رئيس التحرير: عادل صبري 11:47 صباحاً | الخميس 18 أكتوبر 2018 م | 07 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

ثورة معايش الإنسان لا جياع البطون

ثورة معايش الإنسان لا جياع البطون

مدحت ماهر 19 أغسطس 2014 13:27

من المخزي أن تتحدث عن الناس (جمع إنسان) بصيغة الضعة والابتذال، ولا ترى إنسان هذا الوطن إلا قطعة لحم أو فما نهما أو بطنا يملأ ليفرغ.


من العجيب بعد هذا أن تتصدر لتتكلم بلسانهم أو تطالب بحقوقهم أو تدافع عن حرياتهم، أن نكتشف أنك تحتقرهم وتزدريهم. مبدأ الأمر أن تحترم –بإيمان وعلم وصدق وعدل- إنسانية ناس هذا البلد، وأن تثبت هذا المبدأ أساسا لنظرك وخطابك واتصالاتك وحركتك في المجال العام. لعنات القرف من الناس على التعميم تنطوي على تناقض بغيض: أنك تطالب باحترام إرادة ناس هم عندك عديمو الإرادة، وحقوق ناس هم في تصورك الحقيقي غير مستحقين لشيء، وحريات قوم تراهم عبيد العصا وإن العبيد لأنجاس مناكيد؟!
 

في الناس ما في الناس، وإن زاد فسادهم في زماننا، أو قل فهذا معطى، والإشكال في تعاطينا معه. فإنما نحن بعض من هذا الكل، ووفينا ما في الناس وإن لمعت مرايانا، وغابت عيوبنا عن عيوننا، وتسقط العيوب وتلقط الخطايا ليس مدخل بناء أو إصلاح، إنما الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين.
 

والثورة الشعبية لا تكون ثورة جياع إلا أن تنزل الأحوال بالناس إلى الدرك الأسفل من إنسانيتهم، أو تتخطى ذلك إلى وضع من الحيوانية. فالحيوان هو الذي يثور إذا عطش أو جاع فلم يجد، ساعتها يطلب بفمه ولو قضم مالكه أو نسله هو، ساعتها يهلك الحرث والنسل، ساعتها يأكل الغضب والثوران الأخضر واليابس. ولكن هل يعجبنا ويروق لنا أن تكون هكذا ثورة المصريين؟ نتمنى جوعهم ليثوروا ثورة الحيوان؟
 

بل قل: ثورة المعايش، ثورة العايش على الناهب الناهش، ثورة حق الحياة على من ماتت قلوبهم وشاطت عقولهم. ثورة المعايش تعني وعي الإنسان بحقه في العيش الكريم، في الحياة الطيبة، لا أن تفرض عليه ظلما: المعيشة الضنك، ولا إذلال النفوس. ثورة الكرامة لا يلزم أن تقتصر على الحقوق المعنوية، فإن في الحقوق المادية للإنسان أساسا لكرامته وتكريمه:
 

المستبد لا يبالي بجوع الناس ولا عطشهم، ولا بمأواهم أو كسوتهم، ولا بسترهم وأمنهم، ولا بصحتهم ومداواة جروحهم؛ باختصار لا يهتم بمعايشهم ولا تعنيه حياتهم. وربما لا يعي المستبد المتجبر مفهوم (المعايش)، وارتباطه بعناصر الحياة الطيبة، ولا بصلاته بحرية الإنسان وكرامته وشعوره بالعدل الشامل.. والمستبد في بلادنا عادة ما يكون جهولا ظلوما بدرجة بالغة؛ لذا لا يفهم ولا يدري أنه لا يفهم. يركب السياسة والتدبير قدرا، وهو لا يملك من قدرات التفكير قدرا، ولكنه يركب ويحسب أنه يقود ويرعى. يقول (وما أهديكم إلا سبيل الرشاد)، والواقع: (وأضل فرعون قومه وما هدى).
 

الفاسد المفسد في بلادنا ليس ماهرا شاطرا في مجاله، ليس كفاءة.. تراه في خيبة ثقيلة تضاعف من أثر فساده؛ يمنع الخيرات عن الناس وكأنها ستفضح شره، ويتسبب في حلول المصائب على الناس وكأن ذلك واجبه ووظيفته: (يفسدون في الأرض ولا يصلحون)؛ شر محض وخراب بحت. لا يكتفي بالعلو في الأرض حتى يريد معه فسادا، ولا يرضى بما هو فيه من بحبوحة عيش، حتى يعبث في حياة الناس، ومعايشهم.
 

في بلادي لا تجد عوزا وغنى تنسبه إلى محض الأقدار، لا تجد ثراء بل إثراء، ولا فقرا بل إفقارا.. سياسات ممنهجة متعمدة بكل صلف وغرور وأمن من العواقب... اجتماع المستبد والمفسد مؤذن بظلم يخرب عمران الناس ومعايشهم.. وزارات مغارة علي بابا، مواقع السبوبة والنهوبة معروفة، دهاليز الكسب غير المشروع، والنهب من كل مشروع، وضرب الميزانيات، والعمولات، والإكراميات بالغة الكرم التي وصل ظلها إلى إسرائيل العدو نفسها.. بيع القطاع العام ونهب الثمن البخس، وبيع ثروات البترول والغاز والآثار.. ثم التقتير والتقطير في الأجور والمرتبات والدعم الذي لا يساوي في الواقع شيئا وما هو إلا رمز لبقاء ارتباط بين المواطن وهذه الدولة مصاصة الدماء.. كل ذلك صنع دولة الاستهانة والمهانة، ومجتمع الذل والاستكانة، والدوران في الساقية الكحيانة.
 

في عهد المخدوع الذي لم يعظه حتى اليوم شيء، بل يعود هو ليعظ ويكذب ويحسب أنه على شيء، استشرى الفساد حتى بلغ الركب بل الآذان. في يوم خرج اللامبارك نفسه وحذر من أثراهم وأتخمهم من (الفشخرة)، وإظهار زينتهم على الناس.. كأنه كان يقول: يا أغبياء لا تفتحوا أعينهم.. وحذر مرة أخرى من أن تتحول الدولة تحته إلى دولة الـ10% التي كان يقودها من شرم الشيخ.. كان لا يكف عن إهانة المواطن: بيخلف كتير، لا يشتغل، أجيب منين؟ أنا عملتلكم صرف صحي ومديت كم طريق وكم خط تليفون وكم كوبري وكم خط مترو..؟
 

وما أشبه الليلة السوداء بالبارحة.. المغتصب اليوم يبدأ: اللي عايز يدفع، والدعم سوف يرفع، وهاتدفع يعني هاتدفع، وهاتكلو مصر يعني..؟ بلغة ساقطة إنما هي امتداد لنفس المنظومة السافلة.. هذا هو التطور الطبيعي للحاجة الباردة الساقعة بجد.. أما رجال الأعمال والأموال.. ناهبي المزايا، متهربي الضرائب، فهم عماد النظام، لهم تبجيله واحترامه، مقابل الاستمرار في النهب والنهش في لحم الشعب وعظامه.. العلاقة بين العسكر والنهابين هي نفسها العلاقة بين الرأسمالية الأمريكية والعسكر.. فالعسكر هم المستبدون موفرو القنطرة بين نهابي الخارج ونهابي الداخل.. وتحت الأقدام يعتصر شعب وراءه شعوب، وأجيال تنسل سلالات من المستعبدين...
 

الانقلاب لم يكن فقط اغتصاب سلطة، ولا اختطاف ثورة، ولا احتجاز وطن، بل هو بالأوضح: عملية سطو مسلح على معايشنا وعيشنا في هذا الوطن.. عملية سطو مسلح على حاضرنا ومستقبل الأجيال التي لا ذنب لها إلا أن آباءها قرروا الاستسلام للعصابة..
 

معايشنا: لحومنا ودماؤنا.. أعمارنا وصحتنا .. أبناؤنا ونساؤنا.. معايشنا: كرامتنا وراحتنا .. أماننا وطمأنينتنا.. وما قيمة الحياة في وطن لا معايش فيه؟.. الناس تسافر وربما تهاجر للابد لتعيش عيشة حرة كريمة.. والناس المحترمون في كل مكان في العالم يتغيرون ويغيرون للعيش الكريم.. إلا في بلادنا..
 

سيطرة عصابات الغصب والسطو المسلح هي العائق الأكبر أمامنا، لا أقول أمام تقدمنا ومشاريعنا القومية، ونمونا وتنميتنا.. فهذه حاجات تالية.. لكن الأساس أنهم يقفون حائلا بيننا وبين الحياة: العيش الكريم!
 

ولذا سوف لن نمكنهم من ذلك بعد اليوم.. وسوف نزيلهم مهما كان الثمن!

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان