رئيس التحرير: عادل صبري 06:20 صباحاً | الخميس 13 ديسمبر 2018 م | 04 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

نتانياهو في براثن غزة

نتانياهو في براثن غزة

محمد خالد الأزعر 16 أغسطس 2014 07:10

في تعاملهم مع الوقائع التاريخية، يكاد كبار القادة الصهاينة الإسرائيليين يشبهون كبار المسنين، لجهة أنهم يتذكرون أحداث الماضي البعيد، فيما يغيب عنهم كثير من مفردات الأحداث الطازجة القريبة العهد، ومع ذلك، نجدهم يفاخرون بأنهم تقدميون وعقلانيون وحداثيون عصريون وأصحاب رؤى مستقبلية ثاقبة.

قبل ربع قرن، تمنى إسحق رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتذاك، أن يصحو ذات يوم فيجد غزة وقد غرقت في البحر. ولسنا هنا بصدد محاججة صاحب هذا الحلم بأثر رجعي ورميه بالسوداوية والدموية، ومحاسبته بتهمة مجافاته لحق الفلسطينيين الغزاويين في الحياة، غير أن ما يجري من عدوان إجرامي على غزة اليوم، يسمح بالاعتقاد بأن بنيامين نتانياهو، أحد ورثة رابين، يضطلع بمحاولة دفن غزة في رمال البر، طالما أن سلفه لم يتمكن من إغراقها في مياه البحر.

والحال أن غزة لم ولن تختفي لا في البر ولا في البحر، فهي بقيت بعد أن اغتيل أستاذ الإرهاب رابين على يد أحد الشبان اليهود الذين تلقوا تربية كهنوتية عنصرية، وهي ستبقى تحت الشمس شوكة في خاصرة إسرائيل، فيما سيغور التلميذ الخائب نتانياهو ضحية حقده وعنجهيته وسوء تقديراته. والأرجح أنه يدير راهناً معركته الأخيرة.

القصد، أنه في المشهد العام للصراع على أرض فلسطين وجوارها، يبدو الإسرائيليون أكثر الأطراف اعتماداً على التاريخ القديم واستدعاء للماضي وتصفيفاً لأحداثه وفقاً لرؤى مغشوشة. ندفع بذلك وفي الخاطر أن النواة الصلبة لمشروعهم الاستيطاني، تتعلق بوقائع وتنبني على حيثيات يزعمون وقوعها قبل آلاف السنين.

لكن اللافت حقاً أن هؤلاء القوم أنفسهم، يعبرون في سلوكياتهم وتصرفاتهم عن غباء مطبق في معالجة بعض الأحداث التاريخية الأقرب إلى ذاكرتهم، والتي ربما عاشوها أو رأوها رأي العين. إنهم يكررون أخطاءهم وسقطاتهم وكأنهم يحيون بلا ذاكرة من الأصل. وما تعامل نتانياهو مع قطاع غزة عن هذا الفهم ببعيد.

في شباط (فبراير) 1955 باغت الإسرائيليون قطاع غزة بهجوم دموي أريد به إحراج نظام ثورة 1952 وابتزازه في مصر، التي كان القطاع يخضع لإدارتها، فإذا بعدوانهم ينتهي إلى نتيجة معاكسة على طول الخط. فقد تخلت قاهرة عبدالناصر عن سياسة كظم الغيظ واللامواجهة مع إسرائيل، وأبرمت صفقة سلاح كبيرة مع المعسكر الاشتراكي، وأنشأت «الكتيبة 141 فدائيون»، التي كانت أول تعبير عن إعادة الاعتبار للعسكرية الفلسطينية لمرحلة ما بعد نكبة 1948. لم يمر على تلك الوقائع سوى عام واحد فقط، حتى أقدمت إسرائيل على احتلال غزة بالكامل في سياق ما عرف بالعدوان الثلاثي على مصر. وبدلاً عن أن تفضي تلك الحملة، وما صاحبها من مذابح أودت بحياة أكثر من ألفي شهيد فلسطيني، إلى القضاء على ما تبقى للفلسطينيين من هوية تاريخية وجغرافية وسياسية كان قطاع غزة يمثلها بانفراد، وذلك بالسعي إلى تدويله وتنحية الإدارة المصرية عنه، أفاق القطاع ولملم جراحه سريعاً، وعاد في بضع سنين إلى صدارة المواجهة، السياسية تحت عباءة منــظمة التــحـــرير الفـــلسطينية، والعسكرية بالاستجابة إلى نداء التجنيد في جيش المنظمة.

وتصح الإشارة هنا إلى أن معظم قادة فصائل المقاومة، التي تشكلت خارج أطر منظمة التحرير ثم انخرطت فيها لاحقاً، قد نشأوا في الرحاب الغزاوية وتشبعوا بروحه الكفاحية الفذة. وغداة احتلالها للمرة الثانية عام 1967، كانت غزة وقطاعها أول المنتفضين ضد هزيمة حزيران، المبادرين إلى النشاط المقاوم لإسرائيل بشقيه المسلح والمدني. وكان الخط البياني لذلك النشاط الذي لم ينقطع للعشرين عاماً التالية، هو الذي أوحى لرابين بحلمه السافل حول زوال غزة بالغرق، وذلك تعبيراً عن غيظه من تفاعلات الانتفاضة الأولى في ذروتها.

من مقارعتها وتحديها وإسقاطها لأحلام كل الزعامات الصهيونية، التي تبوأت رئاسة الوزارة في إسرائيل، اكتسبت غزة التي لا تزيد مساحتها على 2 في المئة من جغرافية فلسطين التاريخية، شرفاً نضالياً رفيعاً.

وإذا كان نتانياهو يعيش بعقل مسطح، يحول دون استخلاص عِبَر سِيَر أسلافه من الرواد وتجاربهم المؤلمة مع غزة، من بن غوريون إلى موشي شاريت إلى ليفي اشكول، إلى غولدا مائير فمناحيم بيغين، إلى إسحق شامير إلى إسحق رابين، فكيف له أن يغفل هذه السِيَر بالنسبة إلى مجايليه ومن هم أقرب إلى أيامه المنكودة، مثل إيهود باراك وأرييل شارون وإيهود أولمرت؟! بل كيف له ولبطانته، لا سيما من العسكريين الأشرار، أن يتجاهلوا خروج غزة وهي أكثر قوة وصلابة وجاهزية للمقاومة، على رغم معاناتها من جولتين عدوانيتين كبيرتين، شنهما عليها أسلافه خلال الأعوام الخمسة الأخيرة فقط؟

قريباً، يكتشف نتانياهو أن الانقضاض على غزة لم يصنع مجداً، لا عسكرياً ولا سياسياً ولا أخلاقياً، لأحد من أسلافه، وأنه ليس بِدعا من هؤلاء الذين أصابتهم لعنة غزة بمقادير متفاوتة.

 

 

* نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان