رئيس التحرير: عادل صبري 09:18 صباحاً | السبت 15 ديسمبر 2018 م | 06 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

نظرات في أطوار الإستراتيجية العالمية بعد الحرب الباردة

نظرات في أطوار الإستراتيجية العالمية بعد الحرب الباردة

مقالات مختارة

الحرب الباردة

نظرات في أطوار الإستراتيجية العالمية بعد الحرب الباردة

جان - كلود ماليه 13 أغسطس 2014 11:38

الكلام على تطور الاطار الاستراتيجي العالمي منذ 1994 يوهم ربما باتصال أطوار إطار ثابت، خلافاً لحقيقة الأمر.


فالعامان 1990 و1991 طويا النظام السابق والقائم في أوروبا في أعقاب انفجار الاتحاد السوفياتي. والفكرة الاوروبية التي نهضت عليها العقيدة الدفاعية والعسكرية في أكثر من بلد أوروبي انتقلت من طور إلى آخر. وخلافاً للحال في 2014، شهدت حقبة 1991-2005 توسع الغرب وانتصاره، ومعه الرأسمالية وصنف من الليبرالية الاقتصادية والسياسية. وفي العقد العاشر من القرن العشرين بلغت الفكرة الاوروبية أوجها، وخطا البناء السياسي لأوروبا خطوات عريضة بعد حقبة كمون طيلة المرحلة السابقة (1966-1980). وفتح الاتحاد الأوروبي والحلف «الاطلسي» (الناتو) أبوابهما على مصاريعها.

تعثرت الدالة الاوروبية بالأزمة العراقية التي كانت سبباً في تفرق الدول الاوروبية وقطيعة بين الفرقاء، ثم بالاستفتاء على الدستور الاوروبي عام 2005 وإخفاقه في عدد من الدول. ومذ ذاك، غرقت أوروبا في أزمة اقتصادية حادة، ودخلت محنة اختبار العولمة التي ابتدأت في 1990 وبلغت في 2005 أوجها. واليوم، أي منذ 2010-2012 وأزمة الديون السيادية، تخوض أوروبا غمار قطيعة تعدّ سابقة منذ 1950. فما تعانيه الاجيال الفتية ليس مسألة السيادة والسلم بل انسداد سوق العمل، ومرافقه الضامرة والتشكيك في النموذج الأوروبي، البيني أولاً ثم صورته الدولية والخارجية. لذلك، فالوجهة الاستراتيجية البارزة الاولى هي أزمة الاتحاد الأوروبي. وتخلف هذه الأزمة اضطراباً في سياسات الدول الاعضاء وفراغاً بمقدار ما تنفخ، من جهة أخرى، في النزعات القومية.

أما الوجهة الاستراتيجية البارزة الاخرى، فهي صعود آسيا. ويحظى هذا التشخيص بالإجماع. ولا يقتصر على الصين بل يعم بلداناً أخرى. و»ظهور» آسيا تغيرٌ قاطع يعصى على الأوروبيين فهمُه واستيعابه. والاميركيون يتناولون المسألة منذ 30 عاماً من غير إدراكها على حقيقتها الى حين ابتداء رئاسة أوباما. فمحور الميزان الاستراتيجي كان أوروبا- الشرق الاوسط، وانتقل تدريجاً صوب آسيا. وهذا النازع لا راد له: فهو ثمرة استثمارات وموارد ذهنية وإنسانية أرست العالم وأثقاله على ركن مختلف، وشيدت عمارة الامن على أسس غير الأسس القائمة من قبل. والعالم اليوم في وقت بين اثنين: وقت عمارة الأمن المنصرمة ووقت العمارة المقبلة. وتهدد معايير تنظيم السلم والحفاظ عليه أخطار داهمة مصدرها تخبط المنتصرين، ما خلا الصين، في أزماتهم، وغموض قواعد النظام الجديد التي لم تستقر.
 

الوجهة الاستراتيجية البارزة الثالثة تتناول القيام على النظام العالمي المستتب منذ غداة 1945، والحفاظ على السلم. ففي 1994، بدا مجلس امن الأمم المتحدة (والولايات المتحدة) ركن استتباب السلم واستقراره. فطويت سياسة النقض (الفيتو) على القرارات الدولية، وحظيت هذه بالاجماع. أما اليوم، فبعض الدول الاعضاء ينكر مشروعية قرارات المجلس، على منوال الولايات المتحدة في شأن العراق وروسيا في شأن أوكرانيا. وتشكو وسائل الحوكمة العالمية ضعف فاعليتها في بعض المسائل المشتركة والمؤثرة في الأمن الوطني والدولي، مثل الطاقة والمياه والإنترنت والمناخ وغيرها. ولم يعثر المجتمع الدولي بعد على وسائل كفيلة برعاية الاستقرار والانضباط الدوليين، بينما تحجم القوى الناشئة عن الاضطلاع بمسؤولياتها أو تنوء بها. فالهند والبرازيل ترفضان الانصياع لغير معايير نموهما.
 

فإذا جمعت هذه الوجهات الى انكفاء أو انسحاب القوى الغربية الكبيرة، مثل الولايات المتحدة- خصوصاً منذ ولاية أوباما الاولى، وإجلائه القوات الاميركية من العراق وأفغانستان وإحجامه عن زجها في نزاعات أخرى، رداً على الارث الفظيع الذي تركه بوش - مرآة انكفاء مفهوم لا بد أن ينجم عنه فراغ ذو وطأة. وفي الأثناء ينتهز المعرقلون الفرصة: بوتين في القرم، والصين في بحر الجنوب، وبيونغ يانغ و(بشار) الأسد في شبه الجزيرة الكورية وسورية.
 

وتتعلق الوجهة الرابعة بالحق والقانون، وهو باب تقدَّم كثيراً منذ 1990. فالأمن الاوروبي يرسو مذ ذاك على جملة متصلة من المعاهدات والاتفاقات الدولية، وعلى أساليب عمل جامعة مثل المحاكم الدولية ومحكمة الجزاء الدولية في لاهاي. وهذه الهيئات لم تكن تتصور في الخيال قبل 40 سنة. وقد يُسأل عما إذا كان التشريع هذا فاعلاً ومؤثراً، أم أنه ذريعة ارتجال، وأنا أرى أنه قرينة على تقدم حقيقي. والكارثة تحل حين ينتهك مَن يفترض فيهم أنهم محامون هذا الحق، الحقَّ الذي ساهموا في إقراره. وفي ضوء هذا يصح القول إن القضية الأوكرانية كارثة أوروبية. فمعناها أن روسيا، العضو في مجلس الامن، تضرب عرض الحائط بقواعد الحق التي ساهمت في صوغها، وفي الدفاع عنها بواسطة ديبلوماسيتها النشطة والحازمة. وحاولت روسيا منذ خاتمة الحرب الباردة الانخراط في العلاقات الدولية والانقياد طوعاً لقواعد الحق والقانون، وهي اليوم تعود على بدء أعمال حسِب العالم أنها انصرمت الى غير عودة، وتنتهك القانون الذي سنّته وأعلنته على الملأ. ولا يبدو أن ثمة مَن يمكنه حملها على التمسك بسواء السبيل. والتهديد جسيم ولست واثقاً من ان الدول الاوروبية تدرك حقيقته وجسامته.
 

ويتطاول دور الحق والقانون الى استعمال القوة. وتقود مقارنة اليوم بما كانت عليه الحال في عقد التسعينات الى ملاحظة تعاظم عدد المتدخلين والمؤثرين. ويرتب هذا التعاظم تعقيد التخطيط للعمليات العسكرية. فمن العسير تصور عمليات اليوم، من غير احتساب دور نحو 30 جمعية غير حكومية، ونحو 10 منظمات تابعة للأمم المتحدة أو من منظمات إقليمية. ونازع إحدى الدول الى فرض معالجة عسكرية خالصة تقتصر على رأي الدولة وحدها، لم يعد ممكناً في أي حال، ولا يلم بملابسات العمليات ووجوهها.
 

منذ 1990، عمد الفرنسيون والأميركيون الى فصل القوة النووية من القوة التقليدية، والتحق بهم الروس بتلكؤ وتردد. فنهاية الحرب الباردة ردت الى القوات التقليدية استقلالها بنفسها، وحررتها من تبعيتها للقوة النووية. وقدمت العقيدة العسكرية التي صاغها الكتاب الابيض الفرنسي، عام 1994، العمليات الخارجية، وقوة التدخل السريع، على الفروع الأخرى العسكرية. واستتبع الامر مهمات جديدة مثل التفكير في الرابطة المفصلية بين النووي وقوات التدخل، وفي احتراف العسكريين. وتقضي العمليات العسكرية في اطار التدخل بتكثيف التجهيز والمعلومات وقسمتها على عدد قليل من المحترفين الراغبين في المناورة في بيئات تكنولوجية وبشرية مجهدة.
 

ومع انهيار حلف وارسو برزت معايير ودواعي قتال بعيدة الشبه بالمعايير والدواعي التي كانت تدفع جنود الخدمة العسكرية والاحتياط الى التعبئة تحت لواء الدفاع عن الامة. ويلاحظ بعضهم أن انعطاف العقيدة العسكرية هو ثمرة إلهام أو إيحاء أميركي. فالأميركيون عززوا عمليات «التدخل» وقواته، وأولوا المحل الأول للاستخبار والاستعلام الميدانيين. وشرط استخبار فاعل ومجد انجاز خطة قضائية عسكرية تتيح للقوات المحترفة والمدربة تدخلاً آمناً في رعاية صواريخ مسرح (على علو منخفض) طويلة المدى.
 

وتأطير الدفاع والأمن الوطني داخل الفضاء السيبيري (السيبيرنطيقي) مهمة عاجلة ومكمّلة للعوامل التي تقدم الكلام فيها. فلا سبيل الى خوض الحرب من غير سقوط عدد كبير ولا يحتمل من الضحايا (في المرحلة الاولى وظاهراً) إلا من طريق غشيان (تسلل الى) السيبيرنطيقا، أو انظمة التفاعلات التلقائية، نظامنا الاجتماعي والاقتصادي والمالي. ولا تحصى سرقات الشركاء والخصوم الاجانب المنجم السيبيري الذي ترعاه الشركات الاوروبية الغربية والاميركية. وسرقة هذا المنجم قوة تدميرية لا يستهان بها، وتستدعي حمايته استثمارات كبيرة في التقنية والتأهيل. ولا شك في ان تعاظم الطاقة السيبيرية يفترض توسيع المراقبة الديموقراطية على استخدام الوسائل. ويسعى الخصوم إلى امتلاك القدرة على شل مفاعل نووي أو محطة توليد مائية، أو التسلل الى انظمة مراقبة جوية. قد يهاجمون المصانع والشركات بجراثيم يستقدمونها من بلدان نعرفها ويحصلون على معلومة مصنفة سرية. والدفاع السيبيري، في ضوء هذه الاحتمالات ضرورة ملحة.
 

الحوار بين الدول الأوروبية والدولة الاميركية عسير، بل مستحيل إذا لم تكافئ قوة الدول الاوروبية القوة الاميركية مكافأة نوعية. وعوامل المكافأة النوعية، والحوار، هي طاقة استخبارية فاعلة، وقوات تدخل سريع جاهزة، وقوة صاروخية تطلق من بعد آمن. والافتقار الى هذه العوامل عام 2001، غداة هجوم «القاعدة» على نيويورك وواشنطن، حال دون اشتراك بعض الدول الأوروبية، ومنها فرنسا، في الحرب الاميركية بأفغانستان. وامتلاكها، في 2013، فوّض الرئيس الفرنسي التدخل في سورية على قدم المساواة مع الولايات المتحدة. وسبق قرار الاحجام عن ضرب نظام بشار الاسد تبادل معلومات بين الأميركيين والفرنسيين عن المواقع والأهداف واحتمالات القصف واسلحته وأوقاته ومسافاته ومفاعيله ونسبة إصاباته. وهذا كله من عوامل الاستقلال العسكري والوطني في الحروب الجديدة. وعلى صعيد تقني خالص، كان في مستطاع فرنسا أو بريطانيا المبادرة الى القصف في سورية من غير الاميركيين. والقيد سياسي خالص، وهذه القدرة امتياز نادر.
 

* مسؤول اداري بارز، اختصاصي في المسائل الاستراتيجية، عن «اسبري» الفرنسية، 9- 8 / 2014، اعداد منال نحاس

نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان