رئيس التحرير: عادل صبري 02:09 مساءً | الأربعاء 17 أكتوبر 2018 م | 06 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

تطوير قناة السويس «مشروع نهضة» بلا جناحين

تطوير قناة السويس «مشروع نهضة» بلا جناحين

مقالات مختارة

موقع حفر قناة السويس

تطوير قناة السويس «مشروع نهضة» بلا جناحين

القاهرة - أمينة خيري 19 أغسطس 2014 12:00

بعد الوخز بالإبر والمداواة بالصدمة والعلاج بالأعشاب، يخضع المصريون حالياً لترياق القناة، حيث كثير من الحفر وقليل من المعلومات وكل الأمل والرجاء. فبعدما وخزت الثورة مواطن الألم ومكامن الأنين في حاجات العيش ومطالب الحرية وضرورات العدالة الاجتماعية، ثم باغتتهم بصدمات واقع الحال بجماعات الإسلام السياسي المنتظرة والحلفاء في الداخل والخارج للانقضاض على مآربها ومجموعات السلطة القديمة والفلول العتيدة المترقبة لإعادة السيطرة على البلاد والعباد، لزمت التدخلات العلاجية وحان موعد المهدئات والمسكنات وإن لزم الأمر المخدرات.

تخدير مواطن الأمل منصوص عليه في كتب الطب ومراجع الصيدلة وتواريخ الأمم وحاضرهم، فمن «الصفقة الجديدة» التي كانت أداة الرئيس الأميركي الـ32 فرانكلين روزفلت لضخ الآمال الاقتصادية العريضة بين قطاعات الأميركيين الخارجين لتوهم من «الكساد الكبير» والغارقين في مستنقع البطالة وتدني الأخلاق، إلى الأمل الذي حقق النصر الكبير في الحرب العالمية الثانية على يد رئيس الوزراء البريطاني الأسطورة ونستون تشرشل صاحب أكبر رصيد من مفجرات الأمل الوطني ومثبطات الإحباط الشعبي إلى «قناة السويس الجديدة» التي تبذل قصارى الجهد لتدفع بالمصريين قدماً وإن كانت الطرق وعرة والتفاصيل ضبابية.

ضبابية طريق كورنيش النيل بفعل شبورة الصباح المشبعة بعوادم المساء لم تمنع ركاب الباص من التباحث والتشاور في ما هو أعتى ضبابية ولكن أعمق بريقاً وأشد إثارة. المتقاعدون منهم استحضروا أجواء حفر السد العالي والشحذ الوطني والتحميس الشعبي بما في ذلك المؤثرات الصوتية بغناء أجش وكورال غليظ يتغنى «قلنا هنبني وآدي إحنا بنينا السد العالي» مع تركيز حاد وتحفيز باد على جزئية «من أموالنا بإيد عمالنا». والمثقفون اقترضوا من وحي حرارة آب (أغسطس) ما سرده صنع الله إبراهيم في «نجمة أغسطس» عن إنسان السد وعزيمة المشروع. أما المتعطلون عن العمل وأقرانهم من رواد العمل الهامشي وركائز الاقتصاد غير الرسمي فقد سألوا وتقصوا وتباحثوا وتناقشوا حول شهادات استثمار القناة وحلم الثراء السريع ورجاء المجهود القليل.

لكن للرجاء وجوهاً عدة وأشكالاً كثيرة، فهناك من يتمسك بتلابيب القناة الجديدة ويستشهد بالصور الكثيرة والأفلام الوثائقية العديدة والزيارات الميدانية الغفيرة لطرد التشككات ومغالبة الترتيبات. فعلى رغم تقلص المعلومات وانكماش التفصيلات، الدقيق منها والعريض، يبقى كثيرون قابضين على جمرة الأمل. يسألون عن فرص العمل، ويستفسرون عن مأذونيات تعاقدات المقاولات الصغيرة ومتناهية الصغر، وينتظرون الإعلان عن تفاصيل التحالفات الاقتصادية والمناقصات الهندسية والسندات التمويلية.

ويبقى التمويل قابلاً للاجتهاد وحمّالاً للأوجه، فالوجه المالي يظل حكراً ووقفاً على مؤسسات كبرى ومصارف عظمى وجهات «سيادية». وكذلك الوجه السياسي، فهو قابل لتفسيرات عالمية ذات تربصات دولية، أو لترقبات إقليمية ذات أطماع إسلامية سياسية، أو لتمنيات وطنية ذات آمال إنقاذية، إن لم يكن من كارثة البطالة وأزمة الاقتصاد، فمن كارثة الكآبة وأزمة الإحباط.

إحباط الأعوام الثلاثة الماضية، ومن قبلها العقود الثلاثة السابقة، تتبدى ملامح فتيله المنزوع وتوابع أثره المكتوم على معالم الوجوه وفي مساوئ الأخلاق وبين خيوط المناقشات. بعضهم متخوف من أن تدفعه قناة السويس الجديدة إلى أن يشطح بأحلامه أو يصدح بآماله مجدداً ثم يعاود السقوط مدوياً. آخرون متشوقون لمتابعة الأخبار ومراقبة الأنباء من إعلان للتحالفات وإشهار للتعاقدات وإثبات لصدق النيات ليسمحوا لأنفسهم بالحلم والرجاء. آخرون ملتزمون بالترقب، إما مشوباً بالأمل والتعضيد السياسي والروح الوطنية أو متخماً بالحقد والتكفير الديني والروح العدائية. المواقف العدائية تجاه مشروع قناة السويس الجديدة لا ترتكز على رؤى هندسية مغايرة، أو أولويات اقتصادية مراوحة، أو حتى معارضات سياسية واضحة، بل تعتمد على شرعية سياسية ضائعة، وأولوية دينية مراوغة، ومعارضات خلافية واضحة تتعلق بشؤون «الخلافة الإسلامية» الزائغة.

وبينما يعلن رئيس الوزراء إبراهيم محلب المخطط العام لمشروع قناة السويس الجديدة اليوم، يهفو قلب بعضهم طرباً لا يخلو من خوف، أو شوقاً لا يخلو من توجس سيما وأن «ضربتين في الرأس موجعتان» فما بالك بأربع وخمس وعشر؟ كما يرتجف قلب آخرين أملاً في أن يكون المشروع وهماً، والتحالف ستاراً، والقناة «كفتة». أصحاب القلبين يقفان اليوم على طرفي نقيض لا يجمع بينهما سوى الأمل، الأمل في أن تكون القناة مشروعاً وطنياً حقيقياً أشبه بـ «صفقة روزفلت الجديدة» أو نصر تشرشل الحربي، أو الأمل في أن تكون القناة مشروعاً وهمياً بوهيمياً أشبه بـ «طائر النهضة» أو برنامج المئة يوم أو وعد الخير لمصر.

خير مصر الذي يلوح في الأفق هذه المرة محملاً برمال الحفر ومياه البحر وقوافل السفن قوامه ليس اقتصاداً ومالاً وقوة فقط، بل انشراحاً وابتهاجاً وانتشالاً من سنوات الإحباط والانكسار والاكتئاب، وذلك في حال تحول من خبر في نشرة الأخبار وصورة في الصحيفة وبيان في مجلس الوزراء إلى إعلان في «مطلوب للعمل» وسفينة في القناة الجديدة ومشروع نهضة من دون جناحين ومؤخرة.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان