رئيس التحرير: عادل صبري 03:32 مساءً | الأربعاء 15 أغسطس 2018 م | 03 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

شركات أدوية ومختبرات صيدلانية تفتعل أوبئة وتتصدى لها بالعلاج

شركات أدوية ومختبرات صيدلانية تفتعل أوبئة وتتصدى لها بالعلاج

مقالات مختارة

ادوية_صورة ارشيفية

شركات أدوية ومختبرات صيدلانية تفتعل أوبئة وتتصدى لها بالعلاج

ألان شوارتز 20 أغسطس 2014 17:50

كافح كيث كونورز، الطبيب الأميركي والاختصاصي في طب الأعصاب، 50 سنة في سبيل إقرار المجتمع الطبي بأن اجتماع ضعف انتباه الطفل وإفراطه في الانفعال هو عرض عصبي ينبغي علاجه.

 

ونصح الطبيب زملاءه علاج العرض العتيد الذي سماه ADHD (اضطراب نقص الانتباه مع حركة مفرطة) باستعمال أدوية. وحين ارتقى منبر مؤتمر اختصاصيي هذا المرض بواشنطن، في خريف 2013، وخاطب المؤتمرين لم تلُح عليه لائحة المنتصرين. فالمركز الاميركي لمراقبة الامراض أذاع لتوه الارقام التالية: 15 في المئة من تلامذة التعليم الثانوي مصابون بهذا العرض، وبلغ عدد الاولاد الذين يعالجون بأدويته 3،5 مليون في 2013، وكان العدد 600 ألف في 1990. علق كونورز على الارقام فقال أنها قرينة على «كارثة وطنية تثير القلق الحاد». ورأى ان حجم الاصابات يحمل على تشخيص وباء حيث ليس ثمة وباء، فالارقام وصفة تسوغ المداواة بالأدوية على نطاق غير مسبوق وغير مبرر.

واتفق شيوع التشخيص وانتشار العلاج بأدوية مع حملة تسويق فاعلة مولتها شركات الصيدلة. فدعت الجمهور والأطباء معاً الى العناية بتشخيص العرض والإسراع الى علاجه ومداواته. وتتوسل شركات الدواء الى التسويق بوسائل الدعاية المعروفة وحيلها الرائجة. ولا ينكر أحد أن نقص الانتباه والحركة المفرطة يصيب 5 في المئة من الاولاد. ويعوق التحصيل الدراسي والاضطلاع بالعمل ويلحق الضرر بالحياة الخاصة. وينجح الدواء غالباً في لجم الانفعال الحاد، ويساعد على الانتباه والتركيز. ويقر أنصار العلاج بالأدوية بأن توسيع التشخيص الى معظم الاولاد، ووصف الدواء الذي يترتب عليه، يقود الى معالجة أولاد لا يحتاجون الى العلاج، ولم تبلغ أعراضهم مستوى الخطورة الذي يقتضي المعالجة. ويحل تشخيص ضعف الانتباه، اليوم، المحل الثاني بعد تشخيص الربو. وعمدت خطة التسويق التي أعملتها شركات الصيدلة الكبيرة الى إدراج أعراض سائرة وعادية، مثل اللامبالاة أو الاستعجال، في باب المرض، وبالغت في تعظيم عوائد العلاج ونتائجه. وتولى الترويج التلفزيوني، وإعلانات المجلات الجماهيرية، تصوير نازع الاولاد الى العجلة، وتعثرهم في أداء بعض الاعمال، أو التقويم المدرسي السلبي (العلامات المتدنية)، في صورة خلل يدعو الى تلافيه بواسطة أدوية جاهزة ينجم عن التدواي بها تحصيل «نتائج تكافئ ذكاء أطفالكم»، وإخماد التوتر العائلي المتخلف عن تعثر التأهيل المدرسي.

ومنذ العام 2000، درجت مصلحة الغذاء والدواء الاميركية على الطعن في تعمد المختبرات بث دعاية كاذبة للأدوية التي تعالج نقص الانتباه. وحرضت المختبرات الأطباء على وصف هذه الأدوية، رغم ضآلة الأعراض وقلة خطرها، وعلى التنويه بخلو تناولها من أي أثر سلبي، وإغفال آثار سلبية فعلية تترتب على تناولها ورصدت الفحوص المختبرية بعضها. فالأدوية المحفزة والمنبهة تصنف في باب واحد مع المورفين، وتترتب عليها أخطار الإدمان، والإفراط في الاستعمال، والتبعية في آخر المطاف. وتحاول المختبرات التوجه الى الفتيان مباشرة. وعلى سبيل المثل، موّلت شركة تتصدر مبيعات شركات الصيدلة في السوق الاميركية منذ أعوام، شريطاً مصوراً، وتولت توزيع 50 ألف نسخة منه على الفتيان والشباب. وفي بعض صور الشريط ينصح شاب مفتول العضلات، تشع عيناه وقسمات وجهه بالحياة والذكاء والحكمة، ولداً نحيلاً، وبادي الاضطراب، بتناول «دواء يساعده على التركيز والسيطرة على نفسه».

وآتت الحملة ثمرتها في سرعة. فبلغت مبيعات الادوية المنبهة، في 2012، حوالي 9 بلايين دولار، أي خمسة أضعاف نظيرها قبل 10 سنوات. ولم يكبح إعلان روجير غريغز، وهو صانع دواء من ادوية هذا العرض العصبي في 1994، معارضته الحازمة تسويق المنبهات في الجمهور العريض من غير قيد طبي ومهني، وعلل معارضته بالأخطار الجانبية المترتبة على إباحة تسويق غير مقيد. وقال أن المنبهات «قنابل نووية» ينبغي قصر استعمالها على الأحوال الحرجة والقصوى، وشرط أن يتولى طبيب مراقبة تناولها. فاعتياد تناول المنبهات قد يفضي الى انهيار نفساني، ويحمل على نزعات انتحارية. والأثر الأكثر شيوعاً الذي تخلفه المنبهات في الفتيان الراغبين في تحصيل مدرسي كثيف هو العزوف عن النوم وفقد الشهية. وكثرة متناولي المنبهات تجازف إدمان تناولها.

ويدفع توم كاوسلا، نائب رئيس شركة ساير، وأحدُ مديري مختبرات جانسين (مصعنة كونسيرتا، قرين دواء ريتالين)، تهمة الاستخفاف بصحة متناولي ادويتهم. فيقر بأن الأطباء وحدهم هم الأوصياء على علاج المرضى، وعلى علاجهم ومداواتهم، ولا ينكر «عدوانية» حملة الدعاية التي تشنها الشركة هذه على الجمهور. وكتب مدير جانسين، جواباً عن اسئلتنا ان الشركة تعاونت طيلة أعوام مع أطباء عياديين (أو سريريين) ومع أهل المرضى وجمعيات مدنية، في سبيل إعداد أطباء معالجين يعتنون بالأولاد، ويحسنون تشخيص عرض قصور الانتباه وعلاجه بالدواء العلاج الشافي والمسؤول.

ونوت شركة شاير، وجمعيتان أهليتان تمولهما مختبرات كبيرة، توسيع سوقها الى فئة البالغين والراشدين. فعَمَدَت الى «خطب ود» بعض المشاهير مثل آدم ليفين، من فريق «مارون خمسة»، ودعته الى الاشتراك في حملة شعارها «إن عرض ADHD هو عرضك، فاجعله مسؤوليتك». وتبث الشركات على الشبكة شعارات تحض المرضى على التزام العلاج من غير انقطاع. وعلى شاكلة معظم الاعراض العصبية، يتعذر تشخيص عرض قصور الانتباه والافراط الانفعالي من طريق فحص واحد وحاسم. ومعظم الاختصاصيين يقر بأن أعراض الداء تحتمل التأويل. وتدريجاً، أيدت رابطة الطب العصبي تشخصياً مرناً للعرض، وضمّنت تشخيصها ظواهر سائرة مثل «ارتكاب أخطاء ناجمة عن ضعف الانتباه» أو «نفاد الصبر عند انتظار الدور».

واستمالت فكرة تهدئة الاضطراب والتوتر الأهل القلقين على أولادهم، والأطباء المستعجلين (على) العلاج المجدي، وغير هؤلاء وأولئك. ويلاحظ لورنس ديلر، طبيب اطفال سلوكي يعمل في والنوت كريك بكاليفورنيا، أن المختبرات «لم تقتصد في مناشداتها ولا في إيحاءاتها، لكن الاقتصار على تهمة الجرثومة لا يصنع وباء، ولا يتفشى الوباء إلا إذا قيض له جمهور يستضيفه. والمختبرات تعرف أشياء عن الجمهور وتتوسل به الى ابتزاز الجمهور واستغلاله».

وجمعت شركة شاير، شأن زميلاتها، مؤتمرات طبية دعت مئات الاطباء الى حضورها. واعتلى منابر المؤتمرات أطباء لا يطعن أحد في كفاءتهم أو جدارتهم، وتناوبوا على الترويج لدواء الشركة لقاء بدل أو ثمن جزى المحاضرة، على جاري العادة في الولايات المتحدة. ومن هذه المؤتمرات مؤتمر التأم في نيسان (ابريل) 2002 للترويج لدواء في حلته الجديدة. فحاضر الدكتور ويليام دبليو دودسون، طبيب أعصاب عن دينفير، في 70 طبيباً بريتز كارلتون في باسادينا بكاليفورنيا. واستعرض المحاضر أمام جمهموره صوراً سينمائية ثابتة، ودعا المؤتمرين الى إفهام من يعالجونهم أن الاضطراب الذي يشكون منه مزمن، ويترتب عليه علاجه بدواء دائم على شاكلته.

وهذا الزعم لا سند له، ولا تؤيده المعطيات البحثية الطبية. فنصف الاولاد الذين يصيبهم عرض قصور الانتباه يشفون منه عند بلوغهم سن الرشد. والمختبرات التي تصنع الدواء لا تعرف شيئاً تقريباً عن جدوى الدواء على الامد البعيد، أو عن الاخطار التي تهدد المعالَج. وعلى خلاف المزاعم الترويجية، تصنف السلطات الطبية الادارية هذه المنبهات في باب المواد التي يترتب على تعاطيها احتمال ادمان قوي. والإفراط في تناولها لا يؤمن أن يؤدي الى الاصابة باضطرابات قلبية قاسية، والى مسلك ذهاني (الفصام صنف منه). ووصف الدكتور دوسون الاعراض الجانبية التي قد يصاب بها متناولو منبه أدّيرول بالخفيفة، بينما تشخص الاختبارات العيادية في هذه الأعراض نسبة مرتفعة من فقد النوم، وخسارة الشهية، وتقلب المزاج، والهلوسة نادراً.

 

 

* صحافي، عن «نيويورك تايمز» الأميركية، 14/12/2013،

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان