رئيس التحرير: عادل صبري 02:59 مساءً | الأحد 23 سبتمبر 2018 م | 12 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

غزة على طاولة الشباب المصري... تعاطف مع القضية لا مع ممثليها

غزة على طاولة الشباب المصري... تعاطف مع القضية لا مع ممثليها

مقالات مختارة

أمينة خيري

غزة على طاولة الشباب المصري... تعاطف مع القضية لا مع ممثليها

القاهرة – أمينة خيري 04 أغسطس 2014 17:04

لم يكن الموقف ملتبساً قدر التباسه اليوم، ولم يكن الوضع حرجاً، بقدر ما هو محرج حالياً، ولم يحدث أن سأل شباب مصر أنفسهم أو راجعوا مواقفهم أو ناقشوا قناعاتهم كما يفعلون هذه الآونة. فالمُسَلَمات لم تخضع يوماً للمراجعات، والموروث المؤكد لم يعرف يوماً النقاش أو الغربلة أو مجرد الشك.

 

«لو فتحتم قلبي ستجدوا فلسطين فيه، لكن ما جرى لنا وبنا ليس قليلاً. وعلى رغم ذلك، فإن كراهيتي لإسرائيل تتفاقم، وتعاطفي مع القضية يتزايد، لكن القضية لم تعد وحدة واحدة، ومن يمثلونها لم يعودوا طرفاً واحداً متجانساً مترابطاً». يوسف منصور (25 سنة) شاب جامعي يفخر بمشاركته في تظاهرات جامعية وقوافل خيرية لمساندة غزة وأهلها وقت عملية «الرصاص المصبوب» في 2009. يتذكر كيف أنه بكى أثناء متابعة مشاهد القصف والدمار، وغضب للمواقف العربية المتكاسلة والمتهاونة رداً على العدوان الإسرائيلي، ولم يأل جهداً في المشاركة بالوقت والجهد لمساندة فلسطين وشعبها في غزة طيلة السنوات الماضية. لكنه في الوقت نفسه يقر ويعترف بأن مشاعره تداخلت، وغضبه زاد، والتباسه وصل إلى أقصاه هذه المرة مع عملية «الجرف الصامد». يقول الشاب إن تعاطفه لم يتغير، ويبدي استعداده للمشاركة في أية أعمال إغاثية، لكنه لم يعد ينظر إلى ما يجري في غزة النظرة نفسها التي كان ينظر بها إليها قبل عام، وربما عامين.

 

منصور ليس وحده بين كثيرين من الشباب الذين فوجئوا بأنفسهم وقد تجاذبتهم أفكار جديدة ومراجعات، وتفنيدات وتحليلات جنباً إلى جنب مع التعاطف والتضامن مع المدنيين العزل.

 

أسماء وديع (24 سنة) وضعت الكوفية الفلسطينية طيلة أيام العيد استجابة لدعوة «ارتدي كوفية فلسطينية في العيد» تضامناً مع غزة وأهلها، لكنها تقول: «لست ممن يخشون المجاهرة بالحقيقة، حتى وإن كانت مرة. أكره إسرائيل، وأعشق فلسطين وأهلها. والحقيقة إنني نشأت على أن الفلسطينيين كيان واحد على رغم اختلاف مكوناته، مأساته واحدة وماضيه واحد ومستقبله واحد. لكن ما نشأت عليه تضارب ومجريات الأمور في مصر على مدى سنوات ما بعد ثورة يناير 2011 التي شاركت فيها». تطرقت وديع إلى ما يتجنب كثيرون قوله. «حماس» عادت المصريين من غير الإخوان، واستقوت بالجماعة على حساب الشعب، واختارت أن تتدخل في سياسة مصر الداخلية فساهمت في الاستقطاب، وشاركت في شق الصف المصري، وهو ما دفع قطاعاً عريضاً من المصريين إلى مراجعة موقفهم من السياسة الفلسطينية، وليس الشعب الفلسطيني.

 

وتقول: «مثلي مثل غالبية أبناء جيلي تربيت على أن حماس هي المقاومة العربية في وجه إسرائيل الغاشمة، لكني صدمت حين قبلت المقاومة العربية على نفسها أن ترفع شارة «رابعة» الإخوانية في قطاع غزة لتعلن صراحة إنها تناصر الجماعة الإخوانية في حربها ضد الشعب المصري. كانت صدمة ما زلت غير قادرة على التعامل معها».

 

التعامل مع «حماس» والفصل بينها وبين القضية الفلسطينية أمر بالغ الصعوبة للأجيال الشابة في مصر. لكن الوضع يختلف بالنسبة إلى الأجيال الأكبر سناً، بحسب ما يؤكد والد أسماء وديع المنسي (54 سنة). فتلك أجيال نشأت وكبرت على «القضية الفلسطينية» وليست «غزة دوناً عن بقية فلسطين»، وعلى «القيادة الفلسطينية» وليس «القيادتين الفلسطينيتين» وربما أكثر. ويضيف: «العرب في مأزق حقيقي، والأجيال الشابة لا حول لها أو قوة. كتب التاريخ في المدارس، وحكايات الأجداد والآباء، والعرف والعادات والتقاليد والحكايات والأفلام خرجت أجيالاً يحمل مخـــزونها الفـــكري كلمات «فلسطين» و»ياسر عرفات» و»الفلسطينيين» و»القضية»، وفوجئت الــــيوم بـ «غزة» و»الضفة»، و»مشعل» و»هنــية» و»أبـــــو مرزوق» و»أبو مازن» و»كتائب القسام» وغيرها، وقلما يتطرق أي من هذه الأطراف إلى كلمة «فلسطين»، فضاعت القضية الأصلية في انشقاقات أصحابها الداخلية».

 

المشكلات المصرية الداخلية منذ «ثورة يناير»، وموجات ركوب الثورة من جهة وسلسلة المؤامرات التي تاهت معالمها وملامحها بين الحقيقة والوهم، وانكشاف وجه جماعة الإخوان المسلمين ورفع الستار عن حلفائها في الداخل والخارج لم تلق بظلال فقط على الشأن المصري الداخلي، بل امتدت هذه الظلال إلى الشأن الفلسطيني الذي فوجئ المصريون بضلوعه – أو جانب منه- في صميم حياتهم.

 

يقول عمر منصور (22 سنة) أنه ظل يقاوم ما كان يتردد حوله من أن فصائل فلسطينية تتدخل في الشأن المصري محاولة دعم سيطرة جماعة الإخوان على مصر، إلا أن شارة «رابعة» التي تم رفعها في عروض عسكرية لكتائب عز الدين القسام و»حماس» في غزة غيرت موازين الأمور لديه تجاه قيادات غزة، وإن كان تعاطفه مع أهلها لا يتزعزع.

 

زعزعة ثقة الشباب في معاني المقاومة، والغاية من حمل السلاح، والغرض من إلهاب حماسة الشعوب، والمراد من الفصل بين غزة وفلسطين، وأسباب غياب فلسطين والاكتفاء بغزة، والمغزى من الزج بالجيش المصري وحده دوناً عن بقية جيوش المنطقة في القضية الفلسطينية أسئلة وأطروحات تفرض نفسها هذه الآونة في الجلسات المصرية الشبابية. فمن وجهة نظر إنسانية وعربية، الغالبية المطلقة متعاطفة كل التعاطف مع غزة وأهلها، لكن أسئلة جدلية وأطروحات ومراجعات تظهر للمرة الأولى معلنة توجه فريد وجديد لرأي عام شبابي تجاه الواقع العربي، لكنه هذه المرة رأي عام لا يوجهه الإعلام، ولا تحدده مناهج الدراسة، ولا تهمين عليه قيادات سياسية أو تجارة دينية.

 

المؤشرات الأولية تؤكد أن توجهاً مصرياً شبابياً للفصل بين الشعوب والقيادات، وبين السياسة والدين، وبين الوحشية والإنسانية يوشك على البزوغ. إنها غزة على طاولة الشباب المصري.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان