رئيس التحرير: عادل صبري 06:17 صباحاً | الأربعاء 22 أغسطس 2018 م | 10 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

أردوغان في قصر تشنقاي.. تطلعات ومخاوف

أردوغان في قصر تشنقاي.. تطلعات ومخاوف

خورشيد دلي 11 أغسطس 2014 19:20

مع وصول رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، إلى قصر تشنقاي الرئاسي ، دخلت تركيا مرحلة يطلق عليها بعضهم الجمهورية الثانية، بطلها بامتياز أردوغان نفسه الذي خطط، وعمل، لكي تكون بلاده، على أبواب قرنٍ من تأسيسها، دولة مركزية قوية مؤثرة، مستفيدة من علاقاتها المتينة بالغرب، وكذلك من أبعادها المشرقية، جغرافيا وهوية ثقافية وحضارية، مدفوعةً بالتحولات والمتغيّرات الداخلية التي أنجزها حزب العدالة والتنمية، منذ وصوله إلى السلطة عام 2002. ومع وصول أردوغان إلى قصر تشنقاي، ثمة آمال كبيرة في نهضةٍ تركيةٍ، تتوّج في عام 2023 بتحقيق رؤيته لتركيا مختلفة.

 

ولكن، في الوقت نفسه، ثمّة مخاوف، لدى معارضيه، من تحوّل تركيا إلى حكم شمولي، مع سيطرة حزبه، العدالة والتنمية، على الرئاسات الثلاثة (الحكومة والبرلمان والجمهورية)، وتطلع أردوغان إلى نظام رئاسي قوي، يحل مكان البرلماني، على شكل نظام رئاسي، له صلاحيات شبه مطلقة، قريب من النظام الأميركي أو حتى الفرنسي، ما يعني تغيّر النظام السياسي في البلاد، وتحول منصب رئاسة الحكومة إلى تنفيذي ورمزي، خلافاً لما هو عليه منذ عقود.                               
يطمح أردوغان إلى نهضة اقتصادية كبيرة، بتحسين الأداء الاقتصادي، وهو الذي نجح في سنوات حكم حزب العدالة والتنمية في مضاعفة دخل الفرد ثلاث مرات تقريباً، وخفّض مستوى البطالة إلى قريب من الصفر، وأحدث نمواً اقتصادياً يضع تركيا في مراتب الدول الكبرى. وذلك كله في مشاريع بنية تحتية واقتصادية كبرى، مثل بناء نفق السكك الحديدية تحت مضيق البوسفور، وإقامة مطارات كبرى وسكك حديدية وتشييد طرق ومشاريع الطاقة ومد خطوط أنابيب النفط والغاز من الخارج عبر الأراضي التركية، ومشاريع الاستثمار وتفعيل حركة الاستيراد والتصدير السياحة، بما يخلق كل ذلك ديناميكية جديدة تحقق نهضة منشودة.                                                                      
وفي أجندة أردغان وتطلعاته أيضاً، تبرز أهمية مضيّه إلى إيجاد حل للقضية الكردية في تركيا، إذ يسجل له أنه أول رئيس وزراء تركي حاول إيجاد حل للصراع الكردي ـ التركي الدامي، بالتفاوض مباشرة مع زعيم حزب العمال الكردستاني، السجين منذ 15 عاماً، عبد الله أوجلان. وقد نجح في دفع الطرف الكردي إلى وقف إطلاق النار والالتزام به، ودفع البرلمان التركي إلى إقرار قانونٍ يسمح بالسير نحو إيجاد حل سياسي لهذه القضية التي أرهقت تركيا اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، في العقود الماضية، وخلفت آلاف الضحايا من الجانبين.                                                           
وفي تطلعات أردوغان، أيضاً، ترتيب البيت الداخلي التركي، فثمة عملية إصلاحية دستورية مستمرة، بشأن التخلّص من الدولة العميقة، في شقيها العسكري، المتمثل بالدور الخفي للجيش، والمدني، المتمثل في تنظيماتٍ في الظل، ولا سيما حركة الخدمة بزعامة فتح الله غولن التي يعمل أردوغان على تطهير مؤسسات الدولة من نفوذها.               
لكن، إلى جانب هذه التطلعات، ثمة مخاوف كثيرة بشأن انتقال تركيا إلى حكم شمولي، يسيطر فيه أردوغان على كل شيء، وهو الذي وعد، مراتٍ، بنقل تركيا من مرحلة الحكم البرلماني إلى الرئاسي، في عمليةٍ سياسيةٍ تنتج نظاماً رئاسياً مطلقاً، عندما يحين موعد

 

الانتخابات البرلمانية صيف العام المقبل، بتعديل دستوريٍ يجعل صلاحيات الرئيس مطلقة.        
دستورياً، ينبغي، حال وصول أردوغان إلى رئاسة الجمهورية، الاستقالة من حزب العدالة والتنمية، لكن الملاحظ أنه يريد إبقاء سيطرته على الحزب، مباشرة أو بوضع شخص مقرّب منه في رئاستي الحزب والحكومة معاً، ليبقى هو الحاكم الفعلي من موقعه الرئاسي.
وليس خافياً على أحد أنه سعى، في الفترة الماضية، إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي للحزب، ولعلّ مثل هذا الاستحقاق سيصبح طبيعياً مع حلول موعد الانتخابات البرلمانية المقبلة، إذ سيخرج أكثر من سبعين قيادياً من حزب العدالة والتنمية من مناصبهم الحكومية، وفقاً لقوانين حزب العدالة والتنمية التي تمنع أي عضو من شغل منصبه أكثر من ثلاث دورات متتالية، ما سيتيح لأردوغان تغيير قيادة الحزب، بدفع جيل جديد إلى القيادة.
وهنا، له حجة سياسية قوية تتعلّق بمصير الحزب، إذ تشير التجربة التاريخية في تركيا إلى إمكانية انهيار الأحزاب الكبرى، حين تفتقد الزعيم التاريخي، أو حال وصول زعيمه إلى رئاسة الجمهورية، كما حصل مع سليمان ديميريل وتورغوت أوزال، عندما انهار حزباهما بعد وصولهما إلى الرئاسة، ما يعني أنه سيكون سهلاً ومبرراً لأردوغان ترتيب البيت الداخلي لحزب العدالة والتنمية، والدفع بشخصية مقربة منه إلى رئاسة الحكومة، مثل نائبه، أمر الله إنشلار، أو وزير الخارجية، أحمد داود أوغلو.
وبحسب مقربين منه، سيكون السيناريو الذي سيتبعه أردوغان لدفع مشروعه إلى حيّز التنفيذ بتشكيل ما يشبه (مجلس حكماء ـ حكومة ظل)، يتألف من مقربين منه في مجلس الوزراء، إضافة إلى مستشارين له، للمساهمة في الإشراف على عمل الحكومة، في المجالات الاقتصادية والسياسية، ولا سيما السياسة الخارجية، ما يعني أن أردوغان سيلجأ إلى تفعيل السلطات الخاملة لرئيس الجمهورية، حيث من صلاحياته، وفق الدستور، سلطة تعيين رئيس الوزراء وترؤس اجتماعات الحكومة ورئاسة مجلس الأمن القومي ومجلس الإشراف على الدولة الذي يتولى تدقيق الهيئات العامة.
وبالتالي، تكون الإجراءات التي سيتخذها أردوغان كافية لإحكام سيطرته على الحكومة والحزب والجيش، ومجمل مرافق الدولة التركية.     
                             
بموازاة هذا البعد التنفيذي في السيطرة على الحكم وممارسة السلطة، ثمة مخاوف من الانغماس في البعد الأيديولوجي، فثمة نزعة عثمانية تحكم شخصية أردوغان، إلى درجة أن لقب "السلطان الجديد" أصبح مرافقاً لاسمه أحياناً كثيرة، فالرجل لا يتوقف، في خطاباته، عن التذكير بمحمد الفاتح، ومن بعده، السلاطين العثمانيين، ومحاولة القول إنه هو الذي سيعيد أمجادهم على أبواب مرور قرن على انهيار الدولة العثمانية، وقبل أقل من عقد على ذكرى تأسيس الجمهورية التركية، حيث يخطط أردوغان للبقاء في الرئاسة، حتى 2023، الموعد الرمزي الذي تبلغ فيه الجمهورية مئة عام، وهو لا يتوقف عن طرح نفسه خليفة لأتاتورك، مع أن أيديولوجيته تعدّ نسفاً لما أقام عليه الأخير جمهوريته.                                                                              
وفي ظل الشرعية الانتخابية لأردوغان، فإن من المخاوف الكبرى في الداخل من وصوله إلى الرئاسة أن ينتهج ممارسة أيديولوجية للسياسة، تؤثر على التعدد والتنوع والحريات والإعلام والقضاء، رئيساً يمثل التيار الذي سينتخبه، أي نحو 50% من المجتمع التركي. ولعل ما يرجّح هذا التوقع هو الحرب التي يقودها أردوغان شخصياً ضد خصومه، مثل زعيم حركة الخدمة، فتح الله غولن، وأحزاب المعارضة التركية، ولا سيما حزب الشعب الجمهوري، بزعامة كمال كليجدار أوغلو، الذي لا يتوقف أردوغان عن نعته بالطائفي، ويعني ذلك كله أن المعارضة التركية ستكون في وضع صعب جداً، وخصوصاً أن مصداقيتها السياسية باتت على المحك في الشارع التركي.
مهما يكن، دخلت تركيا، مع وصول أردوغان إلى رئاسة الجمهورية، مرحلة جديدة، لن تقتصر تداعياتها على الداخل، وانما على مجمل المحيط الإقليمي الذي يتعرّض لتطورات عاصفة على وقع العدوان الإسرائيلي على غزة، وما يجري في العراق وسورية ومصر ومجمل منطقة الشرق الأوسط.

نقلا عن العربي الجديد

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان