رئيس التحرير: عادل صبري 07:50 صباحاً | الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م | 03 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

الشيخوخة المبكرة التى أصابتنا !! (نظرة فى التربية )

الشيخوخة المبكرة التى أصابتنا !! (نظرة فى التربية )

مقالات مختارة

د. أحمد البيلى

الشيخوخة المبكرة التى أصابتنا !! (نظرة فى التربية )

د. أحمد البيلى 21 أغسطس 2014 10:07

يقول ألكسي كاريل فى كتابه “الإنسان ذلك المجهول” : (إن الزمن الداخلى للإنسان هو تعبير عن تغييرات الجسم ووجوه نشاطه إبان الحياة ..والزمن الداخلى لا يمكن قياسه بدقة بوحدات التوقيت الشمسى .


ومع ذلك فإنه يعبر عنه عادة بالأيام والأعوام لأن هذه الوحدات مريحة وقابلة للتطبيق بالنسبة لترتيب الحوادث الأرضية ، فمن الواضح أن العمر الداخلى لا يوافق العمر الفسيولوجى ، فبعض الأشخاص يظلون صغارا سنوات كثيرة وعلى العكس من ذلك تبلى أعضاء أشخاص آخرين فى مرحلة مبكرة من الحياة)
 

ما أدق تعبير القرآن وهو يفسر دورة العمر فى هذه الآية (الله الذى خلقكم من ضعف ثم جعل من بعض ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير) إن القرآن يرسم منحنى طبيعى لدورة عمر الإنسان كل جزء من أجزائه الثلاثة مبنى من الذى قبله وهذا ما نسميه العمر الداخلى للإنسان ، فطموحات الإنسان وتطلعاته ، ومعارفه ، وذكائه الإجتماعى ، ونشاطاته المستمرة ، وانفعالاته ، تلك الأمور التى يقوى بها الإنسان حتى يبلغ ذروته ثم يبدأ فى التراجع والهبوط ، وكلما تراجع تحصيل الإنسان لهذه الأمور ولم يدرك لحظاته الفارقة فى حياته كلما هوى مبكرا وتلك هى الشيخوخة المبكرة التى أصابتنا ، حتى ولو بقى فى أعمارنا الفسيولوجية الكثير من الأعوام .
 

ما أحكم القرآن حينما فصل فى التعبير بين الضعف الآخر فى هذه الدورة العُمرية وبين الشيب الذى هو الشيخوخة المادية وفرق بينهما بواو الموالاة التى لا تفيد التعقيب ، فكم من صغير قد بلغ الشيخوخة مبكرا وهوى من قوة إلى ضعف سريعا ولما يأتيه الشيب بعد !! ذلك أن قوته أصلا كانت ضعيفه وصعوده لم يعلو كثيرا فعاد متعجلا فى الهبوط ، وكذلك كلما كان عمر الإنسان التصاعدى مفعما بالقوة والحيوية والتجربة ، كلما ارتفعت ذروته ، وتماسك فى هبوطه ، حتى تجده بلغ المائة ولا زال ممتطيا جواده متوشحا سيفه ، يقود الأمة إلى مجد أضاعه السابقون ، ولله درك يابن تاشفين (حفظناها فى الصغر فحُفظت لنا فى الكبر).
 

ولا عجب أن تصيب شعوبنا شيخوخة مبكرة وبلداننا العربية والإسلامية تعانى المعرفة الضئيلة ، والتعليم المتهاوى ، والطموح الضحل ، والبطالة المقعدة ، والمجتمع المريض ، والإستبداد الأحمق ، والإمبريالية الحاقدة.
 

يا ابن آدم اغتنم خمسا قبل خمس : (… حياتك قبل موتك ، وشبابك قبل هرمك …) فالأولى الزمن الفسيولوجى والثانية الزمن الداخلى .
 

لقد كان النبى صلى الله عليه وسلم مربيا عظيما صنع رجالا بحق تضاعفت أزمانهم الداخلية فأعطت أعمارا فاقت حدود السنين القمرية !! مصعب بن الخامسة والثلاثين يحمل الوحى إلى يثرب نائبا عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وأسامة بن الثامنة عشر يقود الجيش ، والأرقم بن السادسة عشر يستضيف الوحى ، ومعاذ ومعوذ ابنا الرابعة عشر يقتلان الفرعون ، وعلىّ يبدأ الصعود من سن ستّ سنوات ، وسعد بن معاذ يهتز له العرش ولم يمض على إسلامه سوى ست سنين !!
 

ونحن أيضا فى الإخوان أصابتنا شيخوخة مبكرة جعلت فينا كثيرا من الشباب شيوخا ، ذلك أنهم توقفوا يوما عن الصعود الذى أتاحته لنا الجماعة المباركة والمحضن الدافئ النقى الذى هرع إليه كل إنسان آلمته غربة الإسلام وضعف أبنائه وعجز علمائه واستبداد حكامه وكيد أعدائه .
 

أعلم من واقع تجربتى أن كثيرا من أبناء هذه الجماعة بدأ منحنى الزمن الداخلى له قويا صاعدا وسط إخوانه لكن ما لبث أن تباطأ صعوده واستمرأ التوقف لينتظر مصيره المحتوم فى دورة الهبوط مبكرا .
 

لكن ما يدعوا إلى الحيرة والتأمل من أين أتتنا هذه الشيخوخة المبكرة ونحن ننتمى لجماعة وفرت لنا بيئة نقية ، وروحا عالية ، ومعارف ، وتجارب ، وانطلاقات !! من أين أتت ؟!
 

أتخيل وكأننا نقف فى طابور متحرك لا يستطيع اللاحق الحركة حتى يتحرك السابق ، ولكن الحيوية المنبعثة فينا تحدونا للهرولة فنهرول فى المحل !! حتى لا نخرق الصف ولا ينكفئ اللاحق على السابق !! فإذا مر الوقت ولم تهرول المقدمة وتنتقل إلى الأمام ويتناغم جميع الصف فى الهرولة معها ، فالنتيجة الحتمية أن يتوقف الجميع ويتباطأ الطابور ، ويقف كل واحد منا بلا حيوية ، بلا هرولة ، وما عاد حتى يفكر فيها ، يكفيه أنه واقف فى الصف لم يخرق الطابور !!
 

أنا لا أدعوا من لازالت تحدوه حيويته أن يترك الطابور ، ولكنى أدعوا المقدمة أن تهرول ، وأدعوا السابق أن يتقدم لللاحق ، فإن لم يستطع فليقدم اللاحق ، ويتراجع خطوة ، حتى نصل جميعا صفا قويا وبنيانا مرصوصا .
 

(إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) لكم كان يحزننى يوما ما أن أجد الشباب الحديث فى الدعوة يتقدم الأنشطة واللقاءات العامة ويتفقد قيادة شعبته فلا يجدهم !! ولكم يحزننى أن يبذل الجنود أكثر مما يبذل قائدهم !! ولكم هو محبط أن لا يسبق القائد ويكون الأسرع والأجدر.
 

كم كنت أحب أن أرى الشباب المفعم الصاعد يزاحم المجالس التنظيمية للشيوخ المثقلين النازلين بطبيعة دورة الحياة فتتجدد الدماء ، وتختلط الحماسة بالحكمة ، فنجد أمثال على وأسامة وسعد ومحمد الفاتح وعبدالرحمن الناصر.
 

  لا شك أنه كان بين أيدينا مثل هؤلاء كثير ، لكن ربما تأخرنا فى إلتقاطهم حتى هدأت جذوتهم ، ربما كان علينا أن نقتنص لحظات القوة والحيوية حينما ظهرت لديهم ، وننقلهم من صعود إلى صعود تلك هى التربية الحقيقية .
 

ربما أخطأنا حينما فهمنا التربية فى التهدئة ، وحولنا التدرج إلى تباطؤ ، ربما أخطأنا لما ظننا أن التربية الحركية تتأخر حتى تتقدم التربية الإيمانية والسلوكية ، مع أنهم كلّ يعضد بعضه بعضا.
 

كثيرا ما أراجع نفسى فى أنه كيف أن النبى صلى الله عليه وسلم قوّد خالدا واستأمن الأرقم واستبقى عليا واستودع الطفيل وأسر لأعرابى خرج معه للغنيمة فصار من ملوك أهل الجنة ولم يركع ركعة واحدة !!
 

كلما راجعت عمر بن عبدالعزيز وهو يقول : (إن لى نفسا تواقه تاقت فاطمة بنت عبدالملك ، فلما نالتها تاقت الإمارة ، فلما نالتها تاقت إلى الخلافة ، فلما نالتها تاقت إلى الجنة) قلت فى نفسى : لو قال بن عبدالعزيز الأولى بيننا لأوقف عند الثانية ولضاعت حقبة عدلك ياعمر ولربما ضاعت منك درجات فى الجنة !! ذلك أننا عندنا نوقف من يتوق خوفا عليه ، أما عندكم فكنتم تأطرونه فيما يتوق خوفا علي الدين ، فما يلبث أن يستحى فيُلقى بحظ نفسه خوفا على دينه.
 

كم أضعنا من عمَر كنا فى أمس الحاجة إليه الآن ، لكن لا بأس ، فلا زال فى الوقت متسع ولازالت عناصر السلامة عظيمة قوية فى نفوس شعوبنا ، فلنعد ترتيب أمورنا ، ولوائحنا الداخلية ولنفكك منها القيود ، وأقسامنا الفنية ، ومناهجنا التربوية ، ولنهيأ للشباب وللمجدين الطريق ، ولنتلقف كل حماسة نحييها ، ولننتهز الفرصة التى منحت لنا فى حالة التحدى التى نحياها ، وبيئة الجهاد والعمل المفتوح التى نعيشها ، ولننظر للأمام مهرولين نحو غايتنا الكبرى وأملنا المنشود ، ولنرفع لهذه الأمة رايتها خفاقة من جديد ..

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان