رئيس التحرير: عادل صبري 02:13 مساءً | الثلاثاء 22 مايو 2018 م | 07 رمضان 1439 هـ | الـقـاهـره 32° صافية صافية

أجندة القاعدة حتى عام 2020

أجندة القاعدة حتى عام 2020

بقلم: عبدالناصر توفيق 08 سبتمبر 2014 13:29

بسبب حساسية المحتوى برر الدكتور أحمد حسن القرعى تخوفه من نشر هذا المقال فى جريدةالأهرام قبل تسعة أعوام. ولعله لذات السبب لم يعلق عليه صديق عزيز يعمل فى المخابرات العامة (أعتقد أنه الآن أصبح وكيلا) . اليوم أود أن أعيد نشره لعدة أسباب. أولها هو تبدل الأحوال, والأحداث الهائلة التى جرت خلال هذه الأعوام, والتى على يبدو تتسق ما تم التحقيق من قبل القاعدة قبل تسع سنين. لكنى سأعيد صياغته بما يتناسب مع عام 2014.

قسمت القاعدة خططها الى سبعة مراحل متتالية تبدأ من عام 2000 وتستمر حتى عام 2020. لنبدأ من المراحل الحالية و المستقبلية أولا.

المرحلة الرابعة وتقع بين عامين 2010 و 2013: فيها ستعمل القاعدة على الوصول الى انهيار فى الدول التى تناصبها العداء. وتتوقع حسابات القاعدة أن تتمكن فى ضعضعة أركان الحكم فى دول المنطقة, وأن ذلك سيعظم من دور القاعدة. بالتوازى مع ذلك يجب أن تقع هجمات على المواقع المنتجة للبترول وهو ما قد يؤى الى إضعاف الإقتصاد الامريكي, ويمكن أن تعمل القاعدة على زيادته من خلال هجمات إلكترونية.

لنتوقف هنا قليلاّ هل تمكنت القاعدة فعلا من الوصول الى جميع هذه الأهداف؟ نعم ولا فى ذات الوقت. لقد تكفل الربيع العربى عام 2011  بإضعاف الحكم فى تونس ومصر وليبيا. فى الحقيقة لم يكن فقط إضعافا بل إنهيار للحكم فى هذه الدول من خلال عوامل ليس للقاعدة دخل فيها. "حسنا, لكن ما المانع أن تتطوع عوامل أخرى لتوصلنا نحن الى أهدافنا": هكذا يمكن أن يرد أحد منظرى القاعدة. لكن فى اليمن وعلى وجه الخصوص فى سوريا كان على القاعدة أن تتولى الأمر بيدها هى. لم تتمكن العوامل "الثورية" من الإطاحة بالأسد ولا بصالح بنفس السرعة التى حدث بها مع زين العابدين, ومبارك, والقذافى. ولا يجب أن ننسى أن الجزء الثانى من الإستراتيجية لم يبدأ بعد. أى انه من المتوقع أن تواجه المواقع البترولية هجمات إرهابية, وستتوازى معها هجمات إلكترونية لإضعاف الإقتصاد الأمريكى.

المرحلة الخامسة وتقع بين عامى 2013 و 2016: لو تمكنت القاعدة من تأسيس "الدولة الإسلامية" وعلى وجه الخصوص من تنصيب الخليفة, سيقل التأثير الغربى على العالم الإسلامى. هذا ما يتوقعه سدنة القاعدة. وأيضا يتوقعون أن تضعف دولة إسرائيل لدرجة أن دورها العسكرى فى المنطقة لن يصبح مخيفا على الصورة التى كان عليها منذ تأسيسها. "الدولة الإسلامية" يتعيد ترتيب النظام العالمى. هكذا يحسب مخططى القاعدة.

الآن هل نعرض المرحلتين المتبقيتين أم نذكر بما حدث فى المراحل السابقة. أعتقد أن استعراض حقيقة هذه الأجندة أصبحت ضرورة ملحة. لقد كانت مجلة "دير شبيجل" الألمانية أول من نشر أجندة القاعدة فى عددها بتاريخ 18 مايو 2005. كان ذلك نقلا عن سجين سياسى أردنى يدعى فؤاد حسين السواركة. السواركة كانت تجمعه مع "أبى مصعب الزرقاوى" ليس فقط "أنهما بلديات" بل ايضا سجونا ضمتهنا لسنين طويلا, وهو ما جعل منه محل ثقة الزرقاوى. من الحوادث الأخرى التى تدل على الثقة المتبادلة بين السجينين هى أن السواركة قد توسط لإطلاق سراح الزرقاوى من السجون الأردنية. الزرقاوى لمن لا يزال يذكر كان رغيما لتنظيم القاعدة فى العراق. وقد أنتج السواركة فيلما عن الزرقاوى بعنوان "الزرقاوى الجيل الثانى من القاعدة", كانت تتداوله مواقع القاعدة بصورة مكثفة. هذا الصدفة التاريخية لم تكن نادرة ما تبدو لنا الآن. لقد حدث أن تواصل قادة القاعدة مع العديد من الصحفيين, والمراسلين.

أيضا يقول السواركة أنه جمع معلونات مشابهة من "سيف العدل". سيف العدل هو مصرى كانت المخابرات الأمريكية تضعه على قائمة المطلوبين لديها وكانت ترصد 5 ملايين دولارا أمريكية للحصول على اية معلومات عنه. وكان يتهم بالضلوع فى تفجيراات بيروبى ودار السلام على السفارتين الامريكتين بهما. ولكى يبرهن السوراكة على تواصله مع سيف العدل نشر فى كتابه فاكسا يتكون من صفحتين مكتوبتين بخط اليد وهما رسالة من سيف العدل الى السواركة, ويرفق بخطابه وثيقة مكونة من 15 صفحة يشرح فيها العدل الإختلافات بين الزرقاوى وأسامة بن لادن حتى خلال الحرب الأفغانية, ويفصل فيها لبنود أجندة القاعدة حتى عام 2020. بقى ان نذكر أن هذا السبق الصحفى أصبح موضوعا لدراسات علمية متعددة على سبيل المثال

http://www.worldpoliticsreview.com/articles/13208/jihad-2020-assessing-al-qaida-s-20-year-plan

http://www.longwarjournal.org/archives/2005/08/the_seven_phase.php

كنت أتمنى أن توليها الاجهزة الأمنية المصرية الإهتمام المطلوب.

نشر فؤاد حسين السواركة فى كتابه ما يزيد عن مائة صفحة عن سيناريوهات القاعدة فى حربها طويلة الأمد وصولا لدولة الخلافة. هذه السينايروهات بدت ومنذ الوهلة الأولى مصصمة أن تبلغ أهدافها حتى وإن بدت فى حينها أهدافا وهمية أقرب للخيال منها للحقيقة. فى سبعة مراحل متتالية ومتداخلة خططت القاعدة لبناء دولة الخلافة, ولإضعاف نفوذ الدول الغربية فى العالم الإسلامى.

المرحلة الأولى "مرحلة النهوض" والتى كان قد تم إنجازها بالفعل. يفترض انها غطت الفترة بين عامين 2000 و 2003, أو بمعنى أدق هى مرحلة الإعداد لهجوم 11 سبتمبر 2001 الشهير و اكتملت بسقوط بغداد عام 2003. بحسب هذه الخطة فإن هدف الهجوم كان جر الولايات المتحدة الى حرب العالم الإسلامى, بهدف "إيقاظ" المسلمين. يصف السواركة نتائج هذه المرحلة بالرائعة. فقد تم توسيع ميدان الحرب وتحول الأمريكان وحلفائهم الى أهداف قريبة المنال من أيدى المقاتلين الإسلاميين. وقد نجح التنظيم فى إيصال رسالته إلى "كل مكان على المعمورة".

المرحلة الثانية "مرحلة اليقظة" والتى استمرت حتى عام 2006. وكانت تهدف الى أن يعى "المجتمع الإسلامى" بالمؤامرة الغربية. فى هذه المرحلة ستتحول القاعدة من منظمة مركزية الى حركة عالمية, بحيث لن يكون من الضرورى أن تربطها بالحركات التى ستنضوى تحت لوءها علاقات مباشرة. بمعنى أدق ستصبح القاعدة "فكرة" تحتوى العديد من التنظيمات التى تلتقى معها فى الأهداف, لن يهتم أحد بنوعية التكتيكات التى تتبعها التنظيمات الحليفة. وقد خططت القاعدة لضخ دماء جديدة في عروقها. لعل الزرقاوى كان أبرز علاماتها. من أهم أهداف هذه المرحلة هى أن يصبح العراق "قاعدة عمليات ذات أبعاد كونية". ويجب أن يتم تشكيل جيش هناك وبالتوازى مع ذلك تتكون "أنوية جيوش" فى كل البلاد الإسلامية.

المرحلة الثالثة مرحلة "الإستواء على القدين". وقد دامت بين عامي 2007 و 2010. سيتم (أو تم) التركيز على سوريا. ويبدأ تهيأت المقاتلين فى أماكن متفرقة على أن يلعب العراق دورا رئيسيا. وكان مخططا لتنفيذ هجمات على تركيا وهجمات أخرى تستهدف إسرائيل. بالنسبة للأخيرة فإن مخططى القاعدة نصحوا بالإعتراف بجميع المنظمات المستعدة لتنفيذ ذلك. وايضا كان من المفترض أن تنفذ هجمات على الدول المجاورة للعراق وعلى وجه الخصوص الأردن.

قبل استعراض المرحلتين الأخيرتين تجدر الإشارة الى ان بعض ما خططت له القاعدة وجد طريقا للتنفيذ, والبعض الآخر إما أن يكون قد أهمل, أو تم التغاض عنه, أو ترك لمراحل تالية.

المرحلة السادسة ستبدأ عام 2016 وتسمى "المواجهة الشاملة". مباشرة بعد تنصيب "الخليفة" سيقوم "الجيش الإسلامى" بتنفيذ ما كان أسامة بن لادن يردده دائما وهو "القتال بين المؤمنين والكفار".

المرحلة النهائية وهى السابعة ستبدأ مباشرة بعد "النصر النهائى". المخططين الإستراتيجيين للقاعدة يتنبؤون أن تنصيب الخليفة سيصبح أمرا واقعا لأن الدول الغربية ستخشى المواجهة مع مليار ونصف المليار من المسلمين. فى العام 2020 قد تنتهى المراحل أى فى أقصى تقدير لن تدوم المواجهة لأكثر من عامين إثنين.

مدى مصداقية هذه الأجندة؟

يشير المؤلف السواركة الى أن القاعدة لا تعرف فى تاريخها أى نوع من الموائمات, ويعتقد بأن الصفوف المتتالية من مقاتلى القاعدة يبذلون كل غال ورخيص لتنفيذ هذه الأجندة. كما يعتقد صحفى دير شبيجل أن السواركة نفسه صحفى جاد نشر العديد من الكتب, ويتربع كتابه عن الزرقاوى كأفضل ما كتب عن مقاتلى القاعدة. وكما أشرنا انتج السواركة فيلما وثائقيا متميزا لقى استحسانا فى العديد من الوسائل الإعلامية والمعاهد الدراسية لتناوله الإستراتيجيات الدعائية للقاعدة فى استخدامها للمواقع الجهادية.

لكن هل يمكن اعتبار ما قدم السواركة خطة جادة؟ لقد تشككت "دير شبيجل" فى جدية التصور من حيث أن تحافظ القاعدة على مخططها على مدى الخمس عشر عاما التالية منذ عام 2005. أيضا ساهمت فكرة أن القيادة المركزية للقاعدة بدأت تفقد سطوتها على جميع المقاتلين فى زيادة شكوك المجلة الألمانية. وقد أعتبرت المجلة أن أحداث سبتمبر وسقوط بغداد مجرد أحداث وقعت ترغب القاعدة فى استثمارها.

لكنا اليوم قد نختلف مع تصورات "دير شبيجل". لابد لنا اليوم من قراءة الأجندة بعيون أخرى. إن تحويل القاعدة لفكرة كونية قد وقع بالفعل, وبالفعل أصبحت قاعدة المغرب العربى, وقاعدة جزيرة العرب, وقاعدة العراق والشام كلها تنظيمات لها حرية حركة واسعة. وأيضا يبدو أن هذا لم يكن اعتباطيا أو عرضيا. يبدو أنه وقع المخطط الشامل. حتى أن قتل أسامة بن لادن لم يؤدى الى انهيار القاعدة, كما توقعت الإدارة الامريكية. وعلى الرغم من إفتقاد القائد الجديد الدكتور أيمن الظواهرى لمقومات الزعامة التى كانت لبن لادن فأن المنظمة لا تزال ناشطة, بفضل اللامركزية. لقد عاصرنا كيف تغلغلت القاعدة فى الدول المجاورة لإسرائيل, وكيف أضحت سوريا والعراق ميدانا هائلا لحرب مفتوحة. لقد صدم الجميع ومنهم الأجهزة الأمنية والإستختباراتية فى العديد من الدول المعنية بظهور تنظيم "الدولة الإسلامية فى العراق والشام". هذا التنظيم أطاح بالجيش العراقى فى أجزاء واسعة من أغلب جهات العراق. هذا فضلا عن الدور المتزايد له فى سوريا, وعن التهديدات المتصاعدة للعديد من الدول. هذه بعض الأسباب التى قد تؤيد فكرة أخذ "الأجندة" بعين الإعتبار.  

بالنسبة لنا فى مصر فإن الأمر يبدو جد خطير. وأعتقد ان الإستهانة بهذا الأمر ضار جدا بكيان الدولة المصرية العتيقة. لقد أضحت سيناء ميدانا لحرب طويلة الأمد بين الجيش المصرى ومقاتلين عقائديين. ليست سيناء فقط بل العديد من الجهات فى مصر مرشحة للإنزلاق الى هذه الهوة. قد يبدو للبعض مريحا أن تلصق تهمة وجودهم ودعمهم ومساندتهم الى الإخوان المسلمين. وقد يكون لهؤلاء دورا ما. لكن ليس من دورنا نحن الأكاديميين والكتاب أن نقوم بما يجب أن تقوم به الأجهزة الأمنية والإستخباراتية. لكنا فقط نرصد حقائق صادمة, منها أن الجهاديين المحتملين فى مصر لا يلزم أن يأتوا من الخارج, فتصدهم الأجهزة الأمنية أو حتى القوات المسلحة. فمن بين مواطنينا خرج - ليس مجرد مقاتلون بلهاء بل - قادة كبار, ومنظرون بارعون, ومنفذون دهاة. إنا وللأسف الشديد لسنا بحاجة الى "قاعدة" أو "داعش" أجنبية لتهددنا فى مصر. إن الاحوال المتأزمة فى مصر على الأقل من الناحية السياسية أفرخت وستولد أعدادا هائلة من المصريين الراغبين فى الإندماج فى صفوف المجاهدين. من الناحية الدفاعية لقد أضحت الدولة المصرية محاطة بالعديد من التهديدات الكبيرة, ليس أقلها الصراعات الأهلية فى ليبيا, والعنف اللامتناه فى فلسطين, والجحيم الملتهب فى الشام, والأوضاع المأساوية فى جنوب البحر الأحمر. هذه التهديدات لا تقوى عليها الجيوش النظامية. وقد رأينا الوضع فى سيناء ورأينا جيوشا كبيرة لا تقوى على النصر على "التنظيمات العقائدية".

لكن أخطر ما قد تتعرض له مصر أن يتم جر الجيش المصرى فى حرب من هذه النوع. من الناحية الأخرى من المتوقع أن يتم العمل على إضعاف الحكم فى مصر. أن يتولى الجيش الحكم فى مصر ليس دائما ضمانة لعدم المساس بالحكم ذاته. الأنجع هو أن يتم بناء أجواء من الوئام الإجتماعى. أخيرا يجب أن تدرك الأجهزة المسؤلة أن تنظيم القاعدة مختلف عن "الجماعات الإسلامية" التى عرفتها مصر. فهى تجند كل يوم مقاتلين مؤهلون جيدا, متعلمون جيدا, متحمسون لدرجة تجعل التضحية بالنفس أملا يراود كل منهم. كما تجهز صفوفا جديدة يوما, وتفتح ميادين جديدة لصراعات واسعة النطاق. وتبدع فى الأساليب الدعائية لدرجة تفوق أكبر المؤسسات الإعلانية. الأهم أنها أضحت "فكرة كونية" غير مرتبطة بشخص أو تنظيم محدد. هذا التنظيم الهلامى "غير المترابط" أصبح عابرا للحدود, وقادرا على فتح العديد من الجبهات فى آن واحد. الأخطر أن اساليبه القتالية غير تقليدية, لم تعرفها حتى أكبر الجيوش العسكرية. 

أ.د.د. عبدالناصر توفيق

http://atawfik.net./

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان