رئيس التحرير: عادل صبري 01:51 صباحاً | الاثنين 24 سبتمبر 2018 م | 13 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

اليسار الإسرائيلي في ميزان الحرب على غزة

اليسار الإسرائيلي في ميزان الحرب على غزة

أسعد غانم 30 أغسطس 2014 07:14

من الصعب قولبة اسرائيل في إطار محاولة فهمها على ضوء الحرب الأخيرة على غزة، وحتى من غير الممكن قولبة أحد مركباتها في إطار يجيز فهمها على حقيقتها، وهذا يسري على فهم ما اصطلح على نعته باليسار الإسرائيلي، وهو تعبير عن كتلة سياسية تقع على يسار الجهاز السياسي والتي تتمثل في عدة تيارات ومشارب فكرية وسياسية، إضافة الى نشطاء مستقلين ممن يبدون نقداً متفاوتاً لخطوات ولسياسات الحكومة، ولذلك لا بد من مقدمة تعريفية تساهم في نقل صورة واضحة قدر الممكن عن اليسار الإسرائيلي.

يتوجب علينا أولاً تقديم تعريف وتحديد لمصطلح قوى اليسار الاسرائيلي، فهي قوى قد تكون يهودية فقط، او حتى محصورة في اطار الصهيونية، او قد تكون قوى يهودية وعربية، على اعتبار ان كل القوى السياسية العربية التي تنتظم في التمثيل في «الكنيست» الاسرائيلي هي عملياً جزء، ولو بشكل محدود، من اليسار الاسرائيلي، بمعنى انها تتخذ مواقف مناهضة لسياسات الدولة في قضايا داخلية وخارجية، وتتطلع كلها الى اسقاط الحكومة واستبدالها بأخرى اكثر يسارية وتفهماً وقبولاً للمواقف والسياسات المنشودة لهذه القوى، ومواقف وتصرفات هذه القوى العربية اثناء الحرب تستحق معالجة منفصلة. من ناحية ثانية قد يكون مقصوداً باليسار الاسرائيلي قوى تنشد تغييرا في قضايا اساسية وتنأى بنفسها عن اخرى قد تعرف عالميا كقضايا هامة لتعريف اليسار، مثل قضية اساسية لليسار العالمي كمناهضة الامبريالية وسياسات الولايات المتحدة، وقد تكون هذه المسألة مهمة لأجزاء مما يعرف كيسار اسرائيلي، لكن جزءاً مهماً من هذا اليسار منخرط في تأييد أعمى لسياسات الولايات المتحدة في العالم وتجاه اسرائيل وقضايا المنطقة بشكل خاص.

ما نعنيه هنا بقوى اليسار الاسرائيلي، هي القوى اليهودية التي تقع على يسار الجهاز السياسي الاسرائيلي وتتمثل أساساً في حزب «ميرتس» اليهودي والصهيوني وفي مجموعة من القوى الثانوية مثل حركة «السلام الآن» والجمعيات الناشطة في تناول مسائل الحرب والسلام مع الفلسطينيين ومجموعة «كتلة السلام» بقيادة اوري افنيري وبعض النشطاء المستقلين مثل الكاتب جدعون ليفي والصحافية عميرة هاس من صحيفة «هآرتس» والاستاذ الجامعي ايلان بابه وغيرهم. مبدئياً، نحن بصدد مجموعة من القوى النشطة على يسار الفعاليات السياسية، وبالأساس تختلف، بتباين متفاوت، مع اليمين المتمثل بـ «الليكود» والاحزاب الدينية الحريدية والصهيونية المتدينة بقيادة «المفدال» واحزاب اليمين المعروفة مثل «اسرائيل بيتنا» بزعامة افيغدور ليبرمان ومن احزاب الوسط المتمثلة بحزب العمل اساسا.

هذه القوى تقوم، بشكل عام، بعمليات نقد لسياسات الحكومة ولمواقف باقي الاحزاب في مجالين مهمين: الاول سلم افضليات القضايا التي يتوجب علاجها وكيفية علاجها، وأعني هنا سياسات دولة الرفاه والسياسات الاجتماعية المتعلقة بتوزيع الموارد والتعامل مع ظواهر الفقر، وفي هذا المجال تتقاطع مواقف اليسار الاسرائيلي مع مواقف قوى اخرى تقف على يمين الساحة السياسية الاسرائيلية، مثل مواقف حركة «شاس» المتدينة في بعض من هذه القضايا، أما المجال الثاني فيتعلق بحل القضية الفلسطينية والتعامل معها من وجهة نظر هذه القوى. هذه القوى تؤمن في غالبيتها بضرورة اقامة دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل وتتطلع لحل باقي القضايا المتعلقة بالصراع مثل القدس واللاجئين بتفاوت كبير بين مركباتها، ومن ناحية اخرى تجب الاشارة الى ان بعضها تجاوز مسألة حل الدولتين وينادي بحل الدولة الديموقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية كحل شامل وواحد للقضية الاسرائيلية والفلسطينية.

لقد تمثلت بعض ابعاد التفاوت في المواقف والسياسات خلال الحرب على غزة. فالقوى اليسارية غير الصهيونية، او التي قدمت نقداً جذرياً، اخلاقياً وسياسياً، لممارسات الدولة والحكومة، كانت محدودة جداً، لكنها هامة، ويجب تحليلها وتداول اهميتها ومدى تأثير عملها، اسرائيلياً وفلسطينياً وعالمياً، وهي أيضاً مسألة لمعالجة منفصلة، لن اتناولها هنا. في هذا المقال سأركز على اليسار الحزبي المتمثل بحزب «ميرتس» وبعض القوى المنضوية على يسار حزب العمل، وغالبية نشطاء اليسار الصهيوني الذي يعمل في اطار مؤسسات المجتمع المدني، فقد قدم هؤلاء موقفاً مسانداً لحكومة نتانياهو ولنهجها الفاشي في التعامل مع غزة، وسكتوا طويلاً عن الممارسات الحربية التي شملت جرائم حرب ضد غزة وأهلها والممتلكات العامة والخاصة بها، وبذلك فقد اعادت هذه القوى انتاج نفس الموقف والممارسة التي انتهجها اليسار منذ بداية سقوط العملية السلمية الرسمية التي تعرف بمسار اوسلو.

فاليسار الصهيوني يعاني عقدة النقص تجاه اليمين، في تعامله مع اتخاذ المواقف والممارسات السياسية والعسكرية مع الطرف الفلسطيني. في هذه المرة اعاد هذا اليسار انتاج هذا الموقف، ودعا نتانياهو، في مناسبات عدة الى القضاء على «حماس» وقوتها العسكرية، كقوة عرفها كـ «إرهابية» ولم يتخذ موقفا خاصا به، وبهذا فان هذا اليسار اعاد حشر نفسه في اطار الاجماع الصهيوني، واسقط مرة اخرى عن نفسه صفة البديل السياسي الممكن لليمين. وحتى عندما تحرك هذا اليسار في الاسابيع الاخيرة للحرب على غزة، ودعا نتانياهو الى «اتخاذ قرارات جريئة» في مظاهرات نظمت في تل ابيب، فانه اعاد اجترار نفس الموقف الداعي الى الحوار مع السلطة ومحمود عباس، متناسيا بان ذلك حصل فعلا خلال السنوات الاخيرة، ولم ينتج اي تغيير جدي من ناحية الحكومة اليمينية، والمصممة على منع قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وتتنكر للجوانب الاخرى المتعلقة بالصراع وحله، حتى وفق ما ينظر له هذا اليسار.

ولعل من المفيد الاشارة هنا الى ان اهم اسباب انكماش اليسار الاسرائيلي الصهيوني خلال العقدين الاخيرين يتعلق بعاملين اساسيين: الاول، يتعلق بفشل مشروع السلام الخاص باليسار الصهيوني، واعني فشل اوسلو، لأسباب تتعلق بالاتفاق نفسه وبالممارسات الاسرائيلية والفلسطينية في اعقاب الاتفاق. والثاني يتعلق بتغييرات ديمغرافية اساسية وصعود مجموعات سكانية مهمشة الى مركز المشهد السياسي الاسرائيلي مثل المتدينين، والروس والشرقيين، وهي مسائل ليس هنا المجال للخوض بها، لكنها عززت المكانة الثانوية لليسار الصهيوني ودفعت به الى تهميش اكثر، لكونه لم يقدم خطابا مختلفا جوهريا في قضايا داخلية وخارجية عن المركز الصهيوني، وحتى عن اليمين المعرّف كـ «معتدل» والذي يقوده «الليكود».

بهذا فان هذا اليسار لا يمكن ان يشكل بديلاً يعتمد عليه لتغيير مواقف وسياسات اسرائيل تجاه الصراع، وهذا التقدير يمكن أن يكون عاملاً جوهرياً في التعامل مع اي مستقبل للصراع، لكونه يجب ان يعتمد اساساً على تقدير قوة الفلسطينيين ومقاومتهم المباشرة وغير المباشرة لإسرائيل، ولحلفائهم في العالمين العربي والاسلامي والرأي العام الدولي، وبعض التحركات الدبلوماسية لدول لاعبة على المستوى الدولي، مثل تلك التحركات التي قامت بها دول في اميركا الجنوبية، وهذا الجانب هو الذي يجب الاهتمام به من قبل سلطة اوسلو بشكل منهجي، ويجب اعادة الاعتبار له من القوى الفلسطينية الفاعلة.

خلاصة القول هنا، ان اليسار الاسرائيلي الصهيوني لا يمكن ان يكون عاملاً يعتمد عليه، ويجب تحصين استراتيجية بناء الذات الفلسطينية، والالتفات الى حلفاء على مستوى المنطقة والعالم، بدل الرهان على امكانات التغيير داخل إسرائيل.

* نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان