رئيس التحرير: عادل صبري 09:20 مساءً | الجمعة 17 أغسطس 2018 م | 05 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

عن «العربي الجديد» المغترب

عن «العربي الجديد» المغترب

مقالات مختارة

ناصر الرباط

عن «العربي الجديد» المغترب

ناصر الرباط 19 أغسطس 2014 12:24

العرب اليوم عربان: عرب الداخل وعرب المهجر. وهناك أيضاً أولئك الذين يمكن أن نطلق عليهم اسم عرب ما - بين بين: مهجري الداخل كما هي حال الفلسطينيين منذ 1948، وكما تبدو الحال اليوم في الكثير من الدول العربية شبه الفاشلة من العراق المستباح إلى سورية الذبيحة فليبيا والسودان وجنوب السودان والصومال التي تصدر مواطنيها غصباً إلى بؤس الهجرة،

أو حال بعض الأقليات غير العربية أو غير المسلمة المضطهدة في الكثير من البلاد العربية التي ما زالت تصر على محو هوية الآخر بحجة القومية الواحدة والمصير المشترك وتدفع أقلياتها إلى ترك وطن الأجداد والتفتيش عن بلد أرحم يؤويها، أو ما هو أشنع بكثير من الفكر «الداعشي» الذي يبدو وكأنه هبط علينا فجأة (مع أن جذوره ضاربة في عمق الإسلام السياسي الذي ما فتئ ينمو منذ العشرينات)، والذي لا يكتفي بمحو هوية الآخر، بل يبدو أنه قرر محو الآخر جسدياً وتاريخياً وتراثياً.

عرب الداخل قاهرون، وهم أقلية متعجرفة، ومقهورون، وهم سواد الناس بعميمهم. وهم أيضاً مستبدون ومستبد بهم، إلا القليل من المناضلين الصلبين الذين يرفضون الانخراط في أي من الدورين، والذين يقاومون الاستبداد ويدفعون ثمناً باهظاً لنضالهم. والبعض غيرهم ممن هم أقل صلابة وإن لم يكونوا أقل التزاماً بمناهضة الاستبداد الذين ينتقدون بمواربة في أحاديثهم ونكاتهم ومواقع إنترنيتهم وكتابتهم أو فنهم أو فكرهم أو حتى في طقوس حياتهم العادية، ثم ينتظرون وجلين من اكتشاف تجاوزاتهم المتحررة التي لم ينتبه إليها حماة النسق المعرفي السائد والنظام السياسي الفاجر بعد، ويدارونها بكل الوسائل الممكنة. وغيرهم الكثيرون ممن ملوا انتظار التغيير فهاجروا إلى بلاد الله الواسعة حيث ربما أتيحت لهم فرصة الاكتفاء المادي أو الاستراحة من هاجس الأمن أو ممارسة حريتهم بالتعبير وبالاعتقاد والاحتجاج والنقد. وبعضهم نجح في حياته الجديدة في المهجر وحقق ما ابتغاه من هجرته، وبعضهم ما زال يحاول ويجاهد.

تختلف الآراء بالنسبة للاغتراب العربي المعاصر، خصوصاً في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. فمغتربو اليوم برأي البعض إما ساذجون أو خياليون أو لا منتمون، وهم أحياناً مشكوك بوطنيتهم وانتمائهم، بخاصة أولئك منهم الذين تركوا أوطانهم وقت المحن. ومما زاد الطين بلة أخيراً شكوك سلطات بلاد مهجرهم بإخلاصهم لموطنهم الجديد بعد أن أصبحت هوياتهم العربية أو الإسلامية تهمة مريبة. وهم على هذا لا يختلفون كثيراً عن غيرهم من مهاجري الأمم الفقيرة والمقموعة التي أفرزت مشاكلها هجرة، أحياناً تعسفية وأحياناً اختيارية، للكثير من مواطنيها الذين وجدوا أنفسهم يعيشون خارج أوطان ولادتهم ونشأتهم، وإن كان الكثيرون منهم يحملون في قلوبهم محبة وطن النشأة ذاك والانغماس، بل التماهي معه في أفراحه وأتراحه، على رغم بعد المسافة واختلاف المنظور وتوسع الانتماء وأحياناً تغيره. أو على الأقل هذا ما تشعر به غالبيتهم وتصرح به.

ونحن إذا نظرنا إلى قرارات واختيارات المغتربين العرب من وجهة نظر إنسان عربي مقيم اليوم يشاهد تدهور مجتمعه والتغيرات الهائلة، العنيفة والسلبية في أغلب الأحوال التي تفجرت في عالم كبر فيه وتعوّد عليه وأمل باستمراره كما عرفه من دون هزات اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو حتى تكنولوجية كبيرة، والذي خُيب أمله بكل القيم التي تربى وكبر عليها، فإن نقمته على أولئك الذين قرروا التخلي عن هذا المحيط والهجرة، مادياً وجسدياً وثقافياً، إلى محيط آخر ارتأوا أنه أفضل لهم، مفهومة بل وحتى متوقعة.

لكن، إذا نظرنا إلى وجهة النظر الأخرى، أي وجهة نظر المغتربين، رأينا أشخاصاً مختلفين، مرتبكين في عالم جديد، مريح مادياً وسياسياً وإنسانياً لكنه متعب نفسياً وعقائدياً وثقافياً ولغوياً وأحياناً اجتماعياً. فهم يعيشون جسماً وفعلاً «هنا» في المهجر وتفكيراً وعواطف «هناك» في الوطن. في المهجر، يمكنهم المشاركة في نشاطات كثيرة تبقيهم قريبين من هذه «الهناك»: حفلات ومحاضرات وجمعيات وسهرات وجمع تبرعات لقضايا الوطن الأم وآلامه. ومنهم من يذهب إلى أبعد من هذا لكي يعود موقتاً إلى الوطن للنضال في قضاياه أو مواساة ضحاياها. ومنهم أيضاً من ينشغل بالعالم الجديد ومحاولة ولوجـه بأي طريقة ممكنة. وكثرٌ منهم يحاولون التوفيق بين الاتجاهين.

هذه هي الاحتمالات المتاحة في شكل عام للمغتربين، ولكن عواطفهم على العموم واحدة. وهي على أشدها في سني الغربة الأولى عندما تكون الذكرى على أحدّها وعندما يكون شظف العيش في المحيط الجديد على أقواه. لكن، إذا تمعنا قليلاً في حالة أولئك الذين قرروا البقاء في المهجر، وهم كما نعلم كثر وعلى ازدياد دائم على رغم العراقيل الجديدة في وجه العرب، علينا أن نقبل قرارهم بالمكوث في المغترب في شكل دائم واتخاذه وطناً جديداً على أنه قرار واقعي، لأن الحياة في المهجر أفضل للفرد وللعائلة، خصوصاً بالنسبة إلى مئات الألوف من العرب الذين هجّرتهم صراعات بلادهم أو أمراضها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المزمنة. وكل من يرفض هذه الملاحظة البسيطة هو بكل أسف إما واهم أو مكابر. ولا يمكننا أن ننتظر من كل الناس أن يكونوا أبطالاً بالمعنى الإغريقي التراجيدي للكلمة، أي أن يضحوا بحياتهم في سبيل مثل أعلى أو مفاهيم نبيلة، بخاصة عندما تذهب التضحية هباءً حين يكون الوطن مضطهداً، مخنوقاً، ممزقاً ومتخلفاً.

من منظور آخر، يبدو المشهد العربي في أوروبا والولايات المتحدة اليوم غنياً باتجاهاته الديناميكية التي تحاول الاستجابة لضغوط الهجرة والتمييز من جهة والانتماء والحنين من جهة أخرى. وتبرز هذه الخواص في ما يبدعه كثرٌ من الفنانين والكتاب والمفكرين العرب المهاجرين والمقيمين والمنتجين في أوروبا والولايات المتحدة، حيث تبرز هموم الوطن الأم وهموم التحرر في أعمالهم في آن واحد. يرافق هذا الزخم الثقافي العربي في بلاد المهجر، حيث تتوافر حرية نسبية، وجود سياسي وتنظيمي لمذاهب دينية وحركات صوفية وكنائس شرقية وحركات فكرية وسياسية نابعة من العالم العربي ومضطهدة فيه ولكنها مهمومة بهمومه. وكذلك الحال بالنسبة إلى دعاة حقوق الإنسان العرب والسياسيين المبعدين والمعارضين والناشطين الدينيين والعلمانيين وحتى العسكريين المطرودين والمغامرين العرب الذين سمحت لهم الأوضاع بالتعبير عن أنفسهم في أوروبا والولايات المتحدة. كل هذه الإرهاصات زاخرة باحتمالات التغيير التي لم تجد لنفسها متنفساً في منبتها فهاجرت بحثاً عن النور والهواء، ولكنها ما زالت مسكونة بآلام الوطن الأم وآماله. وهي أيضاً، وهذا هو الأهم، تتطور بسرعة لتشكل رديفاً قوياً لثقافة الوطن الأم المهيضة والمهددة أكثر من أي وقت سبق من جانب قوى الاضطهاد السياسي والتطرف الديني والعطالة الاجتماعية المستفحلة. هنا ربما يكمن الأمل بنهوض ثقافة عربية معاصرة تساير العالم وتتفاعل معه بعد أن خلّفت الديكتاتوريات المزمنة والهزائم المتتالية والتطرف الأعمى الذي لا يعرف معنى المعاصرة في ثقافات العرب جراحات عميقة سيكون من الصعب التئامها قريباً.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان