رئيس التحرير: عادل صبري 05:12 مساءً | الأربعاء 26 سبتمبر 2018 م | 15 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

أحمد سيف.. الذي ورّث الحلم

أحمد سيف.. الذي ورّث الحلم

مصطفى بسيونى 30 أغسطس 2014 15:39

توافد الرفاق والأصدقاء إلى مستشفى القصر العيني... كل النداءات والأمنيات التي تصاعدت، في محاولات يائسة لاستبقائه لم تفلح في منعه من الرحيل... تخلص سيف من آلامه وغادر منفرداً تاركاً لرفاقه وأصدقائه، وكل من عرفه، أحلاما بالعدالة والحرية التي افتقدها في حياته.

بعد ظهر أمس، جمع المناضل احمد سيف الإسلام عبد الفتاح الرفاق والأصدقاء مجدداً، ولكن هذه المرّة في جنازته، التي حضرها ايضاً ابنه علاء، وابنته سناء، المسجونين على خلفية مشاركتهما في التظاهرات المناهضة لقانون التظاهرات والمحاكمات العسكرية، وذلك بعدما سمحت وزارة الداخلية لهما بالخروج المؤقت لوداع والدهم، ووالد كل المناضلين.

بالأمس شعر ثوار مصر بأنهم يتامى، برحيل مناضل مثّل نموذجا فريداً في الحركة السياسية المصرية.

بدأ الرجل مشواره النضالي في مطلع السبعينيات، عندما كان طالباً في كلية السياسة والاقتصاد في جامعة القاهرة، وناضل في صفوف الحركة الطلابية للمطالبة بتحرير سيناء ورفض الحلول الاستسلامية.

سجن وقتها للمرة الأولى في عهد انور السادات واستمر بعد خروجه في النضال ضد سياسة السادات.

يحكي أحمد سيف في إحدى جلسات الصداقة متندّراً كعادته على إحدى تلك الحبسات قائلاً: "كنا مجموعة من شباب الجامعة في الزنزانة، وكنا نتشاجر دائماً على مهام النظافة وترتيب الزنزانة. وفوجئنا بضيف جديد هو الأستاذ أحمد نبيل الهلالي، الذي بمجرد قدومه إلى الحبس معنا، بدأ يقوم بمنتهى التواضع بتنظيف الزنزانة، فشعرنا جميعاً بالخجل وتسابقنا إلى إنجاز كل المهام حتى لا نترك له ما يقوم به".

كان التندر والضحك في المواقف الصعبة أحد وسائله دائماً في المقاومة، ولكنه لم يقلل ذلك في أي وقت من جدّيته وصرامته، فهو من كان يصل الليل بالنهار من أجل الدفاع عن المضطهدين، وكان يظل لليال طويلة عاكفا على إعداد الدراسات والمذكرات ضد القوانين المقيدة للحريات ليفنّدها ويسقطها أمام المحكمة الدستورية.

أحمد سيف الذي أسس مع رفاقه تنظيم "المطرقة"، وسجن بسببه في الثمانينيات، خرج من السجن، الذي استغل سنواته للحصول على ليسانس الحقوق واتقان اللغة الإنكليزية، ليبدأ نضالا طويلا ضد السجون والمعتقلات والتعذيب.

كان يرى بعد خروجه من السجن أن تحسين أوضاع الحريات وحقوق الإنسان هو ما يفسح المجال لبناء كيانات سياسية على أسس متماسكة وسليمة، وكان يختلف مع التنظيمات السياسية، ويرى الأولوية للنضال الجماعي من أجل تحسين شروط النضال، ومع ذلك كان دائماً في مقدمة المدافعين عن أي تنظيم سياسي من أي اتجاه عندما يتعرض لهجوم من الدولة، كما كان دائماً أهم عنصر لجمع فرقاء النضال السياسي في مصر في عمل موحد.

أحمد سيف جمعته مواجهة مبكرة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، عندما كان الأخير رئيسا للمخابرات الحربية. وقتها، ألقي القبض على أحمد سيف خلال أيام "ثورة 25 يناير" من مركز هشام مبارك لحقوق الإنسان الذي أسسه سيف في العام 1999. وقتها ناقش السيسي مع المعتقلين، ومن بينهم سيف في أهمية ترك الميدان، والثقة في المجلس العسكري، واحترام حسني مبارك. عندها رد سيف بأن مبارك فاسد ويجب أن يرحل، ما أغضب الجنرال الذي سيصبح بعد ثلاث سنوات رئيساً للجمهورية.

كان سيف يعلم جدياً أن النظام الذي انفجرت ضده "ثورة 25 يناير" لم يسقط بعد، واستمر في نضاله بعد الثورة ضد كل مظاهر الاستبداد والاضطهاد.

كان محامي الثوار في عهد المجلس العسكري، ثم "الإخوان المسلمين" بعد الثالث من تموز العام 2013. استقال من المجلس القومي لحقوق الإنسان في نهاية العام 2012 احتجاجا على الإعلان الدستوري الاستبدادي الذي أصدره الرئيس "الإخواني" مرسي وأحداث الاتحادية. ولكنه بعد الإطاحة بـ"الإخوان" من السلطة رفض الملاحقات الأمنية التي تجري ضدهم، ورفض تفويض السيسي لمواجهتهم واعتبره تجاوزا للقانون.

وظل بعد الثالث من تموز العام 2013 رافضا لأي تجاوز ومدافعاً عن كل المضطهدين مؤكداً دائما أن المبدأ لا يتجزأ.

نضال أحمد سيف الممتد، اقترن دائماً بنضال زوجته ليلى سويف أستاذة الرياضيات في كلية العلوم في جامعة القاهرة، والتي كانت ناشطة في الحركة الطلابية قبل تعيينها في الجامعة. كانت ليلى سويف دائما مدافعة عن الطلاب في الجامعة، ومساندة لحركتهم، ومتصدية لأي محاولة للتنكيل بأي منهم. شكّلت مع زملائها الأساتذة "حركة 9 مارس" لاستقلال الجامعات لمقاومة سيطرة الدولة على الحياة الأكاديمية. وفي التظاهرات التي كانت تنظم في الشوارع والميادين كانت تحرص دائما على البقاء حتى النهاية لتوفير الحماية للشباب وعدم تركهم للأمن. حبس الأبناء، ومرض الزوج، لم يغيرا شيئا في ليلى سويف، فقد واجهت المحنة بنفس الصلابة التي عرفت عنها دائماً.

علاء عبد الفتاح الابن الأكبر لسيف وليلى، لم تستهويه السياسة مبكراً، بل بدا منصرفا عنها، ولم ينخرط في العمل العام إلا عبر المدونات التي ذاع صيته فيها كشيخ للمدونين في مصر. ثم عرف طريق السجون مع حركة استقلال القضاة في عهد مبارك. ولم يكن رحيل مبارك إيذانا بنهاية محنة السجن، فقد عاد للسجن في عهد المجلس العسكري بتهمة الاستيلاء على مدرّعة في أحداث ماسبيرو. وفي عهد "الإخوان" سجن بتهمة حرق مقر أحمد شفيق. أما في عهد السيسي فقد منعه الأمن من حضور جلسة محاكمته في تظاهرات مجلس الشورى ليصدر بحقه حكما غيابياً، وهو على باب المحكمة، بالسجن خمسة عشر عاماً.
منى سيف التي ارتبط ميلادها بالسجن، حيث ولدت أثناء قضاء سيف عقوبة السجن في قضية تنظيم المطرقة، بدت مهتمة بعملها الأكاديمي في كلية العلوم، ولكن لم يشغلها ذلك عن تأسيس حركة "لا للمحاكمات العسكرية" التي ناضلت ضد محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، وناضلت ضد حكم المجلس العسكري بعد الثورة. وعرفت هي الأخرى الطريق إلى السجن بعد "ثورة 25 يناير".

أما سناء الإبنة الصغرى، التي أسست مع رفاقها عقب الثورة مجموعة "القلة المندسة" لرفض الوصاية على الثورة والنضال من أجل تحرير قدرات جيل الثورة، فعرفت الطريق إلى السجن بعد تظاهرة أمام قصر الاتحادية للمطالبة بإسقاط القانون المقيّد للتظاهر.

سيف الذي هجم عليه المرض والألم ومحنة حبس أبنائه في أيامه الأخيرة، لم يحظ بخصم شريف. فبعد صراع طويل مع المرض لم تمنح السلطات للأب سوى فرصة خاطفة لرؤية ابنيه المسجونين بموجب قرارات متعسفة، كان وقتها أقل وعيا من أن يجلس مع ابنيه ويشعر بهما. ومع ذلك عمدت السلطة للمتاجرة بتلك الزيارة وتصويرها عنوة ونشر صورها في الصحف والمواقع التابعة للدولة، ما جعل علاء وسناء، اللذين خرجا من سجنهما لتشييع جثمان والدهما، إلى توجيه رسالة للمشيعين الذين احتشدوا بالألاف أمام المقابر، حيث قال الابن: "أبويا مات شهيد ووكلكوا عارفين مين اللي قتله.

غادر أحمد سيف آلام جسده تاركا حزنا عميقا لدى كل من عرفه أو عرف عنه. قبل رحيله بفترة قال سيف "تمنينا أن نورث أبناءنا مجتمع الحرية والديموقراطية، ولكن للأسف ورّثناهم الزنازين التي دخلناها". ربما أخطأ المناضل الكبير في تقديره هذا، ولم يسمع أحمد سيف هتاف الألاف ممن حضروا جنازته وهم يرددون "أحمد سيف حافظين أفكارك.. إحنا هانكمل مشوارك". هكذا قال من آمنوا بالرجل وأفكاره إن ما ورثه أحمد سيف ليس الزنازين، وإنما حلم كبير بالحرية، ليس لأبنائه فحسب، بل للأجيال التي ستتناقل هذا الحلم حتى تحققه.

نقلًا عن السفير

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان