رئيس التحرير: عادل صبري 10:26 صباحاً | الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 م | 12 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

الموسيقى والحرب العالمية الأولى

الموسيقى والحرب العالمية الأولى

مقالات مختارة

الموسيقى والحرب العالمية الأولى

الموسيقى والحرب العالمية الأولى

إيفان هيويت 13 أغسطس 2014 11:27

في 28 تموز (يوليو) 1914، اندلعت الحرب العالمية الأولى. ولم يتأخر الوقت قبل زج البريطانيين الموسيقى الكلاسيكية في الحرب هذه.


فأعلنوا إلغاء حفل عزف مقطوعة «دون جوان» لشتراوس في 15 آب (أغسطس). وبعد يومين ألغوا كل عروض موسيقى فاغنر. وسرعان ما عاد البريطانيون عن قرارهم. وفي رسالة وجهها جورج برنار شو الى صديق في فيينا كتب: «صفق كل ناس للقرار، ولكنهم أحجموا عن ارتياد الحفلات الموسيقية. وبعد أسبوع، عادت موسيقى بيتهوفن وفاغنر وريتشارد شتراوس لتصدح». ووقعت هذه الرسالة في يد صحيفة «فرانكفورتر تسايتونغ» التي نشرتها في 1915، ورأت أن بريطانيا هي «أرض من غير موسيقى». وتصدرت العبارة هذه عنوان كتاب يزعم ان الثقافة البريطانية أدنى شأن من الثقافة الالمانية. ودليله على ذلك أن أعظم المهرجانات الموسيقية البريطانية لا تقوم لها قائمة إذا لم تعزف فيها موسيقى المانية.

وهزت الحرب العالمية الأولى أركان الحياة كلها، وعاثت الدمار والموت. ولم تنجُ الموسيقى الكلاسيكية من براثنها. فعدد كبير من مؤلفي الموسيقى والعازفين لقوا حتفهم في المعارك أو انسحبوا منها إثر صدمة وخوف. وهي غيّرت وجه الموسيقى الكلاسيكية.

وتاريخ الموسيقى في الحرب العالمية الأولى معقد الأوجه. ففي أحيان كثيرة، جندت الموسيقى في المعارك، ولكن صوتها علا، في أحيان اخرى، على صوت المعركة، ولم تكن أداة حرب، وخرجت عن القوالب القومية والايديولوجية. ونفخت في مشاعر التسامح والحب والحنين والحزن وليس في مشاعر العداء. وذاع صيت حادثة وقعت أثناء وقف اطلاق النار على الجبهة الغربية عشية عيد الميلاد. ويومها، نظمت مباريات كرة قدم ودية بين الجيشين البريطاني والالماني. وبادر كل فريق الى انشاد اغاني العيد الخاصة به. وحين عزفت موسيقى «سايلنت نايت» (الليلة الهادئة)، غنى الفريقان سوية. ولم ينظر الضباط البريطانيون ولا الالمان بعين الرضا الى الغناء المشترك هذا الذي يمد الجسور بين جنود جيشين لدودين.

وعلى رغم ان الموسيقى سلمية، لم يكن مؤلفوها أو الفنانون أصوات «العقل» أو دعاة سلام في الحرب الأولى. وكتب الموسيقار الروسي سترافينسكي في 1914 «كراهيتي الالمان تتعاظم يوماً بعد يوم». ووجه شتراوس رسالة الى كاتب مخطوطاته الموسيقية فون هوفمانستال في تشرين الاول (أوكتوبر) 1914، «الفوز قدرنا»، وكتب في الصفحة الاخيرة من مخطوطة «داي فرو اوهن شاتن»: 20 آب 1914، يوم الفوز في ساربورغ. تحية الى جنودنا العظماء. وحمى الحرب اصابت كذلك، المؤلف الموسيقي النمسوي وقائد الاوركسترا، أنتون فيبيرن، الهادئ الطباع، فدعا الى «موت الشياطين (الروس)» وتمنى لو وسعه المشاركة في مسيرة النصر الالمانية الى باريس.

وترافقت كراهية الخصم هذه مع حسبان ان الحرب تطهر المجتمع المريض والفاسد من العلل والشوائب. فالشاعر روبرت بروك كتب في قصيدة ذاعت وراجت «فليُحمد الرب ويشكر ... أيقظنا من سباتنا». واحتفى «المستقبليون»، رافعو لواء الحداثة والتطور، باندلاع الحرب. ووصف الشاعر ف.تي. مارينيتّي الحملة الكولونيالية الايطالية على إثيوبيا بأنها «أجمل قصيدة»، والحرب بـ «المطهر الامثل». ورأى الكاتب الالماني توماس مان ان الحرب «رومانسية». ولم يخف كاتب سيرة فاغنر والخبير الموسيقي إرنست نيومن حماسته ازاء الحرب: «فهي لا غنى عنها في مخاض الموسيقى الجديد وولادتها...». وترددت أصداء الآراء العدائية والعدوانية هذه في الموسيقى نفسها، وفي الاغاني الشعبية وأناشيد الزعار تحديداً مثل الاغنية الالمانية «غوت سترف انغلند» (لينزل الله جزاءه في انكلترا) وسلسلة الاغاني البريطانية التي دعت الى انزال العقاب بـ «قيصر بيل» (فيلهلم الثاني، القيصر الالماني الاخير). ويقع المرء كذلك على صدى احتقار العدو والازدراء والعداء الصريح في الموسيقى الفنية، على غرار «سوفنير دون مارش بوش» لسترافينسكي التي تحاكي محاكاة ساخرة معزوفة بيتهوفن الخامسة وإيقاعها العسكري الفج. وساهم عدد من المؤلفين الموسيقيين منهم إلغار وديبوسي، في مشروع اطلق اواخر 1914 اسمه «كينغ البرت بوك».

والى الموسيقى العدائية والعدوانية، لفظ سيل من الموسيقى الحرب. ولسان الاغاني هذه هي حال الجنود المشتاقين الى البيت وعائلات الجنود وقلقها، أو التوق الى السلام. وثمة اشكال موسيقية أبرزت الحاجة الى الغرق في الخيال ونسيان الحرب: الاوبريت وعروض برودواي الموسيقية.

وبعض أثر الحرب في الموسيقى لا يخفى. وإرهاصات التغيير في الموسيقى بدأت قبل 1914، ثم سرّع تبلورها وبروزها اندلاع الحرب الاولى. وتزامنت الحرب مع بروز تكنولوجيا جديدة مثل البرقيات (التليغراف) والسيارات والتسجيل الصوتي. وفي الحرب استخدمت تكنولوجيا جديدة على غرار الدبابات والغواصات، وقطع مدفعية كبيرة. وصارت ساحة المعركة صنو معزوفة حديثة وصفها سيسيل باربر وهو على الجبهة الغربية في «ميوزيك تايمز»: «إيقاع الاسلحة المختلفة يتمايز بوضوح. فصوت اطلاق القذائف الكبيرة حزين وكئيب يليه أزيز القذائف الاصغر وقرقعة انفجارها، وهفيف انتشار قذيفة الغاز... وتدفق نيران القناصة من غير انقطاع يقابله صوت متقطع من الرصاص...». وصدى مثل هذه الاصوات المرعبة يتردد في قرع الطبول وايقاعه في مقطوعة الموسيقار البريطاني هولست «مارس» من معزوفة «ذي بلانتس» (الكواكب) المؤلفة بين 1914 و1916. وعمت الموسيقى اصوات الزحف العسكري، تحديداً في اولى مقطوعات سترافينسكي «ثري بيسز فور سترينغ كورتت» وفي ثالث مقطوعات ألبان بيرغ «ثري اوركسترل بيسز»، وأصوات ميدان المعارك مثل قرع الأجراس أو مجموعة اجراس الكنائس البلجيكية. وترددت اصداء صلصلة الأجراس هذه في معزوفات حملت اسمها «كاريلون» لإلغار ولوي دوراي. وتسللت كذلك أصوات الحرب الى معزوفة سترافينسكي «ثري ايزي بيسز» المخصصة ليعزفها في وقت السلم راشد يصحبه طفل تجمعهما لوحة مفاتيح بيانو واحدة.

 

* صحافي مختص في شؤون الموسيقى، عن «ميوزيك» البريطانية، 6/2014، إعداد منال نحاس

نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان