رئيس التحرير: عادل صبري 04:28 مساءً | الخميس 16 أغسطس 2018 م | 04 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

الشوارع الجانبية .. يا محمد!

الشوارع الجانبية .. يا محمد!

بقلم: عبدالله طاهر 14 أغسطس 2014 12:35

كعادتي كلما تجمع في يدي قدر لا بأس به من المال أسارع بشد الرحال إلى القاهرة العاصمة التي لا تنام، هرباً من ضيق أفق مدينتنا إلى أفق القاهرة الذي هو أقل ضيقاً - ليس إلا - وبحثاً عن لحظات بهجة تائهة هنا أو هناك، فلربما كانت إحداهن ملقاة في أحد شوارعها الجانبية لم يأبه بها أحدهم فيلتقطها، فألتقطها أنا.
لكن الشوارع كما البشر تصاب بالاكتئاب أحيانا!

الأربعاء 14 اغسطس 2013

استيقظت من نومي مبكراً، فأنا أحب صباحات القاهرة ومقاهيها، أنتظر بلهفة طبق الفول الحار "وش القدرة"، أتناوله بشغف، مع قرون الفلفل والبصل الأخضر، ثم تجيئ القهوة "المظبوط" والشاي بالنعناع، ثم أتفرغ للتدخين ومراقبة بدايات الحياة والبشر السائرين.

لكن لم أراقب البدايات هذه اليوم، فقد جائت أخبار الموت مبكراً على غير عادتها.

بدأ التليفزيون يبث صوراً حية لعملية اقتحام وفض ميدان النهضة وإخلائه من المعتصمين، تدور الكاميرا، وحيث دارت حرائق ودمار واناس مكبلين وآخرين يخرجون من شوارع جانبية آمنة وضباط شرطة ومذيعين مبتهجين بالنصر!

لم تستغرق العملية نصف ساعة على الأرجح، وبعدد من القتلى لا يصل إلى المئة، عملية ناجحة بكل المقاييس وبأقل عدد ممكن بالنسبة إلى هكذا اعتصام مخيف، هكذا كنت احدث نفسي - مندهشاً - من عدم حدوث مقاومة عنيفة، من هؤلاء اللذين ظلوا يبثون الرعب عبر منصاتهم على الهواء ويسببون القلق لجيرانهم أياما طويلة..

في كل الأحوال لم يكن هناك ما يبهج، ولم أكن راغباً في مشاهدة المزيد، فتركت المقهى وعدت إلى الشقة، وأنا افكر كيف سينتهي اليوم الذي تكون هذه بدايته؟

المكالمة الأولى..

لم تتأخر الاجابة كثيرا جائت عبر الهاتف، فتتصل أمي تسائلني وهي تبكي: أنت فين؟

- في شقة المعادي.

- أنت قاعد عندك وأبو عبيدة "أحد أقربائنا" مات في رابعة.

لم أدري لماذا هذا الأستنكار، ولا ما يجب علي فعله، فكرت في إجابات كثيرة، لكني فضلت الصمت، وأنهيت المكالمة، لكن الأخبار السيئة وأخبار الموت والشائعات لم تنتهي.

أغلقت هاتفي، ونزعت بطاريته، فلم تعد لدي طاقة ولا قدرة، لن أتحمل صوت رنين الهاتف مرة اخرى، فإن لي أخوين هناك، حيث المعتصمين في ميدان رابعة.
ها أنا قد جئت إليك يا قاهرة هرِباً، والآن أهرب مرة أخرى، لكن منك هذه المرة، ضاقت علي القاهرة بما رحبت.

الخميس 15 اغسطس 2013

المكالمة الثانية..

في اليوم التالي كان أخي الأكبر محمد على الهاتف، يخبرني بأنه قد خرج سالماً من رابعة، لكنه لا يعلم شيئاً عن ابنه الذي كان معه، عندما بدأ الفض، وسألني إن كنت أعرف من يساعده في معرفة شيئ عنه، فوعدته بأن أحاول - وأنا لا أعرف ماذا علي أن أفعل هذة المرة أيضاً.

أنا لا أتذكر آخر مرة رأيتك فيها يا محمد، ولا أين!

الجمعة 16 اغسطس 2013

المكالمة الثالثة

هذه المرة كان صوت شقيقي الأصغر حسن هو من يحمل أخبار الموت، أنا لا أريد أن أتذكر تلك اللحظة، وهو لم يقل لي سوى:

تعالى محمد مات.

مات محمد، إنها المرة الأولى التي يقترب مني الموت بهذه الدرجة، لم يعد كما كنت أظنه دائما شيئا ما يحدث للآخرين وفقط، أدركت تلك الحقيقة وأنا أرتدي ملابسي، وعرفت معنى البكاء المرير.

ذهبت أنا واثنين من اصدقائي - أصرا على الذهاب معي - في آخر قطار مترو أنفاق متجه إلى رمسيس - قبل ميعاد حظر التجوال في السابعة مساءً - عندما وصلنا غمرة استقبلتنا رائحة الغاز المسيل للدموع، مختلطة برائحة الموت، ممتزجة بخوفي وعدم

استيعابي لما أنا فيه، لماذا أنا هنا في وسط هؤلاء الناس؟ وإلى متى تستمر المعركة؟

لم أستطع اللحاق وسط الزحام بأشقائي، كانوا قد حملوا محمد وانصرفوا، يبحثون عن مكان يبيت فيه ليلته.

دائما ما آتي متأخراً يا محمد!

كان الظلام قد حل في نفسي، ومعه حظر التجوال، لم نستطع العودة، أصبحنا محاصرين، وقد كانت المعركة قد هدأت في محيطنا، لكن أصوات الرصاص الآتية من بعيد لم تهدأ ولم تتوقف.

ناس غرباء يحتشدون، وثمة من يدعوهم للثبات.

سلمنا بالبقاء حتى الصباح، لأننا حين فكرنا في الخروج لم نجده آمناً، فكيف سنشرح لمن سيوقفونا ملابسات وقوعنا في الحصار؟ كيف سنثبت لهم أننا ليس لنا علاقة بالمعركة الدائرة؟ والأهم ماذا لو لم يصدقوننا؟

أخذنا في التمشية وأنا وصديقاي، نتلفت حولنا دون أن نرى، حتى استوقفتني صديقة - تعمل بالأساس مصورة صحفية - كان وجود من يتعرف عليك في هذا المكان شيئاً غريب، كانت بصحبتها شقيقتها السمراء جميلة الملامح، الشبيهة في قصة شعرها بنجمات سينما الأبيض والأسود، التي أراها للمرة الأولى، والتي ستجبرني على التحديق في ملامحها مدة ليست بالقصيرة، وهن أيضاً لم يستطعن الخروج مثلنا، أصبحنا الآن خمسة محاصرين، تصافحنا ولم نتبادل الكثير من الكلام، فقط جلسنا على الرصيف متجاورين.

كانت الحياة في الشوارع الجانبية تسير على ما يرام، الأهالي يمارسون حياتهم الطبيعية، والمقاهي ممتلئة - كأن المعركة التي يفصلها عنهم شارع تحدث في بلد آخر - جلسنا نحن الخمسة على إحدى هذه المقاهي، وكان الليل قد انتصفت ليلته، ذهبت إلى أحد الجالسين من أهالي الشوارع الجانبية - حتى لا نكون مثاراً لريبتهم وبحثاً عن شعور مفقود بالأمان - وأخبرته بملابسات تواجدنا وسط المعركة، فطمأننا، وأخبرنا أن الأهالي هنا ليسوا طرفاً في الصراع الدائر، وطالما أننا لا نحمل سلاحاً فإن الأمر لا يعنيهم.

لم يتوقف هاتفي ولا هواتف الأصدقاء عن الرنين، لكن دون أن يحمل أخباراً سيئة هذه المرة، فقط للاطمئنان علينا، أو بحثاً لنا عن مخرج، حتى تواصل معنا "أحمد" الذي كان قد عرف قصتنا عن طريق أصدقاء مشتركين، أو عن طريق الفيس بوك - لا أدري - كانت صديقتنا الصحفية هي حلقة الوصل.

أحمد شاب لم يكن يعرفنا، ولا نعرفه، لكنه من سكان الشوارع الجانبية، أخبرناه بمكاننا فقال: مسافة السكة.

لم يتأخر الشاب اللطيف المهذب خفيف الظل، قابلنا بترحاب وذهبنا معه الى بيته، فاستقبلتنا أسرته الصغيرة بحفاوة بالغة، وتأثر شديد، تركا أثراً في نفسي لن يزول ما حييت، ولن يكون كافياً أن اعبر عن امتناني لأمه السيدة الطيبة التي لم تتركني حتى ابتسمت وطمأنتها أنني بخير بكل ما أوتيت
من مشاعر، ثم أحضروا لنا عشاءً، ثم تركونا نأخذ قسط من النوم ففي الصباح ينتظرنا يوم طويل.. سنودع محمد.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان