رئيس التحرير: عادل صبري 05:40 مساءً | الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 م | 09 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

عبد الله السعوي: المتاجرة بالفتوى

عبد الله السعوي: المتاجرة بالفتوى

11 أغسطس 2014 18:00

مَن يتمعن في كثير من أشكال الفتوى اليوم، يلحظ أن ثمة تراجعًا ملحوظًا على صعيد الأداء الفتوائي الذي بات متلبسًا بحالة من التوظيف البراجماتي المخادع الذي جعلنا أمام نمط من ذلك الفقيه المروّض، وذلك المفتي المدجن الذي أهدر القيم الفقهية وأساء لمكانة الفتوى كمرجعية ذات أبعاد نصية مقدسة وذات أصل قيميّ لا يجوز الافتئات على مقتضياته العليا!

 كثيرًا ما نجد أنفسنا أمام حالة من (تسليع) الفتوى؛ أي جعلها سلعة يراد ترويجها وبضاعة يجري العمل على تسويقها من قِبَل ذوات تدثرت بلباس المشيخة يحسبهم الجاهل فقهاء من النهم بالفتوى وبلغة –تبدو أحيانًا- مُمَسرحة يمجها من لديه أدنى أثارة من عقل.

 هنا باتت الفتوى بفعل ما مورس ولا زال يمارس عليها من إكراهات باتت سوقًا للعرض والطلب، وأضحت أداةً ذرائعية لا يكفّ الانتهازيّون عن امتطاء صهوتها والتلاعب الماكر بحيثياتها وتضييق فضاءاتها والوقوع في منزلق ديني متناهي الخطورة، إما مجاملة لـهوى سياسي وبالتالي تطويع المعطيات النصية لمراده السلطوي، أو مصانعة لتيار حزبي أو تملقُا لمكوّن اجتماعي أو مغازلة لطيف شعبي تشكل مداهنته عاملًا محوريًّا لمن خفت في وعيه الشعور الأخلاقي ورام معانقة أفق النجاح الدنيوي والذي هو بطبيعته وفي أحسن أحواله نجاح جزئي وعابر ومحدود!

 بقدر ما يغيب عنّا الفقيه (المبدئي) الذي ينطلق من عالم رمزي محكوم بالمثل العليا والأخلاقيات العلمية والأحكام الصادرة عن أفق استدلالي متماسك، يحضر لدينا الفقيه (النفعي) الذي يبدو أحيانًا وككائن تهريجي خال من أي بُعد التزامي فاعل.

الفقيه النفعي بطبيعته لا يفكر إلا بمنطق تجاري محض، إنه محكوم بنَفس مصلحي لا ينجح إلا في تكبيل العقل الحر والحد من التطلعات الإصلاحية المتجردة وعلى نحو يجعل من المعرفة مجرد ديكور للزركشة وإضفاء الزينة واللمسات الجمالية من الخارج على الذوات المتعفنة من الداخل والتي مهما مورس عليها من التكتم إلا أنها تأبى إلّا أن تتجلى سافرة عارية بادية بكامل عفونتها المقززة.

 الفتوى اليوم فقدت كثيرًا من ألقها ووجاهتها، وباتت تشكو من غياب الشرط المنهجي وعدم توفر الانضباط الدلالي كنتيجة طبيعية أفرزها هذا الغياب الفعلي لمبدأ التجرد مقابل الحضور المكثف لمنطق نفعي وسلوك تزلفي لا يعبر إلا عن رذيلة ثقافية حينما تطغى هيمنتها فإنها لن تسهم إلا في تكريس التخلف، وتشكيل عراقيل متنوعة ذات تبعات كارثية طالما كنا نتواصى على التحالف ضد بواعثها.

في الأجواء المغلقة وحينما تتقلص مساحات الحرية سيضمر ذلك النوع من الفقيه (الأصولي)، وستتنامى تلقائيًّا حالات ذلك الفقيه (الوصولي) المؤطر الذي لا يعتمد التورية والتقية والمدارة والتمتمة والغمغمة فحسب، بل يذهب إلى أبعد من ذلك حيث يتفنن –وعبر أداء تمثيلي ممجوج!- في تغييب الحقيقة والانزياح عن الفاعلية الفقهية كخيار ذاتي محسوم يتم اجتراحه وعن سبق إصرار وتعمّد!

وإذا كان خيار الأمة -كما يحدثنا التاريخ- يتدافعون الفتوى حماية لحرمها وصيانة لجنابها وتهيبًا من تبعاتها واستعظامًا لمقامها الديني الرفيع؛ فإن في واقعنا المعاصر من بني جلدتنا مَن يلهث لتسلق سلم الفتوى واستباحة حرمها المهيب ليجعل منها بوابة عبور وجواز مرور نحو الوجاهة والحظوة والثراء!

نقلا عن التقرير

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان