رئيس التحرير: عادل صبري 08:23 صباحاً | الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 م | 05 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

ليالي العتمة وأحاديث «الضلمة» في بحر الظلمات

ليالي العتمة وأحاديث «الضلمة» في بحر الظلمات

القاهرة - أمينة خيري 21 أغسطس 2014 10:48

لم يعد الأجداد في حاجة إلى سرد قصة «لمبة الجاز» (مصباح الكيروسين) للأحفاد ضمن منهج «على أيامنا» المقرر بين الأجيال، وذلك وقت كانت البيوت المصرية لا تخلو من مصباح كهذا للإضاءة الليلية في غالبية الأماكن. كما لم يعد الآباء يستحضرون ذكريات انقطاع الكهرباء في سبعينات القرن الماضي ضمن فقرة «احمدوا ربنا على نعمة الكهرباء التي لا تنقطع» والتي كانت تتكرر على أسماع الأبناء كلموا شكوا بطء «واي فاي» أو توقف «الهوائي» أو تشوش شبكات المحمول. كذلك لم يعد أنصار الرئيس السابق أو أنصار سلفه يستشعرون الحرج أو يتحسسون الأجواء المحيطة قبل أن يتفوهوا بعبارة «وسيظل التاريخ شاهداً على أن الكهرباء لم تنقطع في عهد الرئيس (السابق حسني) مبارك إلا في ما ندر. نشكر مجيدة على العتمة».

«عتمة مجيدة» أو تحميل الثورة وما حملته من رياح تغيير وأمواج تحوير مسؤولية تدهو البنية التحتية هو حديث العامة وجدال الساعة وسفسطة اللحظة، فمصر الغارقة في بحر الظلمات أثبتت لنفسها قبل أن تثبت للعالم أن التيار الكهربائي ليس مجرد تدفق للأيونات أو انسياب للإلكترونات، لكنه منهج للتحليل الشعبي وسبب للاستقطاب السياسي وسبيل للشحذ الاجتماعي وطريق للتشويه الإعلامي وأداة للكسب الاقتصادي ووسيلة للتهييج الثوري ومثار للتهكم والسخرية وفكرة لتمضية الأوقات، لا سيما تلك التي ينقطع فيها التيار.

تيار الكهرباء - أو بالأحرى انقطاع تيار الكهرباء - صار حديث القاصي والداني في مصر، لكنه ليس حديثاً شعبياً معتاداً يشمل صب النقمات وتوجيه اللعنات على المسؤولين والوزراء والموظفين، لكنه تحليل وتفنيد لنظريات المؤامرة، ما «تأخون» منها وما «تمدن»، وتهديد ووعيد، وإبداع وتفكير، وبحث وتضليل. البحث يقوم به الشعب، تارة عن سبب منطقي للانقطاع، وتارة عن حل جذري للانهيار، ودائماً عن شمعة يشعلها في الظلام بدل لعن النظام والحكومة. والتضليل تقوم به الحكومة بتصريحات متضاربة تعد بحل مشكلة الكهرباء في غضون يومين أو أسبوعين أو شهرين أو سنتين حسب المتحدث، أو إشارات متراوحة إلى أن «خلايا إخوانية في وزارة الكهرباء وراء تكرر انقطاع التيار»، أو تأكيدات متباينة بأن «سبب الانقطاع نقص الوقود أو قلة الفلوس أو ضعف النفوس».

النفوس المصرية الحائرة على مدى السنوات الثلاث الماضية بين التعلق بقشة الثورة والقبض على جمرة التأسلم والتطلع إلى مخرج متيسر تجد في الانقطاع المستمر لتيار الكهرباء ضرراً اقتصادياً، وحنقاً اجتماعياً، وحراً عاتياً، وخنقاً ضارياً. الغالبية تفكر وتبدع وتتأقلم وتمني نفسها بأمنيات الغد الأفضل والحاضر الأصعب والماضي الأحلك. فظهرت تجارة كشافات الطوارئ الرابحة، وعادت سلعة الشموع رائجة، وباتت فترات السهرة تُمضى بعيداً عن الشاشات المظلمة والغرف المكيفة وعادت ظاهرة الأمسيات الاجتماعية واللقاءات الأسرية وأحاديث السفسطة.

سفسطة العامة مقبولة في مثل هذه الأجواء المظلمة، بل تكاد تكون محمودة. فرغم شطح الخيال وجنوح الكلام حيث رائحة «الإخوان» تنبع من دعوات الامتناع عن تسديد فاتورة الكهرباء، وعبق الزمان يتفجر من دعوات الانتقام ممن ظلم «صاحب الضربة الجوية»، ولخبطة الأوان حيث تحميل عبدالفتاح السيسي مغبة الانقطاع أو التخفيف عنه بتذكر إرث فساد السنين وحمل الفوضى الثقيل، إلا أن المحصلة النهائية هي أن أحداً لا يتطرق إلى مسائل الدعم وأحواله إلا في ما ندر، وأسعار السلع وجشع التجار من دون رقابة إلا في ما قل، والضريبة العقارية والأزمة المرورية إلا في أضيق الحدود.

بعضهم أعلن نذوراً في حال انتهجت وزارة الكهرباء منهج الشفافية واتبعت الحكومة إرادة المكاشفة وقررت الرئاسة المصارحة، لكنها لن ترى النور على الأرجح ليس لانقطاع الكهرباء ولكن لانقطاع النفس وتبدد الجلد وانقشاع الصبر.

وبين صبر المصريين على نظريات الإلهاء عن قضايا الدعم والضرائب والأزمات، واستحضار نظريات المؤامرة بدءاً من إشاعات توريد الغاز المصري إلى غزة، وضلوع الفلول وعلى رأسهم «الواد عاشور» و «الواد بتاع رفع سكينة الكهرباء في مقابل 20 جنيهاً» من قبل الفلول إبان حكم محمد مرسي، وسيطرة عناصر «الإخوان» على قطاعات بعينها في وزارة الكهرباء إبان الفترة الانتقالية بعد عزل مرسي وحكم السيسي، يجد المصريون من الوقت والجهد والفطرة مع ما تيسر من سويعات يتوافر فيها التيار ما يمكنهم من ابتداع هاشتاق «هنستحمل» حيث الصبر على شدائد السيسي ولا العودة إلى مكائد «الإخوان»، واكتشاف فوائد انقطاع الكهرباء كما رسمها إسلام جاويش وهي «توفير مساحة لذكر الله والدعاء على الوزراء والمسؤولين، ومجال للتأمل بالحملقة في السماء ليلاً وملاحظة النجوم، وسبب لمعرفة قيم السلم، وفرصة للبهجة بالتهليل لحظة عودة التيار». وإلى حين عودة التيار، ينعم المصريون بليالي العتمة وأحاديث «الضلمة» في بحر الظلمات السياسي والاقتصادي.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان