رئيس التحرير: عادل صبري 12:38 صباحاً | الاثنين 10 ديسمبر 2018 م | 01 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 20° صافية صافية

ما بعد... بعد حرب غزة!

ما بعد... بعد حرب غزة!

عرفان نظام الدين 11 أغسطس 2014 07:27

كان واضحاً منذ الإعلان عن اتفاق المصالحة الفلسطينية بين حركتي «حماس» و «فتح» لإعادة توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة وتشكيل حكومة وحدة وطنية ان اسرائيل لن تسمح بإتمامها وأنها ستبذل المستحيل لنسفها ولو بالقوة المُعَرَّاة، على رغم معرفة حكومة المتطرفين برئاسة بنيامين نتانياهو مسبقاً بصعوبة تحقيق نصر خاطف. ومن هنا كان التخوف الذي عبرت عنه في مقال سابق من اصطدام المصالحة بنارين: نار العدو، ونار بعض الفرقاء الفلسطينيين والخارجيين.

وكانت اسرائيل، كعادتها في حروب سابقة، تنتظر الذريعة، أي ذريعة، فجاءت قضية خطف المستوطنين الثلاثة المشبوهة وقتلهم لتنفذ مآربها وأهدافها الخبيثة التي لم تعد تقوم على المبدأ الاستعماري الشهير: «فرق تسد» فحسب، بل طوّرته ليصبح «قسّم تسد» أو «فتّت تسد». وهذا ما كانت تسعى اليه منذ ٦٦ عاماً في الساحة الفلسطينية، وفي مؤامراتها على العرب أجمعين. ولا ننسى ان اسرائيل كانت غضت الطرف عن ازدياد نفوذ «حماس» إبان الاحتلال لإضعاف حركة «فتح» ومنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة الرئيس الشهيد ياسر عرفات. 

وعندما جرى التوقيع على اتفاقيات أوسلو، وجدت اسرائيل الفرصة سانحة لزرع بذور الشقاق بين الفلسطينيين عبر إصرارها على عدم إدراج قضايا أساسية مثل القدس وحق العودة وحدود الدولة الفلسطينية وغيرها والتضييق على السلطة الوطنية وصولاً الى اغتيال عرفات.

وهذا ما حدث بالفعل عندما ازداد انقسام الصف الفلسطيني الى ان وقعت الطامة الكبرى بوصول الخلاف الى مرحلة القطيعة والتقسيم الإجرامي في حق الشعب الفلسطيني وقيام حكومتين متنازعتين في الضفة والقطاع والباقي معروف.

فحتى الانسحاب الاسرائيلي من غزة كانت تشوبه الشبهات، بل هناك من يجزم بأنه كان مخططاً له لأن الإسرائيليين كانوا يكرهون غزة ويحلمون بأن يرموها في البحر، كما كان يصرح رئيس الوزراء السابق اسحق رابين، لأنها تشكل عبئاً كبيراً عليهم، بالإضافة الى انهم كانوا يعرفون مسبقاً حجم الخلاف بين «حماس» و «فتح»، وأن الاولى ستحاول السيطرة على القطاع لتمتعها بشعبية واسعة تفوق شعبية «فتح». وهذا ما حصل، إذ وقعت القيادات الفلسطينية في الفخ الصهيوني وحققت مآرب العدو. وبكل أسف، فإن بعض العرب والقوى الإقليمية شاركوا في هذه المؤامرة.

والمؤلم أن أمر التفتيت والتقسيم لم يقتصر على الإخوة الفلسطينيين وحسب، بل تعداه الى كل ركن من أركان العالم العربي والإسلامي، فيما اسرائيل والدول الطامعة تتسابق على تشجيع الخلافات ودعم الحركات الانفصالية وتأجيج نار الفتن الدينية والطائفية والمذهبية والعرقية. وما زلنا نتذكر ردود الفعل الدولية على الثورة الإيرانية بقيادة الإمام الراحل الخميني، وكيف عمدت، على رغم المواقف المعارضة المعلنة بالحذر أو بالعداء، الى تعميق شقة الخلاف مع الدول العربية، وخصوصاً دول الخليج، باعتبار ان ما جرى يشكل بداية لشق الصف الإسلامي ومنع وحدة المسلمين (بعد ترديد مزاعم خطر الإسلام على العالم وترديد بدعة الاسلاموفوبيا) وفتح جراح الفتنة السنّية - الشيعية الى الأبد، كما جاء في تقرير سري للكونغرس من الـ «سي آي إيه» كشف النقاب عنه أخيراً.

وسار المخطط كما هو مرسوم له، فتم تشجيع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين على خوض غمار الحرب ضد ايران والعمل بشتى الوسائل على إزكاء نارها. وفي المقابل، كشفت فضيحة «إيران غيت» عن خبث المتآمرين وخداعهم وانتهازية الإيرانيين من خلال إتمام صفقة أسلحة أميركية لإيران من طريق إسرائيل والمخفي أعظم!

وما نعاني منه الآن هو فصل من فصول المؤامرة الكبرى لتفتيت العرب التي بدأت قبل اكثر من أربعين عاماً مع الحرب الأهلية اللبنانية، التي لم تنته فصولاً بعد. ثم توالت الأحداث مع الاحتلال العراقي للكويت وما تبعه من غزو أميركي للعراق وترسيخ واقع التقسيم العرقي والمذهبي، ثم تقسيم السودان وتقسيم ما هو مقسّم في فلسطين، وصولاً الى اليمن وسورية وغيرهما من الدول المهددة بالتقسيم والحروب والفتن.

والأكثر إيلاماً هو ان أدوات التنفيذ تخرج من صفوفنا وتمارس أبشع ألوان الإرهاب والتعصب، ليحق علينا القول: «رب نجّني من أصدقائي، أما أعدائي فأنا كفيل بهم». ونرد بالدعاء: «ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا»، ونزيد بالجزم بأنهم ليسوا منا لأنهم يخدمون أهداف الأعداء.

وهناك ما شهدناه اخيراً من اعمال عنف وممارسات منفرة لـ «داعش» وغيرها والإعلان عن «خلافة إسلامية» وهمية او «إمارة» مزعومة لا مستند شرعياً لها ولا أسس واقعية لقيامها واستمرارها، ولا نتيجة لها سوى تأجيج نار الفتن ورفع مستوى العداء للعرب والمسلمين بخاصة بعد التعرض للإخوة المسيحيين.

في المقابل، توالت الحوادث لتصب الزيت على نار الفتنة المذهبية بعد مشاركة «حزب الله» وميليشيات شيعية عراقية في الحرب السورية والمعارك الأخيرة في العراق بين «الدواعش» والتكفيريين والميليشيات الشيعية، والتي زاد من حدة وقعها ما صرح به رئيس وزراء العراق المنتهية ولايته نوري المالكي من ان «هذا الصراع هو امتداد للحرب بين الإمام الحسين والخليفة الأموي يزيد بن معاوية». 

كل هذه الممارسات والأقوال لا نتيجة لها سوى تنفيذ مؤامرة التقسيم وخوض غمار حروب عبثية لا منتصر فيها ابداً، فالكل مهزوم والرابح الأكبر هو اسرائيل.

هذا ما تحقق بالعدوان الاسرائيلي الغاشم على أهلنا في غزة والجرائم الوحشية التي ارتكبت بحقهم لتبقى رمزاً للعار ممثلاً بإسرائيل التي ستنال عقابها عاجلاً او آجلاً مع ما يسمى بالمجتمع الدولي شاهد الزور والشيطان الأخرس، وصولاً الى المحاكم الدولية مع توقع تفاقم الصراع الداخلي تمهيداً لإسقاط حكومة المتطرفين بقيادة نتانياهو. فمهما كانت الأسباب فليس من حق احد ان يبرر ما ارتكبته اسرائيل من جرائم ضد المدنيين ومنهم مئات الأطفال والنساء الأبرياء، ومع الإقرار بأنها لم تحقق أهدافها. وفي المقابل لا بد من التشديد على ضرورة نزع الذرائع من يد العدو وعدم الإقدام على اي عمل يتيح له هذه الفرصة، فهناك فرق بين المقاومة والمقامرة ، كما ان الحذر واجب لمنع أي كان من جر المقاومة والشعب الفلسطيني الى فخ آخر من دون الإعداد المحكم وتوفير عوامل النجاح وتأمين الحماية والملاجئ ووسائل الصمود للمواطنين. وأي حديث عن انتصار او ما شابهه يعتبر مجرد كلام إعلامي يراد به رفع المعنويات وكسب المعركة السياسية لأن الخسائر كبيرة، على رغم الاعتراف بالثمن الباهظ الذي دفعه الإسرائيليون.

أما ما جرى أخيراً، فهو انجرار الى معركة أرادتها إسرائيل لتصفية الحسابات ومنع المصالحة ففشلت في اجزاء كثيرة منها، فيما دفع أهلنا في «غزة هاشم» ثمناً فادحاً من أرواح ودماء وثروات وطنية.

ويسأل هؤلاء اليوم عن المستقبل وعمن سيعوض عليهم، فغداً سيجرى تقديم بعض المساعدات من هنا وهناك، فإن وصلت فسيوضع نصفها في جيوب المتنفذين والمقربين كالعادة وما يبقى منها لن يكفي لسد رمق المنكوبين الذين لن يحصلوا إلا على الفتات. 

والسؤال الآن هو: ماذا بعد هذه الحرب العدوانية؟ والرد يكون باتخاذ خطوات عدة سريعة لإحباط أهدافها تبدأ بتأكيد التمسك بالمصالحة وإعادة توحيد الضفة والقطاع وتشكيل حكومة وحدة وطنية تواجه العدو وتخاطب العالم بحكمة وبموقف موحد، علماً ان الأجواء باتت مهيأة لسماع وجهة النظر الفلسطينية والتعاطف معها نتيجة انكشاف فظاعة العدوان وتصاعد موجات الاستنكار لدى الرأي العام العالمي.

والخطوة الثانية المطلوبة هي الإسراع بإعادة الإعمار وإسكان المشردين وإقامة بنى تحتية جديدة وبناء اقتصاد يتماشى مع المستجدات ويضرب أسس الفساد. اما على الصعيد العربي فلا بد من السير بخطين متوازيين: تقديم مساعدات عاجلة للشعب الفلسطيني لينهض من جديد ويصمد في وجه اسرائيل ثم إعادة تكوين موقف عربي موحد يواجه العالم بالحقائق الدامغة ويحذر من مغبة عـــدم الإسراع بإيجاد حل عادل وشامل مع ضرورة التمسك بمبادرة خادم الحرمين الشريفين (مشروع السلام العربي) والاستجابة لندائه التاريخي الأخير لمواجهة الخطرين: خطــــر العدوان الاسرائيلي وخطر الإرهاب. فقد أراد الملك عبــدالله بن عبدالعزيز وضع العالم كله امام مسؤولياته لمواجهتهما قبل فوات الأوان حين يتحول النداء الى تحذير وإنذار وإفهام الدول الكبرى بوجوب أخذ العبر مما جرى والعمل بسرعة على فرض السلام العادل ليس من اجل المنطقة وحسب، بل من اجل حماية مصالحها، فالبديل «تسونامي» هائل سيجرفها ويهدد أمنها.

وتبقى اسرائيل التي تدّعي الانتصار، وهي مهزومة مهما تعنتت، ليس بعدد قتلاها وجرحاها وحسب، بل بخسائرها الاقتصادية والمعنوية والسياسية. وأي عاقل لا بد من ان يدرك ان النتائج يجب ان تتحول الى قناعة بأن السلام هو الحل لا الحرب. فهل ستتعلم إسرائيل من الدروس لتتأكد من أن العنف يولّد العنف، وأن مضيها في استخدام القوة سيؤدي بها الى الهاوية؟ والأهم من كل ذلك ان حلم إقامة دولة يهودية سقط مهما راهنت على ما يجري في بعض الدول العربية من حروب وصراعات وفتن. وسيسقط أيضاً ما تعول عليه من إقامة «خلافة» أو إمارة إسلامية هنا وهناك ومن دعوات لإقامة دويلات مذهبية او عرقية وتفتيت لبعض الدول، لأن من يقود هذه المؤامرات مآله الفشل بعد ان انكشفت أعماله كمبرر لدعوات اسرائيل الباطلة.

فالباطل سيزهق والحق سينتصر مهما طال الزمن، مع ان الثمن سيكون فادحاً من الدم والأرواح والبشر والحجر. ومع هذا، فإن الليل لا بد من ان ينجلي ولا بد لقيد إسرائيل من ان ينكسر.

 

 

*نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان