رئيس التحرير: عادل صبري 12:00 مساءً | الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م | 03 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

مقاومات الفلسطينيين: تضحيات بلا حدود

مقاومات الفلسطينيين: تضحيات بلا حدود

مقالات مختارة

مقاومات الفلسطينيين

مقاومات الفلسطينيين: تضحيات بلا حدود

ماجد كيالي 19 أغسطس 2014 12:42

انتهت هذه الجولة من الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين في غزة، ودخل الطرفان المعنيان في صراع تفاوضي على «شروط» العلاقة بينهما، لفترة ما بعد الحرب، وبالأحرى للفترة ما بين حرب وأخرى.

ما يغيب عن إدراكات الفلسطينيين، في غضون ذلك، أن ما لا يستطيعون فرضه على إسرائيل بصمودهم ومقاومتهم، يستحيل فرضه عليها بواسطة المفاوضات، وفق تجربة عقدين من التفاوض، علماً أن الأطراف الدولييين والعرب لا يبدون معنيين بمساندة مطالبهم، أو غير قادرين على ذلك إلى الدرجة المناسبة. ما يغيب عن إدراكات الفلسطينيين، أيضاً، في غمرة احتفائهم بأي «انتصار»، ولو جزئي أو معنوي على إسرائيل، أنهم ما زالوا أسرى إطار اتفاق أوسلو وقيوده، على رغم كل التضحيات التي بذلوها، والبطولات التي قدموها، وأن أي «انتصار» لا يكسر أو يزعزع قيود هذا الاتفاق المجحف، ولا يفتح مسار التحرر الناجز من الاحتلال، من المبالغة والتسرّع توصيفه على أنه «انتصار».

فوق هذا وذاك، يجدر بالفلسطينيين الانتباه إلى أن مطالبهم التفاوضية من إسرائيل، في الضفة وغزة، ما زالت تتعلق بالعودة إلى واقع ما قبل 14 عاماً، أي قبل الانتفاضة الثانية (2000 - 2004)، بعد خسارة حوالى عشرة آلاف شهيد، وعشرات آلاف الجرحى والمعتقلين، إضافة إلى دمار الممتلكات والعمران. ففي وقائع مفاوضات القاهرة، هذه الأيام، باتت إقامة ميناء مطلباً نضالياً، في حين أن اتفاقات أوسلو تضمنت حق الفلسطينيين في إقامة مطار وميناء، ومعبر آمن بين الضفة وغزة، والتواصل بين مناطق الضفة من دون حواجز إسرائيلية. ولعل قصة الأميال البحرية المسموح بها لصيادي غزة، ومعها عمق «الحزام الأمني»، مثال على ذلك، ففي تلك الاتفاقات سمح بعمق 20 ميلاً بحرياً، وقد تقلصت المطالبة اليوم إلى 12 ميلاً، وتصر إسرائيل على أقل، وهذا ينطبق على تقليص عمق الحزام الأمني المحيط بغزة الذي لم يكن موجوداً في السابق.

مع كل هذه الوقائع، واستشراء الاستيطان في الضفة، وتقطيع أوصالها بالحواجز والجدار والطرق الالتفافية، والقيود على المعابر، وعلى الحياة الاجتماعية والاقتصادية، ما عاد مستغرباً شيوع فكرة عند قطاعات من الفلسطينيين مفادها أن واقعهم في الأرض المحتلة، قبل قيام السلطة (1993)، كان «أفضل». وهذا لا يقتصر على الوضع الاقتصادي، والتواصل المجتمعي حتى مع فلسطينيي 1948، حيث التواصل اليوم بين مناطق الضفة بات شديد الصعوبة، والتواصل مع غزة بات مقطوعاً، إذ يشمل ذلك أن ظروف النضال والمقاومة كانت أفضل، في حين أنها باتت مقيدة في ظل سلطة أوسلو، سواء كانت شعبية وسلمية أو مسلحة. ففي تلك الفترة، خاض الفلسطينيون في الأرض المحتلة انتفاضات عدة توّجت بالانتفاضة الشعبية الكبرى (1987 - 1993)، التي استثمرت بأسوأ شكل، ولولاها لما قامت السلطة، بمعنى أن الفلسطينيين كانوا أكثر حرية في الكفاح ضد إسرائيل، وأكثر قدرة في التأثير في المجتمع الإسرائيلي.

في الواقع لا حلّ لهذا المأزق من دون الخروج من إطار اتفاقات أوسلو، ووهم السلطة، إلى أفق التحرّر الوطني، سواء في دولة مستقلة، أو في دولة واحدة ديموقراطية، تضمن الحرية والمساواة والكرامة للجميع، أو أي حل آخر يضمن التحرر الفلسطيني وكسر المشروع الصهيوني، لأن البديل عن ذلك يعني البقاء في ذات المربع، أي بذل التضحيات والبطولات من دون القدرة على تثميرها، ومن دون تغيير علاقة إسرائيل بالفلسطينيين.

ليس هذا مطلباً تعجيزياً، فهو أكثر واقعية من اعتبار «المفاوضات هي الخيار الوحيد»، لا سيما أن إسرائيل كسرت اتفاق أوسلو في وقت مبكّر، مع كلام رابين أن «لا مواعيد مقدسة»، وأن ثمة «مستوطنات سياسية ومستوطنات أمنية»، ومع انتهاء المرحلة الانتقالية (1999)، ورفض إسرائيل وقف الاستيطان، وانسحابها الأحادي من غزة، ومحاصرتها (2005)، فإنها قوضت عملياً اتفاق أوسلو، منذ زمن، من حكومة نتانياهو الأولى (1996 - 1999) إلى حكومته الحالية، مروراً بباراك وشارون وأولمرت.

وقد يجدر التذكير بما كتبته سابقاً («بخصوص الحرب على غزة»، «الحياة»، 5/8)، بضرورة إدراك الفلسطينيين أنهم وحدهم لا يستطيعون تغيير موازين القوى في صراعهم مع إسرائيل، في المجال العسكري، وأنهم، مع التقدير لتضحياتهم وبطولاتهم، لن يستطيعوا ترجمة ذلك إنجازات، من دون تغيير في المعادلات الدولية والعربية لمصلحتهم. وأن الأجدى لهم موازنة تضحياتهم ومقاومتهم مع ما يمكن تحقيقه، والبناء عليه، في معركتهم الطويلة والمضنية والمعقدة مع إسرائيل، إذ إن ذلك يضمن لهم تعزيز قدراتهم وتنمية مجتمعهم، وهذه مسألة ربما أكثر أهمية من مقاومة قوية مع مجتمع ضعيف ومستنزف ومرهق، ويفتقد المؤسسات وللإجماعات الوطنية.

في السياق ذاته، ما قصّر الفلسطينيون، طوال قرن من الصراع ضد المشروع الصهيوني، في المقاومة وبذل التضحيات، لكن قدرتهم على استثمار ذلك ظلت ضعيفة، بسبب الخلل في موازين القوى، واشتغال النظامين الدولي والإقليمي ضد مساعيهم. فقبل إعلان قيام إسرائيل قامت ثورة 1936 - 1939 التي بدأت بأطول إضراب عرفه التاريخ (ستة أشهر)، ثم استمرت بالمقاومة المسلحة. وقتها زجّ الفلسطينيون بكل قواهم، من دون حساب في المعركة، في ظروف غير مواتية، وكان أن قامت حكومة الانتداب بتجريد حملة شعواء ضدهم، نجم عنها مصرع وجرح واعتقال 77 ألفاً منهم، وهو عدد كبير لشعب يزيد عن مليون نسمة بقليل. النتيجة كانت تحطيم الأطر السياسية للمجتمع الفلسطيني، وقتل أو اعتقال أو ملاحقة قياداته، ومصادرة أكثر من تسعة آلاف بندقية ومسدس (مذكرات محمد عزة دروزة، والموسوعة الفلسطينية ج 2). هكذا، عندما أزفت ساعة الحقيقة، أي لحظة إعلان إسرائيل (1948)، كان الشعب الفلسطيني في غاية الإنهاك، ومن دون قيادة، ما سهل على الصهيونية إقامة دولتها، وتشريد معظم الفلسطينيين.

طبعاً، لم تقتصر القصة على عدم مساندة النظام العربي مقاومة الفلسطينيين، وفق جملة «ماكو أوامر»، إذ شمل ذلك عدم تمكينهم من إقامة كيان سياسي لهم في أراضيهم التي لم تحتلها إسرائيل، وتقويض مؤسساتهم السياسية، وضمنهما «حكومة عموم فلسطين»، ولنتصور لو أن النظام العربي سهّل ذلك، كم كان وفّر على الفلسطينيين من عذابات.

حدث ذلك في تجربتنا المعاصرة، ففي الانتفاضة الثانية (2000 - 2004) كبّد الفلسطينيون إسرائيل خسائر فادحة (بشرية واقتصادية)، أكثر من أي حرب أخرى (باستثناء 1973)، مع مصرع ألف إسرائيلي، (452 عام 2002 وحده)، بواسطة عمليات تفجيرية، أو «صواريخ» بشرية كان أثرها المعنوي والحقيقي أكثر بكثير من الصواريخ التي سقطت على إسرائيل في حرب غزة أخيراً. في تلك الانتفاضة أيضاً تصرّف الفلسطينيون بعقلية الحرب بالضربة القاضية، عكس ما حصل في الانتفاضة الشعبية الأولى، وليس بعقلية الاستنزاف أو الحرب الطويلة الأمد، إذ زجّوا بكل قواهم في المعركة، والنتيجة تجريد إسرائيل حملتين كبيرتين (2002 - 2003) أدتا إلى إجهاض المقاومة في الضفة وغزة، والوصول إلى معادلة «هدوء مقابل هدوء»، وما زلنا عندها.

القصد أن القصة لا تتوقف عند التسلّح وإعداد المقاتلين فقط، وإنه ينبغي، مع استمرار المقاومة بكل أشكالها، إدراك تعقيدات الصراع مع إسرائيل، وإطارها العام الحاكم، وقراءة الحاضر بدلالة الماضي، وتبعاً لذلك، اختيار الأشكال الأنجع للمقاومة التي يمكن استثمارها، مع التشديد على أن بناء المجتمع، ومراكمة قواه، وتطوير مؤسساته، هي بحد ذاتها جزء من المقاومة، وليست أمراً تفصيلياً أو ثانوياً أو بسيطاً على ما يعتقد البعض.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان