رئيس التحرير: عادل صبري 11:44 مساءً | الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 م | 05 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية
طبائع المصريين

مقالات مختارة

محمود الفقي

طبائع المصريين

محمود الفقي 09 سبتمبر 2014 11:46

في كتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ الذي ألفه أيام الحروب الصليبية وصور فيه ما رآه بالشام خلال عمره الطويل (أكثر من تسعين سنة) وبعد قراءة ما مدحه به الأصفهاني:

"أسامة كاسمه في قوة نظمه ونثره، يلوح من كلامه إمارة الإمارة، يؤسس بيت قريضة عمارة العمارة، نُشر له علم العلم، ورقي سلم السَّلم، ولزم طريق السلامة، وتنكب سُبُل الملامة، واشتغل بنفسه، ومحاورة أبناء جنسه، حلو المساجلة، حالي المساجلة، ندي الندى بماء الفكاهة، عالي النجم في سماء النباهة، معتدل التصاريف، مطبوع التصانيف."

ثم بعد قراءة ما قاله ابن منقذ تحت عنوان: "طبائع الإفرنج وأخلاقهم" من كونهم بهائم لا يجيدون إلا ما تجيده البهائم..

أقول إن هذا الفخ هو ما جعل المسلمين والعرب والمصريين بالتحديد يتعثرون في مسيرتهم نحو النهوض.

صحيح أن الشعوب لا تختلف إلا في صفاتها التشريحية وأن الإنسان هو عينه في كل مكان؛ لكن التجارب تختلف والآثار تتراكم وفقا لنوع الخيارات والقرارات التي تتخذها الأمم جماعات وفرادى.

وقد كان آخر كتاب ترجمته هو كتاب د. دانييل يرجين الشهير عن الطاقة، وهو واقع في ألف صفحة ترسَّل فيها المؤلف الحائز أعلى الشهادات والأوسمة من أكبر الجامعات واستطرد تقريباً في كل المعارف المتصلة بالطاقة من قريب أو من بعيد لكن الذي لفت نظري بما يتصل بالمقال هو هذه الجملة عند حديثه عن إيران:

"هي أمة لا دولة، بها شعب يقطر شوفينية ممقوتة، تدار منذ فترة طويلة على نحو سيء، جاهزة للسقوط في أي وقت."

شعرت ساعتها أنه يتحدث عن مصر التي تسري عليها كل هذه السمات والتي أكدها مبارك في كلمته التي تحتاج إلى كتاب كامل يشرحها، وقد أخطأ من اتهمه بالغباء وهو المنوفي العُقر إذا يقول: "والله أنا كنت بلصَّم مصر."

والمعنى الواضح أن الدولة المصرية العريقة في تاريخها والتي أشعر بالصغر عند تأملي كيف بنى المصريون القدماء هذه الأهرامات المعجزة إنما تعاني من مؤسسات أكل عليها الدهر وشرب وعجز أبدي في الموازنة وشعب يزيد بعشوائية مستفزة وحال من الكسل والتراخي في بلاد الشمس الحارة وتوريث حتى في القضاء لا يعالج بالقانون وحده وإنما بتغيير الثقافة كلها، ورغم هذا لا يتخلى الشعب في أغانيه وسائر فنونه عن الإحساس المفرط بالعظمة لمجرد أنه مصري.

مؤسسات الدولة المصرية التي تدار بطبائع المصريين جاهزة للسقوط في أي وقت بعكس ما يرسمه من يدَّعون التخصص في السيناريوهات وعلم المستقبليات لأن الدولة كما الفرد تصغر وتكبر وتشيخ وتهلك، ولست بحاجة إلى حشر اسم ابن خلدون لأؤكد أنه قال هذه المسلَّمة.

وأما عن طبائع المصريين الذين تنوء كواهلهم بحمل مؤسسات مهزوزة فبمقدوري إيجازه في تجاربي الحية التي عشتها في الحارة المصرية ثم صعوداً الى الطبقة المتوسطة وتعاملي الحي الحذر الحاذق المستبصر بطبائعنا نحن المصريين، أقول أستطيع إيجازه في مشوار واحد إلى مكتب المرور لتجديد رخصة سيارتي حيث الجميع فاسد يتنفس رشوة وقلة ذوق وحيث لا أستخف لأحد منهم ظلاً باستثناء الضابط!

الضابط هو الوحيد الذي ألح علينا ألا ندفع مليما واحدا إلا في الخزينة وبإيصال رسمي، وهو ما خلق المفارقة في وزارة هي أفسد الوزارات قاطبة، والتي رأيت بنفسي فيها ما لا يَحْسُن بالحر أن يرسمه بالقلم ويطرح في قلب صاحبه الألم على رأي أبي حيان التوحيدي عندما كره الناس والدنيا وأحرق كتبه، لكن رأيي ما يزال غريباً، وهو أن الداخلية التي تحدد علاقة الحاكم بالمحكوم في بلادي فسدت لتعاملها المباشر مع الشعب الذي يعاني من قدر كبير من الفساد، وهو الذي يجعلنا نفهم مقدار ما بالمؤسسة العسكرية من كفاءة واعتدال، لأن تعاملهم مع المدنيين شبه معدوم.

لكن الحق أن الفقر عدو كل فضيلة وليس ذنب المصريين المباشر أن فسد الكثير منهم تحت وطأة الفقر، والدليل على هذا ما كتبه توفيق الحكيم في "يوميات نائب في الأرياف"، وإلا فإنني وقد تعرضت لانقطاع سير الكاتينة على الطريق كان الوحيد الذي يمثل عبئاً على الجميع والذي لم يفعل أي شيء هو أنا فيما الآخرون جميعا ممن لا أعرفهم قد أسدوا إليَّ ما تعجز الكلمات عن وصفه من صنائع المعروف وبإصرار على ألا يأخذوا مني أي تعويض مالي، وفي كل مرة كنت آكل فيها على عربات الفول وكنت أستنكف تناول الصلطة والمخللات خوفا من التلوث كان من حولي في كل مرة يظنون أليس معي ما يكفي من النقود فكانوا يُقسمون علي أن أتقبلها هدية على حسابهم إذ يربتون كتفي بإنسانية وحنان عظيمين، وهكذا فالأصل في المصري أنه شريف الجوهر وكريم العنصر.

والآن فإن الحل هو تغيير الثقافة، والمسار لا بد أن يكون عبر إطار غير رسمي لأن الحكومة غير قادرة بطبيعة الحال حتى في أقوى الدول على تقديم كل الخدمات، وهنا يأتي دور التعليم والإعلام والمجتمع المدني.

أما عن التعليم فإنني وبمطالعة سريعة للمناهج التعليمية وتحديداً ما تدرسه ابنتي الصغيرة أجده عظيماً والمشكلة في المعلم الذي (على سبيل المثال) ينطق الكلمات الإنجليزية خطأ هذا إذا حضر الدرس أصلاً، وأما عن الإعلام فقد تسلط علينا كثير من الجهلة الأشرار بتوجيه من أمن الدولة فصاروا عبئا على المصريين بالتجهيل وبث العداوات والتحريض على الدم والحل في خلق مسار وعي بديل، وهو ما أفعله على صغري ويفعله غيري على كبرهم، وأما المجتمع المدني فإنني أؤكد رغم اختلافي السياسي الصارخ مع الإخوان المسلمين أن لهم فضلا كبيراً على مصر هي أحوج ما تكون إليه دعما للفقراء والمساكين والمحتاجين...ملح الأرض الذي لا يسع الحكومة بأية حال تدبير شؤونه وحدها.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان