رئيس التحرير: عادل صبري 11:04 مساءً | السبت 15 ديسمبر 2018 م | 06 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

كارنيجي: رجل الولاذ

كارنيجي: رجل الولاذ

مقالات مختارة

علي بن طلال الجهني

كارنيجي: رجل الولاذ

علي بن طلال الجهني 19 أغسطس 2014 12:39

والمقصود بـ«الفولاذ» الحديد الذي أضيفت إليه نسبة من الكربون فتحول إلى حديد صلب. وهناك حديد آخر، انتشر استخدامه بعد صناعة الفولاذ، وهو الحديد المغطى أو المغموس في محلول آخر كالزنك لحمايته من الصدأ. والذي حول الفولاذ من مجرد اكتشاف علمي على يد حداد بريطاني، هو مهاجر أسكتلندي يدعى أندرو كارنغي Andrew Carnegie، هاجر مع والديه قبل أن يتم الـ12 عاماً من أسكتلندا إلى مدينة صناعة الحديد، وهي مدينة بتسبرغ في ولاية بنسلفانيا.

بدأ الصغير أندرو العمل في إحدى شركات سكك الحديد بمبلغ 1.2 دولار في الأسبوع في عام 1848. وسرعان ما لفت نظر مديري الشركة. وتدريجياً ترقى أندرو حتى صار مديراً عاماً لشركة قطارات مهمة قبل أن يتجاوز الـ24 من العمر.

وبعد وفاة مؤسسها وقدوته أصبح أندرو رئيس مجلس إدارة الشركة ورئيسها التنفيذي.

وكانت الشركة التي صار كارنغي ربانها من أهم شركات صناعة الحديد. وأهم استخدامات الحديد حينئذٍ هو بناء سكك الحديد وأنابيب نقل مشتقات النفط. ولكن تصاعد أرباح شركة سكك الحديد وتكاثرها، أدى إلى أول كساد في الولايات المتحدة الأميركية عام 1873، خلال وجودها الذي لم يكن قد تجاوز القرن حينذاك.

وفي عام 1874 أراد كارنغي بناء جسر للعبور من شرق ساحل نهر المسيسبي إلى غربه، والعكس صحيح. ونهر المسيسبي نهر عظيم ينبع من بحيرات كبرى في أقصى شمال أميركا ويصب في أقصى جنوبها في ساحل ولاية ألاباما. وهو ممر الشحن الأهم من أقصى شمال ووسط أميركا إلى أقصى جنوبها. نهر عريض عميق، يبلغ طوله 3766 ميلاً. ولا بد لجسر يمكن من عبوره أن يكون بطول ميل على الأقل وتمر فوقه القطارات المحملة ومن دون إعاقة مرور البواخر، ولا بد من بنائه من الفولاذ لأن الحديد المعتاد لا يضمن سلامة الجسر ومنعه من الانهيار، فاختار الفولاذ، ولكن الفولاذ مكلف، فسافر إلى بريطانيا بحثاً عن طريقة أرخص لصناعة الحديد الصلب الذي اكتشف طريقة صناعته حداد بريطاني، وبعد عودة كارنغي إلى مدينة بتسبرغ متدرعاً بطريقة صناعة الفولاذ الجديدة، تلاشت فترة تصنيع عمود من الفولاذ من أسبوعين إلى ربع ساعة.

وللمرة الأولى يتم بناء جسر من الصلب يتحمل مرور القطارات من فوقه ومرتفع بما يكفي لمرور بوارج الركاب تحته. وهذا الجسر من أجمل الجسور الأميركية ولا يزال أهم معلم سياحي في مدينة سانت لويس.

غير أن كارنغي كاد يواجه الإفلاس بسبب تكاليف تصنيع الفولاذ العالية في ذلك الوقت فبحث عن ممولين، وحصل على مليون دولار، وبعد أربعة أعوام تم بناء الجسر فتصاعد الطلب من كل الجهات لمزيد من الفولاذ للحلول محل الخشب في الجسور، فبنى أكبر مصنع للفولاذ في مدينة بتسبرغ في ولاية بنسلفانيا، ولكن سكك الحديد انهارت بسبب كساد 1873.

وسكك الحديد أهم شرايين البنية التحتية في أميركا، غير أن كارنغي عرف أن هناك طريقة أخرى لبناء المدن الممتلئة بالعاطلين باستخدام الفولاذ.

وكساد 1873 لم ينته إلا في عام 1878. ورأى كارنغي بأم عينه مئات آلاف العاطلين من العمل في مدن أميركا الكبرى. وأقنع المطورين العقاريين بأنه يمكن توظيف مئات آلاف العاطلين في البناء من نوع جديد باستخدام الفولاذ والحديد «المقلفن» الذي يصنعه كارنغي.

وفعلاً تم بناء أول ناطحة سحاب في مدينة شيكاغو في عام 1888. وخلال 10 أعوام تم بناء 100 ألف ناطحة سحاب في شيكاغو وحدها.

وأجمع المؤرخون الاقتصاديون أن المهاجر الأسكتلندي هو الذي بنى أميركا إلى الأعلى أو بتوفير الضروري من الفولاذ والحديد «المقلفن» لتشييد ناطحات السحاب في أميركا أولاً، وأخيراً في العالم أجمع.

وفي عام 1901 باع شركته التي بنت الجسر الأول فوق نهر المسيسبي والتي كانت منتجاتها من الفولاذ والحديد «المقلفن» مادة بناء ناطحات السحاب إلى المصرفي الشهير «جاي بي مورغن»، الذي سيأتي شيء عن دوره في مقالة قادمة بحول الله وقوته، بمبلغ 480 مليون دولار. وهذا المبلغ يساوي في وقتنا الحاضر نحو 400 بليون دولار. فأصبح بعد بيع شركته أغنى رجل في العالم.

غير أن كارنغي تخلى عن 90 في المئة من ثروته كأوقاف لأعمال خيرية. ففي عام 1902 أنشأ «معهد كارنغي للتقنية» وهو كلية الهندسة في جامعة «كارنغي ملون» Carnegie Mellon University في مدينة بتسبرغ. وبدأت هذه الجامعة كمعهد فني أنشأه كارنغي عام 1868. ومنذ عام 1965 صار هذا المعهد نواة كلية الهندسة في جامعة «كارنغي ملون». واليوم تعتبر كلية الهندسة في هذه الجامعة من أرقى كليات الهندسة في أميركا، بل وفي العالم في بعض التخصصات الهندسية.

وفي عام 1905 تبرع بـ10 ملايين دولار أو نحو 100 بليون الآن، وهو مبلغ كبير في أوائل القرن الماضي كوقف يمول معاشات نقابة المعلمين.

وفي عام 1910 أقام مركز كارنغي للسلام الدولي. وأكبر تبرعاته كان إقامة وقف بمبلغ 125 مليون دولار (نحو 280 بليوناً اليوم)، في عام 1911 لتمويل البحوث العلمية في مجالات الهندسة والعلوم الطبيعية تستفيد منه جميع الجامعات والمعاهد المؤهلة.

وفي عام 1919 توفي أندرو كارنغي بعد أن تجاوز 83 عاماً بأشهر قليلة في مزرعته غرب ولاية ماساتشوستس.


نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان