رئيس التحرير: عادل صبري 06:10 صباحاً | الجمعة 21 سبتمبر 2018 م | 10 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

قواعد لعبة "الأسد" السياسية: رؤية من الداخل

قواعد لعبة الأسد السياسية: رؤية من الداخل

مقالات مختارة

المترجمة: ماندى فهمى

قواعد لعبة "الأسد" السياسية: رؤية من الداخل

الكاتب: بسام برابندي ترجمة :ماندي فهمي 05 أغسطس 2014 15:12

في وقت مبكر من حياتي المهنية كديبلوماسي سوري، تعلمت أن أحترم التخطيط الاستراتيجي لعائلة الأسد. لدى ذكرى واضحة تعود إلى عام 2007 أثناء زيارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لسوريا. أتذكر جلوسي وراء مرآة ذات اتجاهين في غرفة مجاورة لقاعة الولائم بفندق الفورسيزونز بدمشق. جلسنا، محمد نصيف -نائب الرئيس- وأنا، في غرفة صغيرة نشاهد حفل الاستقبال الذي حضره الوزراء السوريون ونظراؤهم العراقيون. كتبنا الملاحظات وراقبنا التفاعلات بين الحضور، وأرسلنا الرسائل لمقاطعة الأحاديث وتغيير ديناميكيات الغرفة. أدركت وقتها، بينما كنت أنا ونصيف نكتب الملاحظات عن كل حديث صغير وكل لفتة عابرة، أدركت أن نظام الأسد لا يغفل أي تفصيل مهما كان صغيرا. هناك دائما خطة، ولا يتم أبدا تفويت الفرص، ولا توجد أية حوادث. لا يعد صعود داعش استثناء لهذه القاعدة.

فدور داعش في سوريا منسجم مع الخطة التي خدمت الأسد في عدة مناسبات: عند ظهور أزمة ما، يدفع الأسد خصومه لقضاء أطول وقت ممكن في تطوير استجابتهم. وبينما يقوم بتنفيذ مثل هذه المماطلات الديبلوماسية، يغرق خصومه بسيل من الأزمات المصممة من أجل تشتيت انتباههم بعيدا عن جرائم الحكومة السورية. ويعد الإرهاب أداة التشتيت المفضلة لديه، حيث يظهر الأسد باعتباره القوة اللازمة لاحتوائه. وفي غضون ذلك، ينسى الناس الأحداث الأولى في خضم الأحداث العالمية.

استخدم الأسد هذا الأسلوب لحماية نفسه بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري. اتخذ زملائي خطوات لكي يظهروا بمظهر المتعاونين بينما في الحقيقة هم يماطلون التحقيقات. وحين كانت المحكمة تطلب المحكمة أي وثائق، كانت الحكومة ترسل تلالا من المعلومات. وحين كان موظفو المحكمة يخططون للزيارة، أرسلت الحكومة لهم عدد لا حصر له من التوضيحات بخصوص تفاصيل دقيقة، مما حول مسار الخطط في آخر لحظة وأدى إلى عرقلة العملية. وفي نفس الوقت، استخدم الأسد وكيل الإرهاب حزب الله لتأجيج التوترات الطائفية في لبنان. كما استمر الأسد أيضا في تيسير تدفق المحاربين السنة إلى العراق. هذه الخطوات حولت الاهتمام الدولي نحو مسألة استقرار الجيران، وجعلت العالم ينظر إلى حكومة الأسد باعتبارها قوة لتحقيق الاستقرار في المنطقة بالرغم من كونها مصدر للمشاكل. وهكذا تلاشت المحاسبة على المؤامرة التي أدوت بحياة الحريري.

وقد طور الأسد نسخة من هذا الأسلوب بعد التظاهرات السلمية التي ملأت الشوارع مطالبة بالحرية والإصلاح في عام 2011. فبعد أن درس أقرب مستشاريه انتفاضات الربيع العربي في مصر وتونس وليبيا واليمن بهدف التوصل إلى نهج يحمي النظام، استنتجت هذه المجموعة الصغيرة من النخبة السياسية أن إعطاء أي تنازلات ذات معنى للمعارضين السلميين يمكنه أن يعجل بانهيار النظام. وقرر المستشارون عدم إقرار أية إصلاحات من شأنها أن تضعف قبضة الأسد على السلطة. وكان الأسد قد تعلم من الحالة الليبية أن اللجوء المتسرع إلى المذابح، أو التلويح بها، يمكنه أن يجتذب التدخل من قوات حلف الناتو، في حين أن الرفع البطئ لوتيرة العنف ضد المعارضين كان الأرجح أن يمر دون ردع. كان الأسد بحاجة إلى اتخاذ خطوات من شأنها أن تستغرق الوقت بينما يعمل على إثبات أنه لا غنى له سواء للمجتمع الدولي أو للسورين الذين يخشون انتقام الأغلبية السنية.

لتحقيق هذه الأهداف، بدأ الأسد بتغيير السرد عن الثورة السورية الوليدة إلى الطائفية بدلا من الإصلاح. ثم عزز وجود المتطرفين في سوريا إلى جانب النشطاء. علاوة على ذلك، قام بتيسير دخول المقاتلين المتطرفين إلى سوريا لتهديد الاستقرار في المنطقة. وأخيرا، تم استغلال أية جهود لقتل الوقت بحماس على مدار الساعة، مثل صفقة الأسلحة الكيماوية، والتنفيذ البطئ لها، وعملية جنيف. وقد سمح الشلل الدولي الناتج عن ذلك للأسد بتقديم نفسه باعتباره حليف في الحرب على الإرهاب، مانحا نفسه ترخيص بسحق المدنيين دون عقاب. ظهرت الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) بعتبارها واحدة من الحقائق التي تم إنشاؤها لضمان بقاء الأسد، بينما سعى هو ومساندوه الإيرانيون لتأطير هذا الصراع كقضية طائفية إقليمية، مع الخيارات الكلاسيكية المتمثلة في القوة العسكرية مقابل المتطرفين السنة.

في وقت مبكر من الانتفاضة كنت أعمل في واشنطن. وقد سعت الرسائل العامة لنظام الأسد إلى إعطاء الانطباع بأن الثوار السوريين يطمحون إلى القضاء على الأقليات غير السنية. حتى ونحن نتلقى التقارير الخارجية التي تفيد بأن الحكومة قتلت حوالي 250 شخصا في درعا، اتصل نائب وزير الخارجية فيصل مقداد لطمأنتي أنا والسفير أنه لم يتعرض أحد للقتل، بل هو سوء تفاهم طائفي قامت الحكومة بحله. وحال تحول الاضطرابات إلى نزاع مسلح، أدى خيار الأسد لحلفائه إلى تأجيج الطائفية. فقد ساعد اختياره لحزب الله والحرس الجمهوري الإيراني - قوات شيعية في الأساس- على تسليط المزيد من الضوء على السرد الطائفي الذي روج له الأسد. الآن تحول الصراع إلى حرب إقليمية بالوكالة. وهذا هو بالضبط ما أراد الأسد تحقيقه وهو ما يخلق ديناميكية يمكن للغرب أن يستبعد التدخل فيها إما لأنها مفرطة في التعقيد أو لأنها متنافرة مع مصالحه.

شملت خطة الأسد أيضا السماح للجماعات السنية المتطرفة بالنمو والسفر بحرية بهدف تعقيد أي دعم غربي لمعارضيه. وقد رعى نظام الأسد وإيران صعود القاعدة، ثم داعش، في سوريا بمنتهى الاهتمام. في خطاب ألقاه في مارس 2011 مخاطبا التظاهرات، ادعى الأسد وجود مؤامرة إرهابية دولية تسعى لإسقاط حكومته. وفي أثناء ذلك، قام الأسد بإطلاق سراح متطرفين -كانوا قد اكتسبوا صلابة في المعارك لكن لم تكن لهم صلة بالانتفاضات- من سجن صيدنايا سئ السمعة. وقد مضى هؤلاء المقاتلين قدما لقيادة الجماعات المتشددة مثل داعش وجبهة النصرة التابعة للقاعدة.

وبالتزامن مع إطلاق سراح الإرهابيين، قام الأسد بسجن آلاف من النشطاء السلميين المؤيدين للإصلاح من خلفيات متنوعة، ولايزال الكثير منهم يقبع في سجون الحكومة. وقد هدفت هذه الجهود، إلى جانب القصف المستمر بلا هوادة، والتعذيب، وحملات الأسلحة الكيماوية، إلى إخراس المدنيين أو قتلهم أو تشريدهم بحيث يحتل المتطرفون مكانهم. وكان الأسد حريصا على عدم أخذ أي خطوات لمهاجمة داعش أثناء نمو قوتها ونفوذها.

ويعد إعلان خلافة داعش عامل مفيد للغاية في استنزاف الوقت وتشتيت اهتمام العالم بعيدا عن الدمار الذي يرتكبه الأسد ضد المجتمع السوري. الآن وقد نضجت داعش تماما، يقدم نظام الأسد وإيران نفسيهما كشركاء للولايات المتحدة. يضرب الأسد داعش للمرة الأولى في الرقة وداخل العراق، في حصاد شرير لبذور الإرهاب التي زرعها من أجل القضاء على حركة الإصلاح التي يقودها المدنيون. وسيستمر الأسد في إظهار نفسه على أنه مفيد عن طريق عرض القيام الضربات الجوية المتقطعة وتقديم المعلومات بخصوص المقاتلين المطلق سراحهم من السجن والمعلومات المخابراتية.

لقد أعطى صعود داعش في العراق وأحداث غزة وأوكرانيا لحرب الأسد موقعا آمنا خارح العناوين الرئيسية. مرة أخرى، أصبح العالم مقتنعا بأن لديه أولويات أهم وقد يصل مرة أخرى إلى فكرة تقبل الأسد بالرغم من مشكلاته كديكتاتور يخدم الاستقرار في منطقة مضطربة. في مأمن من المراقبة العامة، يمكن للأسد أن يعود إلى غرفته الخفية، والتلاعب بمختلف الأطراف. كم سيخدم تنسيق الولايات المتحدة مع روسيا وإيران وحزب الله، أو دخول حكومة الأسد المعركة ضد داعش، خطة الأسد بصورة مباشرة حيث سيثبت للأسد مرة أخرى نجاح تلاعبه بالوقت والإرهاب.

[i] رابط المقال الأصلي:

http://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/inside-assad-s-playbook-time-and-terror#.U9AVhi5hN19.facebook

[ii] عمل بسام برابندي كديبلوماسي لعدة عقود في وزارة الخارجية السورية. وأثناء عمله داخل العالم الانعزالي بصورة لا تصدق لمسئولي نظام الأسد، توصل برابندي لفهم كيف يفكر النظام، ومع الوقت تقاسم هذه الأفكار مع المسئولين الأمريكيين. ونظرا لكارثية وعدم جدوى السياسة التي وظفتها الولايات المتحدة في سوريا، قرر برابندي الآن إعلان أفكاره حول الأزمة على الملأ، وخاصة فيما يتعلق بتلاعب الأسد بتصورات الصراع في الضمير العالمي. نتج هذا المقال عن المناقشات التي دارت بين برابندني وتايلر جيس ثومبسون، المحامي الدولي ومدير السياسات في حركة "متحدون من أجل سوريا حرة"

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان