رئيس التحرير: عادل صبري 02:20 مساءً | الاثنين 24 سبتمبر 2018 م | 13 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

حكومة منفى... لليبيا

حكومة منفى... لليبيا

محمد الأشهب 01 سبتمبر 2014 09:27

أفضل تشكيل حكومة منفى ليبية، من استمرار الوقوع تحت ضغوط المليشيات المسلحة التي لم تترك لأي سلطة تنفيذية أو برلمان حرية ممارسة السيادة. عادة لا يتم اللجوء إلى حكومات المنفى إلا في غياب استقلال الدول ووقوعها تحت الاحتلال، لكن العجز عن مباشرة الحد الأدنى من شروط السيادة، نزع السلاح والإذعان لسلطة القانون واحترام سلطة صناديق الاقتراع لا يختلف كثيراً عن الواقع الذي تنتفي إرادة المصالحة ويسود الاحتكام إلى سلاح التصفية والإرهاق وإضعاف قدرات الدولة.

لا يخفي الليبيون من هذا الفصيل أو ذاك التيار أنهم باتوا سلبيي الإرادة، وكل طرف يعتبر نفسه محقا في أن يكون الوريث الشرعي لثورة 17 فبراير، مع أن الأصل في الثورة أنها اندلعت لإنقاذ البلاد من الاستبداد والدكتاتورية ونزوات الحكم الفردي وتقلب المزاج، وإذا بها فقط أمام امتحان الانتقال الديموقراطي الذي أصبح مرادفاً للفوضى والتدهور الأمني والاقتتال العشوائي. وليس أخطر من قرصنة الثورة وتحويل الشعب الليبي إلى رهائن، إلى درجة أن ما من مؤسسة تستطيع أن تطمئن إلى عقد اجتماعاتها في ملاذ آمن، فكل الأمكنة مهددة بالخراب والدمار.

ما من ثورة سلمت من تناقضات. فالراديكاليون والإسلاميون والمعتدلون وحتى الفوضويون يجتمعون تحت سقف واحدة يرسمه إيقاع الأهداف التي تكون موحدة، إذ يتعلق الأمر بإطاحة نظام والتخلص من فلوله، لكنها تتغاير عند مرحلة البناء ويزيد الأمر استفحالاً عند انهيار مقومات الدولة. لم تشذ الحال الليبية عن القاعدة، لأن البلاد خرجت من سيطرة نظام شمولي هوى على مقومات الحياة السياسية القابلة لإدارة الاختلاف والتعددية في إطار الوحدة.

شيء من هذا القبيل، مع الفارق الكبير في المعطيات والتوجهات، عرفته الجزائر يوم انفتحت على خيار التعددية، ووجدت نفسها في حرب ضروس ضد تيارات إسلامية متشددة، كونها مشت على سكة جديدة لا عهد لها بها في السابق، كذلك هي أوضاع العراق الذي استبدل نظام صدام حسين بمنطق المحاصصة الطائفية والمذهبية إلى أن وصل إلى منحدر الهاوية، واستطاعت مصر أن تشكل استثناء لأنها استندت إلى تماسك الجيش والدولة، فيما لا يزال اليمنيون يصارعون بالسيف والعمامة بحثا عن استقرار مفقود.

أي فرق أن يطلب الحوثيون إسقاط الحكومة أو يضطر رئيس الوزراء الليبي عبد الله الثني إلى تقديم استقالته، أو يبحث العراقيون عن مخرج من الأزمة التي أوصلهم إليها نوري المالكي بعنجهيته وانغلاقه. الصورة واحدة وإن تعددت أشكالها ونبراتها، تعكس المأزق الجوهري لطبيعة الانتقال الديموقراطي الذي لا يتحقق من دون ديموقراطيين حقيقيين، وكل من يحمل السلاح ويهدد بالقتل وتدمير الآخر لا ينتسب إلى نادي الديموقراطية القائمة على إدارة الخلاف، عبر الإقناع والاقتناع والحوار والمصالحة التي تلغي الأحقاد، لكن الثورات التي ابتعدت عن العسكرة وحمل السلاح كان نصيبها من قابلية الحياة أوفر.

فقد أذعن التونسيون لفضائل الحوار الذي أزال أكثر التعقيدات بأقل قدر من الخسائر، وما أحوج اللبيين للإفادة من تجربة أقرب بلد إلى جوارهم. وإن كان توريد التجارب يخضع أحياناً لهبوب الرياح المعاكسة. وبدل أن يهب الياسمين التونسي شرقاً، تواجه تونس الخضراء ضغوطاً في صون وجودها من عدوى الانفلات والاضطرابات.

حكومة المنفى ستكون أقل عرضة لتأثير الرياح الملتهبة، غير أن تشكيلها يخضع لتصديق البرلمان. وإذا كان من الصعب تصور برلمان وحكومة في وضع المنفى، فلا أقل من اللجوء إلى حكومة كفاءات تعبد الطريق أمام إقرار مصالحة تصمد على الأرض. فالأمم المتحدة تدعم هذا التوجه، والجوار الليبي يراه أقرب إلى الواقعية والعقلانية. فقط يطرح السؤال حول الأسلوب الأنجع لجعل الليبيين أكثر اقتناعاً بجدوى هذا الخيار، بعدما أصبحت بلادهم مسرح صراع مسلح لا يكف عن الإجهاز على كل بوادر الأمل.

أين الليبيون الذين أقنعوا العالم بحتمية بوادر الأمل لإطاحة نظام معمر القذافي. الجميع توارى إلى الخلف. توقفت عربة التغيير عند منتصف الطريق، فلا الليبيون تمكنوا من إزالتها لإفساح المجال لعربة أخرى غير مدججة بالسلاح، ولا هم أصلحوا ما أصابها من عطل بنيوي يهدد الأمن والاستقرار، ولاهم فتحوا منافذ أخرى أمام السير في الاتجاه الصحيح. لكن الصراع يتزايد في غير صالح أهل البلد الذين من حقهم أن يختلفوا. لكن ليس من حقهم أن يدمروا الثورة والإنسان والعمران. فقط لإرضاء إشارات تصدر من خارج ليبيا بعيداً بآلاف الكيلومترات.

*نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان