رئيس التحرير: عادل صبري 12:59 مساءً | الأحد 24 يونيو 2018 م | 10 شوال 1439 هـ | الـقـاهـره 38° غائم جزئياً غائم جزئياً

اقتصاد مصر وساستها

اقتصاد مصر وساستها

عبد العزيز الحيص 11 سبتمبر 2014 14:54

"لستُ مسؤولاً عما حدث، فكلنا، في النهاية، نعمل سكرتارية عند الرئيس". هذه قولة لمسؤول مصري سابق كان يدافع عن فضائح فساده في مصر. لاحقاً، وصفت صحيفة مصرية هذه المقولة أنها "أصبحت شعاراً للمرحلة"، مشيرة إلى فترة الاستبداد والاستغلال السياسي والاقتصادي من النخب في زمن حسني مبارك. سابقاً وحاضراً، أؤمن أنه لا يمكن فصل الفساد وتدهور الاقتصاد عن وجه الحكومة واستغلال الطبقات العليا. ما يحدث في مصر، اليوم، هو محاولات مستميته لتجميل القيادة السياسية الحالية، ومسح عثرات الاقتصاد ومصائبه عن وجهها. وهذا كله لا ينجح، سياق رحلة مصر، في العقود الأخيرة، لا يؤكد نتيجةً ما، أكثر من تأكيده على هذه.

لقد ملّ الناس، أصحاب "ثقافة المقهورين"، هذا الوضع شبه "المستديم" في مصر، والذي يفتح نقاشاً حول الأوضاع الاقتصادية، مع تجاهل مقصود لعلل رئيسية فيها، من ذلك تقاطع السلطة مع الامتيازات، واستمرار الميزانيات غير المعلنة، وسيادة "رأسمالية المحاسيب". عهد مبارك كان غير مسبوق في مصر، من ناحية بروز التجار وتدخلهم في مصالح البلد، وأصبحت مصر، في هذا العهد، بلداً ليس له مثيل في "خدمة الأغنياء"، كما يقول المفكر المصري جلال أمين.

الوضع القائم اليوم استمرار لما ساد في فترة مبارك: سلطة غير مساءلة، ومحسوبية متنفذين، ومشكلات مستمرة، لا يوجد إصلاح بنيوي جاد لها. وهذه ضريبة عرقلة المسيرة الإصلاحية في البلد. كثيرون قالوا إن البلد يحتاج الاستقرار، وتم الدفع ناحية قبول قدوم القائد العسكري رئيساً حالياً لمصر، باعتباره "الرئيس الضرورة". ما سيبقى بعد قدومه أن قبوله، والميل إلى عدم مساءلته ومساءلة برامجه وشفافيتها، تعني، بالتأكيد، اقتصاداً لم يقاربه الإصلاح.

افتقاد الخطط والبرامج القادمة من إصلاح سياسي وديموقراطي، تقود، في النهاية، إلى نظام غامض، لا يتضح فيه شيء غير مكاسب المتنفذين وترقيهم في الدرجات العليا، مثلما كان الأمر أيام نظام مبارك. وصفت مايسة الجمل، في كتابها "النخبة السياسية في مصر"، نظام مبارك بأنه كان خالياً من التنظيم المدني والهيكلي، وتغلغلت فيه الذاتية والشخصية، تبعاً للرؤوس التي تديره، وكان نظاماً جامداً لم يستطع أن يتطور في أي اتجاه، لا ديموقراطي ولا حتى شمولي.

"الفقر في السياق المصري ينتقل، بإيقاع ثابت، من جيل إلى جيل، وتعتبر مصر واحدة من بين أكثر خمس دول في العالم مهددة بالإفلاس.
"

لقد ابتدأت مصر العقود الأربعة الأخيرة، وهي تحوز اقتصاداً جيداً نسبياً، نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار البترول، منتصف السبعينيات، بالإضافة إلى زيادة الطلب على العمالة المصرية في دول الخليج الغنية، ولكن سعر البترول ومعدل الهجرة انخفضا في منتصف الثمانينيات. وبجانب ذلك، فشل الإدارة واستشراء الفساد في الأجهزة القائمة على إدارة الاقتصاد في البلد، والفشل في العبور إلى اقتصاد إنتاجي وصناعي، بجانب ضغط قوى أجنبية على البلد لإنفاذ مصالحها، واستهلاك موارد الغاز والنفط، وصولاً إلى مشكلات أخرى في مصر، مثل التضخم السكاني وسوء توزيعه، حيث يتمركز الثمانون مليوناً حول النيل والدلتا، ويشغلون فقط 7% من أرض مصر، كلها قادت، وتقود، إلى توسع الفقر في مصر، وانكماش الطبقة الوسطى، وإضعاف الدخل. 

الفقراء في مصر يمثلون 20% من السكان، والفقر في السياق المصري ينتقل، بإيقاع ثابت، من جيل إلى جيل، وبحسب دراسات صدرت العام الحالي، وتعتبر مصر واحدة من بين أكثر خمس دول في العالم مهددة بالإفلاس. وذكر تقرير "الأمم المتحدة للتنمية البشرية" في العام الماضي (2013)، أن بطالة الشباب في مصر هي الأعلى في العالم العربي بنسبة بلغت 54%.

انخفاض الدخل ترافق مع نمو حالة استهلاكية في مصر تسربت إليهم من دول الخليج عن طريق العاملين هناك، ومن الشركات الحديثة التي أشعلت الرغبة الاستهلاكية لدى الشعب، وهي شركات تتوسع كما تريد في مصر. أوضحت دراسة من "جامعة القاهرة" في العقد الماضي أن معدل شراء الجهاز المحمول في مصر بلغ 35%، ويعتبر من أسرع المعدلات نمواً في العالم، في مقابل معدل 23% في الصين مثلاً. مشكلة مصر أنها آخر بلد يفترض أن تنمو فيه نزعة استهلاكية، لكنها تستورد صغير الأمور وكبيرها من الصين كما تفعل غيرها من الدول!.  

زيادة الاستهلاك وانخفاض الدخل، أثّرتا سلباً على المجتمع المصري، ففي ذلك إفقار للطبقات الشعبية، وإعاقة للفاعلية الاقتصادية المنتجة داخل البلد، وهذا كله أتى وفق مسار الانفتاح الاقتصادي المصري، الذي تؤكد ثناء عبدالله، في كتابها "مستقبل الديموقراطية في مصر" أنه جلب رأسمالية ذات طبيعة طفيلية "تعنى في المقام الأول بالاستهلاك لا بالإنتاج، ومبادلة فائض أو نقص الاستهلاك، من دون اكتراث بالوسط الاجتماعي والاقتصادي الذي يعمل في إطاره".

يبقى أن كل هذه العلل الاقتصادية لا تقارن بأكبرها: التنفذ السلطوي في الاقتصاد، وأمراض رأسمالية المحاسيب، التي دمرت الإنجاز وأحضرت الشح في جوف مصر الخصب. كيف يمكن تجاوز هذه العلة اليوم، دون الانتقال إلى مؤسسية وشفافية تصلح البلد، وتحدق في وجه السلطة السياسية، وتدقق في أحوال "سكرتاريّة" الرئيس ودوائره العليا.

* نقلاً عن العربي الجديد

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان