رئيس التحرير: عادل صبري 07:13 صباحاً | الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 م | 12 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

حقا أنت أكثر إنسان محترم في مصر

حقا أنت أكثر إنسان محترم في مصر

مقالات مختارة

مدحت ماهر الليثي

حقا أنت أكثر إنسان محترم في مصر

مدحت ماهر الليثي 18 أغسطس 2014 15:51

عند موقف سيارات أكتوبر في عبد المنعم رياض يذهب ليستقل سيارة أجرة إلى بيته.. السائق ينادي والسيارة لا تزال بها أماكن شاغرة.. يراه: اتفضل يا دكتور.. قدامك كتير يا أسطى؟ لا أنا طالع علطول لاجل خطرك يا محترم، ربنا يحميك.. يمشي في وسط البلد هونا، يشير إليه أحد المصريين البسطاء: ربنا يكرمك يا دكتور.. والله انت أرجل واحد في البلد دي، وربنا هاينصرك.. كلنا معاك يا محترم. على سلالم إحدى الهيئات تلقاه سيدة أربعينية فتنبادره: اسمحلي أحييك رغم اختلافي معاك شوية.. بس حقيقي أنت إنسان محترم بجد.. ثم آخر يعرف نفسه بالمحامي فلان: مختلف معاك بس باحترمك.. (العفو يا فندم العفو.. ربنا يكرمك.. هكذا يرد في كل مرة).. أمام مقهى في أول شارع القصر العيني أمام المستشفى يقف شخصان كأنهما صاحبا المقهى، يقول أحدهما للآخر: شايف الراجل ده.. دا أعظم راجل في البلد دي.. ربنا يحميك يا أستاذنا.. جزمتك فوق راس كل واحد مننا .. يا بطل يا محترم بجد.. (يا أخي العفو ربنا يكرمك ربنا يعزك..هكذا يرد)..

 

عمو عمو ممكن أتصور معك؟ طبعا يا بنتي.. هكذا مع إحدى الفتيات عند أحد النوادي.. في النادي ذاته.. رجل يأتيه على مضض فيما يبدو: ابنتي عايزة تتصور معاك لو سمحت.. لم يسلم عليه، واضح أنه مختلف معه وليس ممن يشجعونه، لكن ابنته الصغيرة تعرفه.. ورحب بالصورة مع الفتاة ووالدها.. أخيرا في يوم قريب يمر بسيارته المتواضعة أمام مقر حزب الوفد بالدقي، فيسمع من ينادي باسمه.. يا دكتور.. ثلاثة خارجون من حزب الوفد: ازيك يا دكتور.. احنا وفديين بس مع الشرعية.. وربنا ينصرك.. انت بجد إنسان محترم..

 

من هو هذا الرجل المحترم في كل هذه المواقف وأشباهها وفي زمن عز فيه الاحترام العام؟ ولماذا هذه المواقف الشعبية الطبيعية التلقائية المتكررة؟.. ولماذا كلها في الشارع فيما بين الناس؟ لماذا لم نذكر موقف النخب منه رغم أنه من صفوتهم؟ ولماذا لا تكرمه الدولة كما تكرم غيره من الذين لا يعرفهم "الناس"؟ هل هو ممثل سينمائي أو مطرب غنائي أو لاعب رياضي أو نجم إعلامي أو شيخ فضائي أو وزير أو محافظ أو رجل أعمال أو... ؟ بالطبع لا.. فكل هؤلاء لا يقال لهم مثل هذا الكلام.

 

إنه أستاذ جامعي أكاديمي وفي تخصص دقيق وعميق؛ إنه (أستاذ النظرية السياسية والفكر السياسي بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية- امعة القاهرة)، وقليلا ما نجد لأمثال هؤلاء حضورا بين الناس.. إنه ليس من الأثرياء ولا النجوم الذين تصنعهم آلة الدعاية البراقة، وليس من الوجوه التي تفرض على عقول الناس فرضا من خلال الإعلام والدراما والأضواء اللامعة..

 

إنه الأستاذ الدكتور سيف الدين عبد الفتاح..

الرجل الذي كان قبل ثورة يناير يعمل في الظل العلمي والفكري عملا جليلا من أعمال البناء الكبرى، يعمل مع زملاء نجباء مخصوصين (على رأسهم رفيقة دربه العلمي: د.نادية محمود مصطفى) على تجديد الفكر السياسي الإسلامي؛ منهجا علميا في قلب العلوم السياسية الحديثة؛ يراجعون التراث والتاريخ، وقبلهما الوحي المطلق، ويطالعون بعمق ما وصلت إليه البشرية من نظريات وتجارب في العلاقات الدولية والنظم السياسية والقيم والمفاهيم السياسية.. لكي يوفروا لأجيال الدارسين في مصر والأمة والعالم طريقا آخر في النظر والبحث والعمل السياسي... هكذا كان يعمل بجد واجتهاد وينتج ويكتب الدراسات ويؤلف الكتب وينظم المؤتمرات ويشارك في الحوارات المختلفة.. وكان في هذا الإطار نجما متميزا لكن لا يعرفه أكثر الناس..

قبل ثورة يناير بأيام قررت الدولة المصرية أن تمنحه جائزتها التشجيعية على مجموعة من دراساته ودوره في تطوير علم السياسة.. واستضافته بعض القنوات الفضائية وبعض البرامج المتابعة، بدا فيها ناقدا للواقع السياسي والفكري والثقافي بشكل كبير من باب العلم:

http://www.youtube.com/watch?v=arpFniFX2LQ

وحين انفجرت ثورة يناير وتابعتها بمهنية واستقلالية عالية قناة الجزيرة، كان صوت سيف عبد الفتاح هو الأعلى في مؤازرة الثورة وتعريف تظاهراتها باسم (الصورة)، ومبكرا جدا طالب برحيل النظام المستبد ورأسه، والاستجابة لصوت الشباب ومطالب الشعب، وراهن مبكرا على نجاح الثورة، حتى أصبح من أبرز المعبرين عن روح ثورة يناير وخطابها وعقلها.

 

ينتمي د.سيف عبد الفتاح للمشروع الحضاري الإسلامي، ويقود فيه –مع د.نادية مصطفى- الرافد العلمي في ميدان السياسة، لكن المنظور الحضاري الذي يتبناه جعله منفتحا على الجميع، يعتنق فكرة (الجماعة الوطنية) ضمن مدرسة المستشار طارق البشري، وفكرة الحضارة على طريقة مالك بن نبي امتدادا لمدرسة ابن خلدون، وينتسب بشكل مباشر إلى كل من د.حاد ربيع ود.منى أبو الفضل الأستاذين الكبيرين والرائدين في العلوم السياسية من منظور حضاري إسلامي.. كتب إبان أزمة الخليج الأولى والهجوم الدولي بقيادة أمريكية على العراق 1991عن (عقلية الوهن)، وكتب في عهد مبارك عن (الزحف غير المقدس: تأميم الدولة للدين).. كتب عن (مدخل القيم في دراسة العلاقات الدولية)، وعن المدخل المقاصدي في المجتمع والسياسة، وفي (بناء المفاهيم)، وفي إعادة تعريف (السياسة والسياسي)، وغير ذلك من الدراسات التي تلاحظ فيها جهدا واجتهادا وتجديدا يستحق المطالعة والمتابعة والمراجعة...

 

لكن هذا الانتماء وذلك المسلك لم يجعل من سيف عبد الفتاح حركيا سياسيا يؤازر فصيلا معينا في مصر دون غيره، بقدر ما مكنه من الالتقاء والاتصال بالجميع، والانفتاح على الجميع، والتشارك مع الجميع في الشان الوطن.. من أكثر كلماته التي تتردد على لسانه: الجامعية.. الوطن الجامع .. الأمة الجامعة.. الجماعة الوطنية والسياسية، .. مما جعله مجمعا لكثير من قوى وروافد وفصائل ثورة يناير.. عنده يلتقي الفرقاء وعليه يجمع المختلفون.. من القوى الشبابية والقوى السياسية الغسلامية والليبرالية واليسارية.. يتسم بأدب جم يحيط به آراءه ومواقفه السياسية..

 

يؤيد موقف طرف من جهة بقوة ليعود وينتقده بقوة أيضا من جهة أخرى، وربما انتقد مواقف القوى السياسية كافة من زوايا مختلفة لكن متكاملة، يتحيز في كل ذلك لجملة من المبادئ والقيم الواضحة التي تقع في مستوى الأساس للعمل السياسي، والذي يرى د.سيف أننا لا نفعلها اولا نحسن تفعيلها.. إما أن نتجاوزها ونتوجه مباشرة لمواضع الخلاف فنتخاصم، أو ندخل إليها مداخل هدم وصراع فنتخاصم أيضا..

 

يطرح الكثير من قواعد اللعبة وقواعد الجامعية وقواعد الفاعلية كما يقول، التي (يجب) العمل بها.. ويقدم كثيرا من مفاتيح الأبواب المغلقة، وحلولا مبدعة لمشكلات المشهد المصري منذ الثورة ثم الثورة المضادة ثم الانقلاب وإلى اليوم..

 

توافق مع الرئيس محمد مرسي، واختلف معه، واحتفظ معه ومع كثير من معارضيه بعلاقات محترمة متوازنة.. عارض الإعلان الدستوري في بعض تفاصيله وفي طريقة طرحه.. وعارض أيضا معارضي الإعلان الدستوري في طريقتهم المناكفة الكيدية.. وتحدث عن جماعة ضيقة الأفق، ونخبة محنطة، ومعارضة منحطة، وشباب لا تمكين له، وإعلام يبث الكراهية، وقضاء أبى إلا أن يتسيس ويقف في معسكر الثورة المضادة.. هاجم الاستبداد والفساد والتبعية أيا كان القائم عليها.. وناصر العيش والحرية والكرامة والعدالة (الاجتماعية والانتقالية والقضائية) وقارب كل من دافع عنها..

 

عندما خرج الناس في 30 يونيو رغم معارضته للمسار برمته، رأى إمكان تسكينها كموجة ثورية لثورة 25 يناير بشرط ألا تتدحرج في حجر العسكر، وقال مقولته الأشهر: (متى يقوم الشباب بثورة سواء ثورة 25 يناير أو 30 يونيو كموجة ثورية دون أن تتدحرج في حجر العسكر)؟ فلما كان 3 يوليو كان من أول من سمى الشيء باسمه وقرع به أسماع الجميع: انقلاب .. انقلاب..

 

يخوض د.سيف عبد الفتاح بقوة ويقين ظاهرين للجميع معركة استرداد ثورة يناير والحفاظ على روحها وقواها ومكتسباتها.. يعلن شديد احترامه لمبدأ (الشرعية)، وأنه مبدأ لا مساومة فيه، ويناصر مناصري الشرعية-المبدأ، ويقدم المبادرات تلو المبادرات لإصلاح ما أفسده الانقلاب ليس آخرها #بيان_القاهرة ، وينتقد بكل صراحة ووضوح الإحراءات القمعية والوحشية والاستبدادية التي قام عليها انقلاب 3 يوليو حتى اليوم.. آزر مقاومة الشعب الفلسطيني واعتبر الاحتلال والانقلاب وجهين لعملة واحدة.. وأن مقاوميهما يجددان روح الأمة وحقها في الحرية والاستقلال في الداخل والخارج..

 

مواقف الرجل التي تنضح بالرجولة واحترام الذات هي ما صنع تلك الصورة البراقة التي يراه عليها الشباب وعامة الناس..

 

حقا إنه لرجل محترم بحق.. بل أكثر إنسان محترم في بر مصر


 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان