رئيس التحرير: عادل صبري 10:47 مساءً | الخميس 15 نوفمبر 2018 م | 06 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

التعليم الجيد يدفع أبناء الطبقة المتوسطة في مصر إلى الهجرة

التعليم الجيد يدفع أبناء الطبقة المتوسطة في مصر إلى الهجرة

القاهرة – أمينة خيري 25 أغسطس 2014 13:48

صدرت العبارة بعفوية شديدة، وهو ما زاد من حدة وقعها. كان الابن يتأوه ويتوجع ويتألم من فرط رغبته العارمة في أن يسافر إلى «بلاد برا» ليكمل تعليمه الجامعي أملاً بأن ينجح في الحصول على فرصة عمل أو منحة دراسات عليا تتيح له الإقامة الدائمة بعيداً من الزحام وقريباً من العالم الأول الذي تخلص من عقده وتداوى من أزماته الفكرية والعقائدية قبل زمن. قالت الأم: «شد حيلك في الدراسة وربنا يسهلك وتهاجر».

الظروف والأحوال التي تجعل من دعوة الأمهات الهادفة إلى تساهيل ربانية تتيح لفلذات الأكباد ونور العيون أن يرحلوا إلى بلاد بعيدة وحدود غريبة لا تنتمي إلى الوطن من قريب أو بعيد تستحق التفكير والتحليل. فالأسرة تنتمي إلى الطبقة المقتدرة، حيث التعليم الخاص، والسكن المرفه، والسيارات المتوافرة، والقدرة على العيش في معزل عن المشكلات العارمة والأزمات المتعددة التي تضرب غالبية أبناء المجتمع من الفئات القابعة في النصف الأسفل من الهرم الطبقي.

الهرم الطبقي الذي يسمح لسكان طبقاته العليا بصناعة فقاعة يعيشون في داخلها بعيداً من مسببات الاكتئاب ومفجرات الإحباط ومثبطات العزائم من تدن سلوكي واضح، وتقلص مساحات الحرية الشخصية، وانهيار منظومة دولة القانون منذ زمن وإعلان وفاتها مع اندلاع الثورة مهدد بانهيار القمة مع الإبقاء على القاعدة.

القاعدة التي ينتهجها كثيرون من أبناء الطبقات «المرتاحة» هي إما محاولات الالتحاق بجامعات غربية (بل وظهر اتجاه حديث نحو الجامعات اليابانية)، أو جهود الحصول على بعثة تعليمية أو فرصة عمل في أي من دول أوروبا أو الولايات المتحدة عقب التخرج تمنحهم فرصة الحياة «كما ينبغي أن تكون» في عرف هذه الطبقات.

ولا تقتصر هذه الطبقات على الأثرياء فقط، بل هي آخذة في التمدد والتوغل لتصل إلى الطبقات المتوسطة التي استثمرت رواتبها المرتفعة نسبياً في تعليم الأبناء والبنات تعليماً متميزاً، ونجحت في إلحاقهم بمعسكرات صيفية أوروبية، ورحلات ترفيهية خارج حدود الوطن وهو ما جعلهم أكثر قدرة على المقارنة بين أوضاعهم هنا والحياة هناك.

«هناك أنت مجبر على التفكير طوال الوقت، ومدعو إلى الإبداع كلما أمكن ذلك، ولك من الحقوق وعليك من الواجبات ما يجعلك مواطناً تحترم نفسك وغيرك. أما هنا فالعكس هو الصحيح. فإذا فكرت أو أبدعت أو طالبت بحقوقك مقابل أن تقوم بواجباتك فأنت مصنف إما مجنون أو متكبر أو متعجرف». هكذا يلخص أدهم صبري (18 سنة) مشاعره ومواقفه من الحياة في مصر. غايته وأمله أن يكمل دراسته الجامعية ويحصل على منحة في جامعة بريطانية تتيح له فرصة إكمال دراساته العليا بالإضافة إلى فرصة عمل بنصف دوام، و»ربنا يسهل» وينجح في الاستقرار هناك.

الاستقرار هناك في عرف أولئك لا يرتكز على أسس استهلاكية أو رغبات اجتماعية أو تطلعات طبقية، بل يقوم على أساس «نوعية» الحياة التي تضفي على المواطن أو المقيم هالة من الإنسانية أفقدته إياها الحياة تحت وطأة شيوع الفقر وانتشار الجهل وتدني الخدمات وتتابع الحكومات الفاسدة. أميرة العمدة (20 سنة) تمضي عاماً دراسياً في إحدى الجامعات البريطانية على أن تعود بعده إلى مصر حيث تقيم، لكنها تبذل قصارى جهدها لتتمكن من إكمال سنوات الدراسة كلها في بريطانيا. تقول: «المصروف باهظ جداً بالنسبة إلى غير البريطانيين، وقد حملت والدي حملاً ثقيلاً بتسديد تكاليف عام كامل في بريطانيا، لكن المقارنة بين الحياة هنا وفي مصر تجعلني أبذل كل ما يمكن للبقاء في بريطانيا».

تسهب أميرة في سرد أسبابها وتبرير توجهاتها التي ترجح كفة بلاد الإنكليز على مهد الأجداد. فبالإضافة لما يردده آخرون عن حرية الفكر، وتشجيع الإبداع، وتحفيز التفرد، واحترام الآدمية، تشكو وتئن من تحجيم المرأة وتحقير الفتاة ومحاربة عقلها وتطويق إبداعها مع الاكتفاء بوضعها في خانة «آلة للجنس» فقط لا غير. تقول: «المرأة في بريطانيا تقود الباصات العامة مثلها مثل الرجال، وتعمل شرطية لنشر الأمن والأمان في الشارع، وتدرب فريق كرة السلة الرجالي في المركز الرياضي الذي أتدرب فيه من دون أن يغتصبها أو يتحرش بها أو يحرم خروجها من المنزل أحد. وإن حدث ذلك، فهناك قانون وقضاء كفيلان بإعادة حقوقها المادية والمعنوية».

الحال المعنوية للكثيرين من أبناء الطبقات المتوسطة وما فوقها تأثرت سلباً بمجريات الأمور في مصر بعد ما اتضحت معالم ركوب الثورة، وتأكدت اتجاهات الإسلام السياسي، وظهرت بوادر «داعش» و»جيش النصرة» و«أنصار بيت المقدس»، وتجلت ضبابية المستقبل.

أبناء هذه الطبقات لن يلجأوا إلى سمسار مهاجري المراكب حيث الهجرة غير الشرعية أو المغامرة بالتوجه غرباً إلى ليبيا أو الجهاد شرقاً في الشام. كما أنهم لن يرضوا بأعمال دونية هنا أو يكونوا عمالة رخيصة هناك. إنهم يبحثون عن حلم الحياة بمقاييس إنسانية حيث تعليم جيد، وعمل مناسب، وواجبات مؤداة، وحقوق محصلة، مع حرية تفكير، وتشجيع على الإبداع، واختراع اسمه حرية شخصية واحترام آدمي.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان