رئيس التحرير: عادل صبري 04:56 مساءً | السبت 20 أكتوبر 2018 م | 09 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

«بريكس» وأسطورة مكافحة هيمنة الغرب

«بريكس» وأسطورة مكافحة هيمنة الغرب

مقالات مختارة

مجموعة بريكس

«بريكس» وأسطورة مكافحة هيمنة الغرب

نيكولا بافيريز 13 أغسطس 2014 11:25

استقبلت رئيسة البرازيل، ديلما روسيف، في فورتلاليزا قمة دول «بريكس» (البرازيل، والهند وروسيا، والصين، وجنوب افريقيا)، ما إن وضعت مباريات كأس العالم أوزارها.


وانتهت القمة وهي اللقاء السادس بين دول المجموعة الى اتخاذ ابرز قرار في تاريخ «بريكس»: انشاء مصرف تنمية مقره شنغهاي يبلغ رأسماله 50 بليون دولار، واحتياطه من العملات الاجنبية 100 بليون دولار. ويرمي انشاء مؤسسات تنافس البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الى اطاحة الدولار عن عرش العملة الدولية الوحيدة و «كسر» ريادته واحتكاره الدور هذا. والمؤسسات البديلة هذه تجسد رغبة «بريكس» في الطعن في هيمنة الغرب.

ولا يسع أحداً الطعن أو التشكيك في ارتقاء دول الجنوب - ودول مجموعة «بريكس» ساهمت مساهمة كبيرة في الترقي هذا- في سلم القوة الدولية. فهذا الترقي هو مبدأ من مبادئ العولمة. ولا يسع احداً انكار وزن المجموعة الاقتصادي. فهي تمثل 40 في المئة من سكان المعمورة، و25 في المئة من ناتجها المحلي، و40 في المئة من احتياط العملات الأجنبية في العالم.

وشاركت المجموعة في قمة إيكاترينبورغ في 2009، وصارت مذذاك قوة ديبلوماسية. لكن سعي «بريكس» الى صوغ نظام متعدد القطب ورأسمالية جامعة عامة هو مجازفة لا يستهان بها إذ ترسي اسس مؤسسات مالية تنافس مؤسسات بريتون وودز، في وقت تتباطأ عجلة النمو في دول «بريكس» وتبدأ في الدوران في العالم المتقدم، والولايات المتحدة تحديداً. والفارق بين حركة الأنشطة في الشمال والجنوب انخفض من واحد الى اربعة في عقد ونصف عقد مضيا الى واحد الى اثنين اليوم. وانبعثت قدرة شطر من الدول المتقدمة، على غرار الولايات المتحدة والمانيا، التنافسية على وقع اصلاحات بنيوية ضحمة. وتبرز حاجة الدول النامية الكبرى الى تعديل نموذجها الاقتصادي لتفادي الدوران في حلقة مفرغة هي حلقة الدول التي تتمتع بعائدات وسطية، وتقليص فائض الاقتراض الخاص الذي يبلغ 100 في المئة من ناتج هذه الدول المحلي، وعدم تلويث موارد البيئة واستنفادها وارساء دولة القانون وترسيخها. ولم يكن ليقيض لعجلة النمو في الصين أن تدور دوراناً وتيرته 7.5 في المئة لو لم يبلغ الدين 245 في المئة من الناتج المحلي، ولو لم تستثمر موارد البيئة استثماراً لا يقيم الوزن لحمايتها من التلوث والنفاد.

ويُقيد الافتقار الى بنى تحتية حديثة وبنى الادارة البيروقراطية عجلة النمو في الهند، ويكاد يصيبها بالشلل. وانخفضت نسبة النمو في البرازيل وافريقيا الجنوبية الى نحو واحد في المئة على وقع التضخم وحركات الاحتجاج الاجتماعي. وروسيا انزلقت الى ركود اقتصادي فاقمت وقعه ثورة استخراج الطاقة في اميركا وهروب رؤوس الاموال إثر فرض عقوبات عليها جزاء ضم القرم والازمة الاوكرانية. وبروز مجموعة «بريكس» وتعاظم قوتها غير متكافئ التوازن وميزانها الداخلي مائل وغير متجانس بين عناصرها. ويعود البروز هذا الى تعاظم نمو الصين في مرحلة «الثلاثين المجيدة»، اي منذ السبعينات الى نحو عام 2000، من 3 في المئة الى 12 في المئة. ويتزامن «صعود» «بريكس» مع بروز دفعة جديدة من الدول النامية: الفيليبين واندونيسيا وفيتنام في آسيا؛ وتجاوز النمو في كل من المكسيك وكولومبيا النمو في البرازيل؛ وتجاوز الناتج القومي في نيجيريا نظيره في افريقيا الجنوبية.

تجانس دول «بريكس» من بنات الخيال وضعيف الصلة بالواقع. فالتباين الاقتصادي بين دول المجموعة هذه كبير. فالصين هي مصنع العالم ومندمجة في التبادل الدولي. والهند متخصصة في قطاع الخدمات. ومرد نمو البرازيل وجنوب افريقيا الى احتياطهما الكبير من المواد الاولية. وروسيا هي إمارة نفط وغاز، والى التباين الاقتصادي، ثمة تباين سياسي بين الانظمة الديموقراطية في «بريكس» (الهند والبرازيل وجنوب افريقيا) وبين النظام الاستبدادي في روسيا والشمولي- الرأسمالي الصيني. وثمة تباين جغرافي- سياسي واستراتيجي بين روسيا، القوة العظمى السابقة في الحرب الباردة التي تنتمي الى العالم المتقدم، وبين عمالقة الجنوب الاربعة (الهند والصين وافريقيا الجنوبية والبرازيل، وبين التوسع الامبريالي الروسي والصيني وبين المتمسكين بالحدود المرسومة، وبين حرب روسيا الباردة الجديدة مع الولايات المتحدة- وآخر فصولها استئناف العمل في مراكز التنصت في كوبا- وبين دول تتصدر اولوياتها التنمية والتبادلات التجارية. ولا تُجمع دول «بريكس» إلا على الاجراءات الموجهة ضد الريادة الاميركية من غير التزام رؤية جماعية او مشروع بديل عن حوكمة النظام المتعدد القطب أو الرأسمالية الشاملة.

ولا شك في تطور الدول النامية، لكن المضي قدماً في التطوير والتنمية يقتضي اصلاحات داخلية واسعة واستقرار النظامين الجيو– استراتيجي والاقتصادي اللذين كانا حاضنة التطور هذا ووفرا تربة غنية له. وبروز الجنوب ليس محتماً شأن افول الشمال. وحري بمجموعة «بريكس» العدول عن أسطورة مكافحة هيمنة الغرب وترك السعي في تقويض النظام الذي تدين بنموها اليه، والمبادرة الى استراتيجية تعاون تساهم في ترسيخ العولمة واستقرارها عبر دعم المؤسسات والمعايير المشتركة بين اقطاب التاريخ الكبيرة في القرن الواحد والعشرين.

 

* عن «ليبراسيون» الفرنسية، 21/7/2014، إعداد منال نحاس

نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان