رئيس التحرير: عادل صبري 01:17 مساءً | الخميس 15 نوفمبر 2018 م | 06 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

تكريم الحكمة... في الزمن الصعب

تكريم الحكمة... في الزمن الصعب

عرفان نظام الدين 08 سبتمبر 2014 06:52

لو عرض علينا فيلم سينمائي من أفلام الرعب والإثارة والمغامرات الفضائية، او حدثنا احد عن احداث يمكن ان تقع في ديارنا العربية لما صدقنا واعتبرناه مجرد وهم وخيال وأضغاث احلام. لكن التسونامي الذي اجتاح الدول العربية وقلب أوضاعها رأساً على عقب لم يكن مجرد كابوس نصحو منه، بل هو اكثر من ذلك بكثير: انه يمثل الحقيقة المرّة التي علينا ان نصدقها ولا نخفف من مفاعيلها وأخطارها. فلم نكن نتخيل اننا سنصحو لنعيش يوماً نشهد فيه مثل هذه الكوارث والمآسي وحالات الجنون ومشاهد الدمار والقتل والسحل والصلب وقطع الرؤوس والترويج للإرهاب والعنف وسقوط الدول وسيادتها من دون ردع ولا حساب.

والنقاش حول هذا الامر طويل ومعقد ومتشعب ولا ينتهي، أو ينتهي بمعركة بين المتحاورين او خلاف يفسد للود قضية، وليس مجرد اختلاف في وجهات النظر بين أبناء الشعب الواحد، وربما بين أفراد الاسرة الواحدة.

وقيل الكثير في تفسير هذه الظاهرة المنكرة، وسيُقال الأكثر، لكن الرد الأولي والمبدئي على كل نقاش او جدال ورأي يتلخص بأننا نتحدث عن النتائج ونغفل الأسباب، ونحلل الوقائع وننسى خلفيات مسلسلات الأزمات التي تراكمت وأدت الى الوصول الى ما وصلنا اليه.  

باختصار شديد، يمكن وضع اليد على الجراح التي تسبب بها اكثر من طرف، ومن دون ان نغفل العامل الأجنبي، لكن المصارحة تقتضي القول ان الحكمة إن غابت وقعت الويلات، وان العقل إن جن فإن الكوارث ستتوالى. ولا مجال هنا للمقارنة بين نهج ونهج، لكن المناسبة تدعو الى مقاربة نجاحات نهج التعقل والتروي وبذل الجهد لمعالجة مشاكل الناس وقضاياهم والإحساس بمعاناتهم وإقامة مشاريع التنمية لإيجاد فرص عمل للشباب، وبين نهج التفرد والقمع وتكميم الأفواه والفساد. والقائمة تطول لكن هذه المقاربة عبرت في مخيلتي وأنا أتابع أخباراً مفرحة في هذا الزمن الصعب الذي لا نشهد فيه إلا الأخبار المحزنة ومشاهد الرعب. 

هذه الأخبار تتعلق بتكريم عربي وإسلامي وعالمي لزعيمين عربيين هما خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وأمير الكويت الشيخ صباح الجابر الأحمد الصباح والتوقف عندها يأتي من منطلق الإشادة بأي عمل إيجابي، او مبادرة تعطي الصورة الحقيقية للعرب والمسلمين: صورة التسامح والتعايش والحوار وخدمة الانسانية في وجه اعمال وممارسات مستنكرة تشوه صورة الاسلام وتضع العرب في قفص الاتهام وتحمّلهم أوزار قلة تدّعي انها تمثل الدين الحنيف وهو براء منها.

فقد تعودنا دائماً على البكاء على الأطلال والأدب وجلد الذات، ولهذا نجد من الواجب ان نلقي الضوء على اي امر إيجابي ومفيد للأمة وسمعتها. والحدث الاول المفرح هو الاحتفال الذي تقيمه الامم المتحدة في مقرها الرئيس (نيويورك) لتكريم أمير الكويت في شكل رسمي «كقائد إنساني» تقديراً للدور الكبير الذي يقوم به في مجال العمل الإنساني، واختيار الكويت «مركزاً إنسانياً عالمياً».

ولا يختلف اثنان على ان الشيخ صباح يستحق عن جدارة هذا التكريم وحمله هذا اللقب لدوره في خدمة بلاده وتحقيق الرخاء وتأمين الاستقرار وسط العواصف الهوجاء التي تضرب المنطقة وأيضاً لدوره في المبادرات الانسانية العالمية وخدمة القضايا العربية والإسلامية. ومن يتابع نشاطاته خلال اكثر من نصف قرن يدرك كم عانى لتعزيز موقع بلاده وإعزاز المواطن الكويتي كقائد محنك ومخضرم منذ عمله كأقدم وزير خارجية الى تسلمه مقاليد الحكم وهو الآن يحمل أعباء وهموم رئاسة القمم العربية والخليجية والعربية – الأفريقية.

وما قام به الشيخ صباح معروف ولا داعي لتكرار الحديث عنه، لكنني من خلال التجربة الطويلة أعرض في عجالة بضعة أمثلة، منها:

1- خلال قمة مجلس التعاون الخليجي بلغت الخلافات أشدها حول قضايا عدة مطروحة ومن بينها موضوع الاتحاد، وساد الحديث بين الصحافيين عن الفشل فإذا بالأمير يبذل جهوداً جبّارة لتضييق شقة الخلاف أسفرت عن نجاح كبير واتفاق على الأسس وانتصرت الحكمة.

2- خلال القمة العربية التي عقدت في الكويت ايضاً (في أواخر آذار/ مارس ٢٠١٤) كانت كل الدلائل تشير الى إمكانات تعثرها بسبب الظروف العربية المعقدة، فتواصلت الجهود الى ان انتهت الى توافق الحد الأدنى لأنه لم يكن ممكناً تحقيق اكثر مما تم إنجازه للبدء بمسيرة رأب الصدع التي يواصلها أمير الكويت لعله يوفق بها قبل عقد الدورة المقررة في آذار المقبل. 

3- كل المشاريع التي قدمها الشيخ صباح كانت تنطلق من هدف نبيل وهو خدمة الانسان العربي وأبرزها تخصيص مبلغ بليون دولار لإنشاء صندوق الصناعات والمشاريع الخاصة الصغيرة لدعم المشاريع الحيوية للشباب العرب ومعالجة همومه ومشاكله.

تضاف الى ذلك ملاحظات لا بد من لفت النظر اليها باختصار:

الأولى، تتعلق بالعلاقات مع العراق بعد الغزو المدان الذي قام به الجيش العراقي بقرار من الرئيس الراحل صدام حسين وما ارتكب من انتهاكات بحق الكويت ومواطنيها. وعندما تم تحرير الكويت وسقط صدام لم يتم اللجوء الى الانتقام والتشفي، وصبر الكويتيون على جراحهم الأليمة وعملوا على نسيان ظلم ذوي القربى وبدأت تدريجاً رحلة العودة الى إقامة علاقات أخوية بلا حقد ولا حساسيات لتنتصر الحكمة من جديد، ولولا ذلك لتعمقت الجراح وتفاقمت الأحقاد ودفع الشعبان والبلدان الشقيقان الثمن غالياً ودخلا في حرب اين منها حرب «داحس والغبراء».

الثانية، ان الغزو العراقي للكويت احدث قطيعة بين الكويت والقيادة الفلسطينية اذ شعر الكويتيون انها خذلتهم بتأييدها لصدام، على رغم كل ما قدموه للشعب الفلسطيني وقضيته فحدث ما حدث وطويت الصفحة السوداء وعادت العلاقات الى سابق عهدها وسادت روح التسامح والمودة وصفت القلوب لعل الايام تزيل آثار ما حدث.

أما الخبر الثاني المفرح فهو إصدار الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قراراً جمهورياً بمنح خادم الحرمين الشريفين الدكتوراه الفخرية العالمية في مجال العلوم الانسانية من جامعة الأزهر الشريف بناء على قرار من المجلس الأعلى تقديراً لجهوده في خدمة القضايا العربية والإسلامية. وقبل أسابيع تم اختيار الملك عبدالله بن عبدالعزيز «رجل الانسانية» من جانب جائزة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان العالمية بعد تكريم مماثل من جائزة الملك فيصل العالمية وتكريم من الامم المتحدة لدعوته الى الحوار بين الحضارات والثقافات وتقديم الدعم لإقامة مركز للحوار العالمي الإنساني لمواجهة الهجمة الشرسة التي يتعرض لها الاسلام والإساءات التي تسبب بها الارهاب للمسلمين. 

وجاء النداء الأخير للعرب والعالم ليكمل المسيرة بخاصة انه تضمن تحذيراً من الارهاب ومشاكله وانعكاساته داعياً الى حشد الجهود والطاقات لمواجهة هذه الآفة الخطيرة كما عبّر الملك عبدالله مرة اخرى أمام السفراء عن الصورة الناصعة للإسلام الحقيقي: دين التسامح والسلام والحوار. وشدد على واجب كل الدول ان تأخذ تحذيره على محمل الجد بعد ان دق ناقوس الخطر ودعا القادة الى محاربته بالقوة والعقل والسرعة لأن الإرهابيين صدموا العرب والمسلمين قبل غيرهم من شعوب العالم لأنهم لا يعرفون الإنسانية ويخالفون شرع الله بقيامهم بقتل الابرياء وقطع الرؤوس وانتهاك براءة الأطفال وحرمة النساء. 

ولا شك في ان الاستجابة السريعة والجدية لهذا النداء التاريخي ضرورية لأن اي تأخير سيؤدي الى وصول الارهاب الى أوروبا وأميركا وينتشر في شتى أنحاء العالم وتشير المؤشرات الأولية الى التفاؤل بالتجاوب مع بدء التحركات الدولية والمواقف المعلنة وبينها ممثل السفراء السفير البريطاني جون جيكنز الذي قال أمام الملك عبدالله انه في الوقت الذي يضرب فيه الإرهاب وتسيل الدماء في المدن والعواصم التي حولنا تقام الجسور وتبنى الأبراج وتعمر الصحراء وتعبّد الطرق وتشيّد المصانع وتدعم البنى التحتية في المملكة العربية السعودية في ظل نعمة الامن والأمان.

كل هذه الإنجازات حدثت بفضل حكمة العاهل السعودي والتفاته بسرعة الى مضاعفة الجهود لتحقيق التنمية المتوازنة وإيجاد فرص عمل جديدة لعشرات الآلاف من الشباب بالتوازي مع جهوده المستمرة للحوار بين الحضارات ودعم القضايا العربية والإسلامية. هذا هو النهج الصحيح لمواجهة المشاكل والأزمات ومحاربة الارهاب والتطرف بالحكمة والعقل والقوة المشروعة التي تعتمد على تأمين سبل الدفاع عن النفس ورد الشرور وردع الأشرار.

من هنا، تأتي مسؤولية الإعلام العربي الذي يقف في غالبيته متفرجاً او مندهشا فيما يلجأ البعض الى التحريض أو الاثارة من دون ان يدرك أضرار هذه السلبية. ويشاركه في مسؤولية التوعية رجال الدين والعلماء والمدارس والجامعات من دون ان نهمل مسؤولية الاهل في التوجيه السليم لتجنيب فلذات أكبادهم آفة الانحراف.

إنها لحظة العقل والحكمة ومنها تأتي أهمية تكريم الشيخ صباح غداً في الامم المتحدة وتعدد الجهات الدولية والعربية والإسلامية التي اختارت الملك عبدالله بن عبدالعزيز رجل الحوار والتسامح والسلام فهنيئاً لمن منحه الله نعمة الحكمة ودعاء للمولى عز وجل أن يلهم العرب وقادتهم الحكمة والتعقل والصبر والإرادة لمواجهة الأخطار وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعدما مررنا خلال السنوات الأربع الماضية بحالة جنون في زمن صعب غاب عنه العقل وساد العنف وطغت أصوات الأحقاد والفتن.  

 

* نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان