رئيس التحرير: عادل صبري 04:52 صباحاً | الاثنين 19 نوفمبر 2018 م | 10 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

هيبة الدولة تبدأ من الرصيف

هيبة الدولة تبدأ من الرصيف

مقالات مختارة

الكاتبة أمينة خيري

هيبة الدولة تبدأ من الرصيف

القاهرة - أمينة خيري 25 أغسطس 2014 13:17

جبهات ومنصات وصراعات وصدامات لا تلبث أن تخفت حدتها يميناً، حتى تسارع في البزوغ يساراً. تقف ممسكة بأدواتها وآلاتها وما توافر من عدتها وخبرتها لتواجه هؤلاء، ومعهم أولئك، ثم تعود مسرعة لتردع هؤلاء مجدداً، وهكذا بلا توقف أو كلل أو ملل. فقط كثير من توجس المواطنين من قدرتها على الاستمرار، وتربص من الحقوقيين من مقدار خرقها للحقوق وحجم خنقها للحريات، وتحفز من هؤلاء وأولئك استعداداً للصيد في المياه العكرة، أو الانتفاع من مخزون الثورة الفكري ولكن في الاتجاه المعاكس.

وعلى عكس النبرة المتحدية التي تتفجر في التصريحات عبر الصحافة والتهديدات من خلال الشاشات، ظهر الناطق باسم الباعة الجوالين أشبه بالقط الأليف والحمل الوديع الشاكر للحكومة أفعالها والممتن للدولة تحركاتها.

تحركات الحكومة المصرية المثقلة بمسؤوليات مضنية والمطالبة بتحركات مثابرة والرازحة تحت سهام ناقدة وغير المنزهة عن الأخطاء المتفاوتة موجهة حالياً ضد جيش الباعة الجوالين الذي كبر وتمدد وتوغل وتوحش على مدى الأعوام الثلاثة الماضية، متغذياً على فوضى الثورة الخلاقة، وغيبوبة القانون الجارفة، وبطالة الموجات الثورية المتلاحقة والتناحرات السياسية الجائرة والانشغالات الحكومية المتتالية.

وبينما تتوالى عمليات الإزالة، تتواتر جهود الإحلال والتبديل لإقناع الباعة مرات بالترغيب ومرة بالترهيب بأن الوقت حان للإخلاء وإعلان بزوغ فجر جديد وكشف معلم من معالم القاهرة الكبرى طال غيابه وأثر من آثار المدنية الحديثة ضاع معلمه، ألا وهو الرصيف.

أرصفة القاهرة الكبرى والمدن الصغرى بما فيها من ميادين شهيرة وشوارع جانبية وحارات هامشية كاد المصريون ينسون شكلها ويتعاملون مع ما تبقى منها باعتبارها ظواهر انقرضت بالفعل، أطلت على المواطنين أمس معيدة ذكريات زمن الرصيف الجميل ولو إلى حين.

حين ظهرت قوات الأمن المتراوحة بين شرطة مدنية وأخرى عسكرية في مداخل ومخارج شوارع وسط القاهرة الخاضعة لاحتلال الباعة تراوحت وتناقضت وتصارعت مشاعر المواطنين وردود أفعال الموظفين بين سعادة غامرة وتعاسة فائقة وسخرية عارمة. وبين تعليقات تنم عن افتقاد كبير لمعالم الرصيف، أو انتقاد رهيب للباعة الجوالين الذين تحول بعضهم وحوشاً ضارية وكائنات ضاربة في العنف والإجرام وفرض السطوة بالصوت العالي أو السلاح الأبيض، أو تكسير في همم وتشكيك في ذمم وتحطيم في قوى.

قوة الحكومة المصرية في القدرة على مواجهة جيوش الباعة والتعامل مع منهجهم في الكر والفر وأسلوبهم في ادعاء المظلومية ومنهجهم في ابتداع عدم المفهومية موضوع على المحك حالياً. عمليات نقل الباعة من على أرصفة القاهرة إلى أماكن جديدة تم تجهيزها لهم تخضع هذه الآونة للإجراءات نفسها التي مر بها قاطنو صينية ميدان التحرير من بلطجية وأصحاب صحف جنائية ومنتفعي فوضى عشوائية بعد الثورة، ومتظاهرو وزارة الدفاع إبان تجذير حكم القوى الدينية، ومعتصمو ماسبيرو أثناء المطالبة بشقق سكنية، وثوار رئاسة الوزراء أيام الغضبة الشبابية. نظرية النشوء والارتقاء التي تمر بها عمليات التجمع ثم التجمهر ثم التهديد ومعه الوعيد وبعدها التلويح بالصد والإنذار بالفض، وأخيراً التفريق والتبديد وإعلان المنطقة محررة من واضعي اليد موجهة حالياً ضد جيش الباعة الجرار من صغار وكبار.

كبار رجال الدولة من محافظين ومديري أمن ومسؤولي محليات يبدأون ساعات العمل من قلب الميادين ووسط الشوارع بدل المكاتب المكيفة (في حال عدم انقطاع الكهرباء) وبعيداً من ازدحام الشوارع (في حال لم تكن مشلولة مرورياً). ونبرة الانبطاح ولهجة الانصياع ووتيرة الإذعان التي شاعت بين المسؤولين الحكوميين منذ اندلاع الثورة استجابة المطالب الاجتماعية أو تلبية لأوامر الحقوق والحريات أو اضطراراً لكسب الود وإحراز الرضا أو رغبة في تفادي الانتقاد وتجنب الاعتراض، تبددت وتبخرت.

ومعها تبخرت لهجة الباعة التهديدية ونبرتهم الإنذارية التي صدعوا بها الرؤوس وملأوا بها أثير الفضائيات وغمروا بها صفحات الجرائد عن عدم خضوعهم للنقل، وعدم تخليهم عن الرصيف، وعدم إذعانهم للقانون. وبعد سلسلة من التهديدات بالانتحار والإضراب عن الطعام والاعتصام في المكان يجد الباعة أنفسهم وأماكن تمركزهم الجديدة أمامهم والأمن وراءهم ولا محيص سوى الإذعان أو الامتناع. فأما الإذعان فيعني الانتقال إلى الأماكن المخصصة وأما الامتناع فيعني عدم الانتقال لكنه في الوقت نفسه يعني عدم العودة إلى الرصيف.

الرصيف الذي ظنت أجيال أنها ستلقى وجه ربها من دون أن تراه مرة أخرى، وولدت أجيال في ظل اندثاره وفي عهد احتلاله، ظهرت ملامحه بعدما كشف عنها المنقبون. التنقيب عن الرصيف في القاهرة ليس مجرد إعادة اكتشافه أو إزالة ما علق به من باعة وإشغالات أو حتى إزاحة ما زرع فيه من مقاعد أسمنتية وحوائط مبنية وسرقات من أعمدة كهربائية وتخبئة لأسلحة نوعية أو تعامل مع تعاطفات جماهيرية أو تحذيرات لجماعات حقوقية أو اتهامات من تجار يمتلكون أعداداً من «الفرشات» وأفراد يسيطرون على المكان، لكنه عملية ممتدة وكلمة السر في نجاحها تكمن في الاستمرارية.

استمرارية الباعة في الأماكن الجديدة، واستمرارية القانون في التطبيق، واستمرارية الحملات في المراقبة، واستمرارية التفهم من الجمهور، واستمرارية الرغبة في العمل تؤدي في النهاية إلى استمرارية الرصيف في البقاء وهو ما يعني استمرارية في الإبقاء على هيبة الدولة.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان