رئيس التحرير: عادل صبري 06:59 صباحاً | الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م | 08 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

ثقافة الهزيمة والمثقف المهزوم

ثقافة الهزيمة والمثقف المهزوم

ماهر مسعود 30 أغسطس 2014 07:18

أن تمطر في موسكو فيرفع الرفاق المظلات في دمشق، لم يكن أمراً يثير السخرية قبل عقدين أو ثلاثة مثلما هي الحال اليوم. بل إن جيلاً كاملاً من المثقفين والسياسيين، كانت مظلتهم السياسية وأحكامهم القيمية وحيزهم المعرفي، مُستقدمة من التكثيف اليساري للماركسية واللينينية و»طباقهما» الستاليني، كما أن تلك الخلطة الديالكتيكية- الوجودية بين المفكر والسياسي والقائد والبروليتاري على التوالي، بقيت كخلطة مفضلة عند كبار «عمال السياسة» وأرباب الثقافة المؤدلجة في وقتها.

في وقت سابق، وبعد هزيمة 67 التي كانت هزيمةً (كليّة المعاني) للحكم العسكري، ودلالة مطلقة على فشل العسكر في بناء الوطن المستقل أو تحرير الأرض، هرع المفكرون والمثقفون «العضويون» لتبرير الهزيمة، والرد على الردّة الدينية التي اجتاحت العالم العربي، تدين «الحكم العلماني» والابتعاد عن الدين الذي أدى للهزيمة باعتقادها. ولكن بدل نسف الأساس السياسي والمعرفي و»الوجودي» لعلمانية العسكر المضحكة المبكية التي حكمت دولنا منذ نكبة فلسطين وبدلالتها، تفرّغ المثقفون وقتها «لنحن والتراث» وإثبات «النزعات المادية في الإسلام» وكيفية الوصول «من العقيدة إلى الثورة». بينما تفرّغ الحكام لبناء معابدهم وديكتاتورياتهم على جثة الصراع «النخبوي» بين الأصالة والمعاصرة و»الثابت والمتحول» من جهة، وجثة الصراع «الشعبوي» مع لقمة العيش والكرامة المهدورة بشكل مضاعف على يد إسرائيل وأنظمتنا «الوطنية» من جهة أخرى.

ومثلما كان المثقفون، الذين واجهوا «الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة» في عمقها، أشبه باليتامى في زمن الصعود الأيديولوجي، كذلك كانت حال المثقفين/السياسيين الذين واجهوا هزيمتهم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، مع أن ذلك السقوط كان أشبه «بصدمة الحداثة» بالنسبة «للأخويات اليسارية» من القومية إلى الشيوعية وصولاً إلى الناصرية المبجلة.

الهرب للأمام وعدم مواجهة الهزيمة الذي بات تراثاً فعلياً وتراكمياً عند مثقفينا العضويين جعل لديهم ذاكرة قهرية أبعدتهم عن أرض السياسة نحو سماء الإمبريالية، ليتشاركوا «بالمصادفة» و»في خندق واحد» مع حكامهم ومصدر قهرهم في عداء «الشعب المتخلف» والإمبريالية المتفوقة، وصبّ اللعنات، مع كل تلك الشحنة القهرية الناتجة من الهزائم المتوالية، نحو الرأسمالية الإمبريالية التي كان فرانسيس فوكوياما، في وقتها، يحتفل بانتصارها التاريخي وإعلانها نهاية التاريخ.

لكن وباء الهرب من المواجهة، وكأي وباء، لم يصب اليساريين وحدهم، بل أصاب أخوتهم في الصراع والهزيمة أيضاً، أي الإسلاميين، فقد اتجهت الثقافة الإسلامية العالِمة نحو متعة إصلاح الإسلام من فوق و«التفــكير في زمن التكفير»، أو بهجة «الإسلام هو الحل»، أو وثوقية «الإسلام دين ودولة»، بالإضــافة للجــلوس الأكيد في مجــلس العداء للإمبريالية الواسع، بينما راكم الإســلام الســياسي انتـــهازيته وتجارته المفــــضلة في المواقف، مثلما راكم مظلوميته الباطنية واحتكاره الطهراني لمعنى «الخير السياسي».

للهزائم سحرها أيضاً، ولكن أن تهزم العسكرة في الـ 67، وتـــهزم الســياسة والأيديـــولوجيا في الـ 89، وبينهما تُهزم الثقافة والتربية والمجتمعات على يد نظام الممانعة، وأخوته الأعداء في العراق ومصر، في الثمانينات، من دون أن يغير الــسياسيثقافيون مناهجهم ورؤاهم الســياسية، أو يواجهون مسؤولياتهم وتاريخهم ذاته بروح الاعتراف والنقد، أو يَصدر عنهم كتاب واحد يسمي الأشياء بأسمائها ويتناول المستبد لا الاستــبداد عموماً، والحاكم العسكري لا الحاكم العربي عموماً، والجمهورية الملكية البربرية لا الوطن العربي الذي فرّقه الاستعمار وعمالة الأنظمة...الخ، كل ذاك اليأس و»الهروب من الحرية» والنزعة المازوخية أمام روح الهزائم المتكررة. وكل ذلك التاريخ القهري، يجعلنا نستوعب اليوم ظواهر نكوصية متماهية بالمتســلّط مثل ظاهرة أدونيس المطنطنة، أو هيثم مناع وزياد الرحــباني أو حتى جورج طرابيشي ويوسف زيدان وغيرهم كثر من الأصغر عياراً والأقل تأثيراً.

لم يواجه مثقفونا وسياسيونا «القدامى» لا فردياً ولا حزبياً، هزائمهم. ولم تواجه ثقافتــنا هــزيمتها بالاعتراف والنقد والتجاوز، لكن الثورة السورية هي مطحنة المواجهة الكبرى، تطحننا جميعاً لتعيد خلقنا من رماد الهزائم.

 

* نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان