يعترف بها، لأسبابه الخاصة، ويصر على العناد والمكابرة، من أجل ضمان ولاء أنصاره وأتباعه. وفارق كبير بين التعاطي مع الوضع الراهن باعتباره نظاماً سلطوياً غاشماً، لا يفرق بين معارض وآخر، ولا يكترث بقمع فتاة أو امرأة، أياً كان انتماؤهما، ولا يعبأ باعتقال طفل أو تعذيبه، وبين أن تراه مجرد "فعل ذاتي" ضدك، سرق منك السلطة وانقلب عليها، فخلق ثأراً شخصياً لديك، وحوّل فعلك وعقلك إلى "طاقة" كراهية، وحالة استنزافية لك ولكل من حولك. فالفعل الانقلابي وقع وانتهى، وبقيت آثاره، وانتهت معه كل محاولات إسقاطه والتخلص منه، لسبب بسيط هو: أنك لا تزال تراه انقلاباً، بينما هو تجاوز ذلك بكثير.

الوقوف عند محطة الانقلاب خطأ سياسي واستراتيجي بامتياز. فمن جهة أولى، هو يطمس حقيقة الواقع الراهن وتطوراته التي تجاوزت الفعل الانقلابي. كما أشرنا، إلى بناء هياكل سلطوية جديدة، وذلك في ظل محاولاتٍ حثيثةٍ لإعادة بناء وترتيب مراكز القوى القديمة، التي يجري فيها إخضاع الكل لسلطة واحدة مهيمنة، بأي ثمن. وهو من جهة ثانية، يعكس تهافت الخطاب وانعزاليته ورفضه هذا الواقع، ما يعني الفشل في قراءة تبعاته، وبالتالي كيفية التعاطي معه. وهو من جهة ثالثة، يدفع باستمرار الانقسام والانفصال بين الكتل الواقعة تحت سطوة الاستبداد.

وثمة فارق كبير بين إسقاط الانقلاب وإسقاط النظام، فإسقاط الانقلاب يبدو لكثيرين هدفاً "ذاتياً" محضاً، يحمل قدراً كبيراً من التطييف والخصوصية، وهو، بالنسبة لبعضهم، يعني عودة القديم في محاولة لإعادة إنتاج التاريخ القريب واستنساخه بكل مشاكله وأخطائه، أما إسقاط النظام الجديد/القديم فهو مطلب جامع، تتخطى مشروعيته أي فصيل، ويتجاوز عقلية الاستقطاب والمعركة الذاتية. إسقاط النظام لا يعني عودة القديم أو استنساخه، ولا تعني إعادة السلطة إلى طرف بعينه، وإنما إعادة القرار والإرادة للأمة.

لم يعد ما حدث انقلاباً، وما يفعله بعضهم، الآن، ليس ثورة، وإنما مجرد خداع وجلد للذات أو "حفر على الناشف"، كما يقول الجنرال. فالثورة فعل تلقائي محض، لا مكان فيه للتوجيه والتنميط والعزلة والانغلاق، هي حالة عارمة تجتاح الأمة، لا تترك صغيراً أو كبيراً، إلا وقد لمسته وحركته ودفعته إلى الخروج في سيمفونية واحدة، تختلط فيها الأصوات، لكنها تتناغم حول مطلب واحد هو: إسقاط النظام.

الثورات الحقيقية لا تبدأ من الآخر، ولكن من الذات. والثورة على "الذات" الفردية والجماعية شرط لنجاح الثورة على الآخر المستبد. والتمرد على العقل التقليدي ابتداءً، سوف يفضي إلى التمرد على العقل السلطوي انتهاءً. الثورات الحقيقية هي إعادة خلق للنفس والروح والعقل والفكر والأدوات والاستراتيجية، هي نفخ للروح في جسدٍ ساكن وليست حبساً لها في جسد متحرك وغاضب. هي بعث للأمل في نفسٍ حائرةٍ مضطربة، وليست مجرد تعبئة للغضب والحنق والانتقام في جسد منقاد ومطيع.

لن يسقط النظام لمجرد وجود الغضب، ولن يسقط باستنزافه وإرباكه، ولن يسقط لفشله في توفير الماء والكهرباء، ولكن، سيسقط حين يتم التوقف عن التعاطي معه بمنطق "الثأر" الشخصي، والتوقف عن خصخصة الصراع. وقتها فقط سوف يصبح إسقاطه هدفاً للجميع، وسيري كثيرون المكسب والفائدة من إسقاطه. لن يثور الناس من أجل قضيتك، ما لم يشعروا بأنها قضيتهم، ولن يتضامن معك أحد، ما دمت تراهم مجرد "قطيع"، تابع عاجز عن تحديد مصلحته، بعيداً عنك. لم يعد صالحاً أن تتبنى منطق الولاية على الأمة، والوصاية على الشعب، فالثورة تحرير للنفس والفعل والقرار.

لن تنجح الثورة بحجم النيات الطيبة التي تقود الثائرين، ولن تنجح بحجم الغضب الذي يجرى تجميعه في صدور الرافضين، ولن تنجح بمقدار الخسائر التي يجرى إيقاعها في صفوف السلطويين والمستبدين، وإنما ستنجح فقط حين تنجح في إقناع الجميع، لكي يرددوا بثقة وقوة: الشعب يريد إسقاط النظام.

 

اقرأ أيضا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان