رئيس التحرير: عادل صبري 05:17 مساءً | السبت 17 نوفمبر 2018 م | 08 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

الانقسام إذ يغذي التناحر

الانقسام إذ يغذي التناحر

مقالات مختارة

الميليشيات المسلحة بليبيا

الانقسام إذ يغذي التناحر

محمد الأشهب 25 أغسطس 2014 13:36

استحال على الليبيين وقف حروب الميليشيات المسلحة، فأضافوا إليها تطاحناً سياسياً يتمثل في وجود برلمانين لا سلطة لأحدهما سوى على نطاق محدود. في كل مرة تتضاعف التحديات الأمنية يُصار إلى توجيه اللوم إلى جهات خارجية، مع أن المؤتمر الوطني ما فتئ يطلب تدخلاً عسكرياً من أي نوع ومن أي طرف تحت غطاء الأمم المتحدة.

لا تبدو فكرة الطائرات المجهولة التي تقصف أهدافاً حول مطار طرابلس وملاذات بعض التنظيمات المسلحة، بعيدة من تجريب إمكان التدخل. فالبلاد التي لا تقدر على ضبط انطلاق الطائرات المغيرة ولا رصدها في الأجواء بعد انتهاء عملياتها، يصعب عليها أن تفرض نزع السلاح على من يتحركون على الأرض، حتى أن المؤسسة الاشتراعية الوحيدة التي انبثقت من صناديق الاقتراع المحاطة بالضغوط والإكراهات، أصبحت أكثر من واحدة، لا المنتهية ولايتها تعترف بالسلطة الجديدة الناشئة، ولا البرلمان الذي نقل أعماله إلى طبرق استطاع استنساخ التجربة السابقة، فيما الحكومة الموقتة لا سلطة لها أصلاً.

ليبيا غير مضطرة عملياً لإدارة تعايش مفروض بمبرر الولاءات الطائفية أو المذهبية أو العرقية. لكن انقسام الميليشيات على المدن والقبائل والأسماء المخترعة لانتماءات من كانوا يعرفون بـ «الثوار» جلب عليها تقسيمات أخطر، في غياب أي سلطة شرعية قادرة على فرض الإذعان لهيبة الدولة وحرمة القانون. فلا الثورة انتقلت إلى مرحلة الدولة، ولا الدولة التي حلم بها الليبيون تخلصت من عقدة النزعات القبلية والعشائرية التي يحكمها منطق العصبية والثأر ورد العار.

تخفي الأنظمة الشمولية عادة تشوهات البنيات الاجتماعية والأخلاقية بهيمنة القبضة الحديد وخنق الأنفاس، ومن أبرز تداعيات انهيار أنظمة كهذه أنه يفسح في المجال أمام ظهور عيوب المجتمع، خصوصاً حين تعمد إبان حكمها إلى إذكاء التفرقة وتغذية النعرات القبلية. حدث مثل هذا في العراق الذي استفاق على خليط من الفسيفساء القابلة للتناحر المذهبي والطائفي، ويحدث في سورية التي شجعت البعد الطائفي إلى أن خرج من عباءته تنظيم دولة الإسلام، فيما يراوح اليمن مكانه في صراع لا يهدأ بين القبائل متعددة الولاءات.

في كل هذه الظواهر يسود منطق السلاح حين يعجز الناس عن تدبير خلافاتهم عبر الحوار والمصالحة. لكن السلاح لا يأتي من المخازن المهجورة بعد إطاحة الأنظمة وانهيار الجيش فقط، بل من منابع خارجية تتصارع بدورها على مراكز نفوذ لا يحظى به أهل البلد الغارقون في تناحرات الفصائل والتنظيمات.

وليس بعض الاتهامات الصادرة من أطراف ليبية سوى وسيلة لإخفاء حقيقة التدخلات الخارجية، أي محاولة إسقاط الرهان على تدخل عسكري وأجنبي، وإن من طرف الأمم المتحدة التي تراقب الأوضاع المأسوية ولا تقدر على فعل أي شيء يحمي الضحايا المدنيين.

كلما زادت الصورة تعقيداً صعبت جهود أي تدخل، أقربه أنه يفرض وجود خصم محدد فيما الساحة الليبية تعج بخصوم من مختلف الأصناف، إلى درجة أن التنظيمات التي تطلق على نفسها أسماء إسلامية يقاتل بعضها بعضاً بلا هوادة. وطالما أن المال والسلاح يتدفقان بسهولة، فإن التناحرات في طريقها للاستمرار حتى إفناء آخر رجل. فقد أصبحت لغة القتل هواية عربية بامتياز. من لم يقتل نحراً بالسكين تنتظره العربات المفخخة، ومن سلم منها تتبعه البراميل المتفجرة والصواريخ.

شيء أشبه بلذة القتل المحرم يسري في عروق حملة السلاح، إذ يفقدون القدرة على التمييز بين الخصوم المحتملين، فيما السياسيون الليبيون أجبروا على الإذعان لهذه الأجواء، بدل أن يبحثوا في سبل لتأمين الوحدة أقلها الحديث بصوت واحد إزاء ما يهدد البلاد. فالمشكلة في النهاية ليست بين برلمانين أو أكثر من حكومة أو أبعد من سلطة لا وجود لها، ولكنها قائمة كنتاج عجز سياسي، ولم تعرف البلاد ما تصنعه بنصر تحقق ضد نظام مستبد، فحولته إلى هزيمة للعقل والشعور الإنساني.

بيد أن الأخطر أن إرادة التغيير التي برزت عبر مراكز حراك ما يعرف بـ «الربيع العربي» هوت إلى الحضيض، وبات انعدام الأمن وتناحر الفصائل وانهيار الاقتصاد وبروز تجار حروب جديدة أهم ما يميز الأوضاع في ليبيا، فالرسائل الخطأ التي توجهها التجارب السلبية تقبر الآمال وترسخ اليأس، وكما نحر التنظيم الإرهابي صحافياً لمجرد أنه يحمل الجنسية الأميركية، فإن بعض الأنظمة فاق المستحيل في نحر الثورات التي كانت أنعشت الثقة في المستقبل.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان