رئيس التحرير: عادل صبري 06:54 صباحاً | الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م | 08 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

حرب غزة: أسئلة أكثر من الأجوبة

حرب غزة: أسئلة أكثر من الأجوبة

جميل مطر 04 أغسطس 2014 07:07

باقية معنا، خلال ما تبقى من أيام وأسابيع الاقتتال بين إسرائيل وغزة، وربما لشهور وسنوات بعد توقف هذه الحرب، أسئلة لا أظن أننا سنجد لها إجابات شافية. هنا في مصر، سألنا ونسأل ولن نتوقف عن السؤال، عن الموقف الرسمي المصري من هذه الحرب. السؤال بالتحديد يتعلق بما خفي عنا من معلومات، وأسباب هذا الإخفاء أو الاختفاء. نسأل بأمل أن يتولى غيرنا في المستقبل تحليل هذه المعلومات الخافية عنا ومحاسبة من أخطأ والثناء على من أصاب. الظواهر تقلل من أهمية عنصر انتماء حركة «حماس» لتنظيم «الإخوان المسلمين» وتبرز أهمية صراعات توازن القوى الإقليمية. الظواهر تشير أيضاً إلى فرصة خلقتها أو ساعدت في نشأتها ثورات الربيع ولا تريد قوى دولية أن تضيع منها.

يسألون في العواصم العربية كافة، يسألون ونسأل معهم عن موقف الشعوب أكثر مما يسألون عن موقف الحكومات. لا يسألون عن موقف الحكومات، فقد أعلنته بسكوتها المريض أو بكلماتها العرجاء التي ألقاها وزراؤها ومندوبوها في اجتماعات مجلس جامعة الدول العربية. لا نسأل عن المواقف، فالمواقف معلنة بالصمت أو بالمراوغة أو بالكذب الصريح، ولكننا نسأل عن أسباب هذه المواقف.

نسأل أيضاً عن أفعال الشعوب، أو قل، ردود الفعل في الشارع، مقارنة بردود فعل مماثلة في حروب وصدامات سابقة بين العدو الإسرائيلي والمقاومة العربية، فإذا جاءت الإجابة بأن شيئاً لا بد أنه تغير، فما هو هذا الشيء؟ وما حجم التغير الذي طرأ عليه؟ وهل هو من نوع التحول القاطع والجذري الذي ينقل أمة أو شعباً من مستوى في التصنيف بين غيرها من الأمم إلى مستوى آخر، ومن نوعية من البشر إلى نوعية أخرى. أغلب الظن أنها ستجد مؤرخاً يعتبر الردود الراهنة دليل الوقوع في براثن حالة «غيبوبة» عابرة مرت بها أمم من قبلنا، لها أسبابها ودوافعها وظروفها. لا شك عندي في أن خيبات الأمل العظمى قادرة على أن تفعل ببعض شعوبنا ما فعلته بأمم أسبق وأكبر. أم لعله الغضب الذي حاولت كبته أو تعديل مساراته أو تسليطه على أهداف أخرى حكومات عربية عدة في مراحل متتالية من ثورات الربيع.

لا تغيب عنا ظاهرة أخرى، وهي أن تطوراً «ثقافياً واجتماعياً» له أهميته القصوى وقع في المنطقة العربية خصوصاً والعالم الإسلامي عموماً خلال السنوات الأخيرة. يتعلق التطور بقضية اختلال التوازن بين الهويات. عشنا مرحلة، بل عقوداً، كانت الهويات «الأعلى» تقف بمثابة السقف الذي اعتبره الإنسان العربي حماية له ولطموحاته يكتـــسب منـها كـــبرياء وثقة. اطمأن إلى هذا السقف سواء تعامـــل مـــعه كهـــوية قومية أم إسلامية. تحت هذا السقف اكتسبت الهوية الوطنية القطرية زخماً مستندة إلى سقف آمن مستقر، ولم تجد تناقضاً إذ استطاعت حركات الاستقلال الوطني الاستفادة من الحشد الذي اعتمدت عليه القضايا القومية، وفي أحيان أخرى استفادت من حملات التنوير والإصلاح الديني. تلاقت الهويات الثلاث في وئام وانسجام معقولين.

فجأة هبط السقف. ليس المهم الآن كيف ولماذا هبط. المهم أنه هبط بكل ثقله فوق الكيانات القطرية. الأمر الكارثي هو في أن هبوطه كشف عن الضعف الرهيب للهوية القطرية في أغلب بلدان المنطقة. انكشف الضعف خاصة حين اختلطت الأجزاء المتناثرة من السقف المتساقط بأجزاء هويات أكثرها لم يكن يرى بالعين الاجتماعية المجردة.

وسط هذا الركام من مخلفات وكسور كيانات قطرية هالكة، تاهت «المكونات الجامعة» أو توارت، مكونات من نوع القضايا القومية، وأحلام المصير المشترك، والتوحد تحت شعارات وعقيدة الدين الأسمى، والأمة الواحدة، والعدو المشترك، والخصائص المثالية وروح التضامن والتعاطف. حلت محلها هويات بائسة وفصائل تبث الكره والضغينة. وتؤكد أولوية الفئة والعشيرة وتقدس ممارسة الحرب ضد أبناء الدين الواحد، وأبناء الوطن الواحد، وأبناء المذهب الواحد، ويستبعد، بل لعله يحرم كما رأينا وسمعنا في الأيام الأخيرة، ممارسة العنف ضد الأجانب، استعماريين كانوا أم مستوطنين أم أعداء للعرب.

 

***

باقية أيضاً أسئلة عن أميركا، بعضها معتاد ونعرف سلفاً إجاباته منذ اليوم الأول لحرب الغزاة الإسرائيليين ضد العرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً، أي منذ أكثر من سبعين عاماً. أسباب الموقف الأميركي لا تخفى. تبدأ من نقطة المشاعر العنصرية المختلفة من عصر الاستعمار الأوروبي للشعوب الملونة، وهذه وإن تغيرت شيئاً ما مع الوقت في الخطاب الرسمي الأميركي والأوروبي، إلا أنها تعود لتطل من وراء سياسات ثابتة استمرت من دون تطوير أو تجميل. هناك مثلاً السؤال عن الارتماء المتزايد لصانعي السياسة في أميركا تحت أقدام إسرائيل وجماعات الضغط الصهيونية. سمعنا من يحاول تفسير هذا الارتماء المتزايد بالضعف المتزايد في النفوذ الدولي الأميركي، وذهابه إلى حد ربطه بالضعف المتزايد في هياكل الحكم في الولايات المتحدة، وبخاصة ما يتعلق بالعلاقة بين البيت الأبيض، وبخاصة شخص الرئيس، من ناحية، والكونغرس وجماعات الضغط المختلفة والرأي العام من جهة أخرى.

لم يكن متصوراً أن تبوء بالفشل مهمة جون كيري التي كان مقرراً أن تكتمل في نيسان (أبريل) الماضي باتفاق فلسطيني - إسرائيلي نهائي. لم يكن الفشل متصوراً بالنظر إلى الأرصدة السياسية الهائلة التي خصصتها إدارة الرئيس أوباما لنجاحها، والتعبئة الدولية التي حشدتها لها، والحملات الإعلامية المنظمة التي صاحبتها، والثمن، وكان باهظاً أحياناً، الذي دفعته أميركا لضبط اصطفاف الحكومات العربية لتكون في خدمة هذه المفاوضات على امتداد شهور عديدة. باءت المهمة بالفشل، بل ووصلت نتائج الفشل إلى درجة ساهمت، كما هو واضح لنا الآن، مساهمة مباشرة في إعداد إسرائيل لحرب جديدة في غزة، وإلى درجة سمحت للإعلام الإسرائيلي ورئيس الحكومة الإسرائيلية بالتهجم على جون كيري وزير الخارجية، بل وتعمدهما إهانة رئيس الجمهورية الأميركية أكثر من مرة، قبل وخلال حرب غزة.

كثيرون حاولوا في مناسبات أخرى الإجابة عن الأسئلة المعقدة المتعلقة بالعلاقة بين إدارة أوباما وإدارة نتانياهو. عقد أحد الصحافيين الإسرائيليين ويدعي شيمي شاليف على صفحات «هآرتس» مقارنة بين عهدي رونالد ريغان وباراك أوباما. قال عن أوباما أنه لو تعامل مع إسرائيل بالأسلوب الذي تعامل به الرئيس ريغان معها لقام الكونغرس بإحالته للمحاكمة وربما عزله. يقول إنه في عهد ريغان كان منصب الرئيس والرئيس نفسه أقوى من الكونغرس، بينما في عهد أوباما لم يعد لمنصب الرئيس القوة التي كانت له فضلاً عن أن الرئيس نفسه أي باراك أوباما أضعف من الكونغرس. فما بالنا وكلاهما ضعيف أصلاً وعاجز عن تحقيق إنجازات حقيقية مهمة. رئيس محل انتقاد لأنه لا ينجز على مستوى العالم الخارجي ومتهم بالمسؤولية عن تراجع المكانة الأميركية وسوء إدارة صراعاته الخارجية وبخاصة مع روسيا والصين والشرق الأوسط والإرهاب. على الناحية الأخرى سلطة تشريعية، أي الكونغرس بمجلسيه، متهمة بالكسل والفساد والتخبط وسوء الأداء. بمعنى آخر الواقع يقول إن طرفي هيكل الحكم في أميركا يعانيان من ضعف وسوء أداء، وإن هذا الضعف ينعكس على المجتمع الدولي بأسره وعلي تدهور صراعاته، ومنها هذا الصراع بين غزة وإسرائيل ومنها أيضاً صراع الغرب مع روسيا على أوكرانيا، ومنها كذلك «الانفجار الكبير» الحادث على امتداد الشرق الأوسط، بكل ما يحمله من احتمالات كارثية على المنطقة وعلى الأمن العالمي. يطرح هذا الواقع سؤالاً فرعياً يلح في البحث عن إجابة. نسأل ويسألون في كل مكان عن الأشد ضعفاً بين طرفين كلاهما ضعيف: أهي أميركا أم أوباما؟

ثلاثون عاماً أو أكثر قليلاً تفصل بين العهدين، وهي فترة ليست بالطويلة عندما توضع في الإطار التاريخي لتطور الأمم، ومع ذلك يبقى الاعتقاد سائداً أنها فترة لا تقل أهمية عن فترة الأربعين عاماً التي شهدت الصعود الصاروخي لأميركا قوة ونفوذاً وهيمنة، وهي الفترة الممتدة من بدايات الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية عصر ريغان. في تلك الفترة حققت أميركا تقدماً تكنولوجياً وصناعياً فائقاً وحققت لشعبها مستوى معيشة أرفع من معظم شعوب الدنيا، وتولت حكومتها إدارة أطول حرب باردة بمهارة ديبلوماسية وعسكرية، وهي الحرب التي انتهت بإتاحة فرصة لم تكتمل لإدارات ما بعد ريغان، لتتولى الولايات المتحدة مهمة قيادة العالم منفردة.

 

***

الأسئلة كثيرة وتزداد مع الوقت عدداً وتعقيداً. أسئلة عن فرص التعايش في المستقبل بين تنظيم «داعش» وإسرائيل وأسئلة عن تجاهل كل منهما للآخر رغم اقترابهما المتزايد من بعضهما البعض، أسئلة عن مصر وعن الجزيرة العربية وعن الجوار القريب والجوار البعيد، أسئلة عن مصير كل ما هو أصيل وطارئ وكل ما هو ثابت ومتحرك في هذا الجزء من العالم.

 

* نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان