رئيس التحرير: عادل صبري 04:03 مساءً | الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م | 12 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

أزمة الإخوان الداخلية (رؤية من الداخل)

أزمة الإخوان الداخلية (رؤية من الداخل)

د.أحمد البيلى 03 أغسطس 2014 18:51

لاشك أن الإنقلاب العسكرى أحدث هزة كبيرة لدى المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين ولدى مؤيديها والإلقاء باللوم شديد على القيادات التى كانت تقود المرحلة إبان فترة حكم د/مرسى ، ومابعدها فى إدارة حراك ثورى متصاعد وقوى ، مما ينبئ عن أن هناك أزمة داخلية فعلا تستحق الدراسة والتقويم ..

الإخوان – كتكتل شعبى جماعى منظم – كانت مؤهلة بشكل كبير لأن تقود المشهد الثورى بعد 25 يناير ونجحت فى ذلك نجاحا كبيرا شهد به الجميع ، لكنها أخفقت بعد ذلك فى إدارة الدولة الجديدة والوقوف أمام العسكر والدولة العميقة التى تركها مبارك ، مما كشف عن عورة الجماعة وجعلها فى حالة تحدى للوقوف بصدق مع نفسها ومراجعة ما أخطأت فيه ..

إن أزمة الجماعة بشكل أساسى فى عدم قدرتها حتى الآن على تطوير نظمها الإدارية وتحولها- كجماعة مدنية نجحت فى العمل الجماعى المنظم بشكل كبير- من العمل الجماعى البسيط إلى العمل الجماعى المؤسسى المعقد الذى يتناسب مع إدارة الدولة الحديثة ..

المؤسسية فى أحد تعريفاتها : «كل تجمع منظَّم يهدف إلى تحسين الأداء وفعالية العمل لبلوغ أهداف محددة، ويقوم بتوزيع العمل على لجان كبيرة ، وفِرَق عمل ، وإدارات متخصصة (علمية ودعوية واجتماعية) ؛ بحيث تكون لها المرجعية وحرية اتخاذ القرارات، كلٌّ في دائرة اختصاصاته» وفى تعريف آخر “تحقيق الجودة الشاملة للمؤسسة من خلال مجموعة القواعد والشروط المحددة لبنيتها التنظيمية وامكانيتهاالبشرية والمادية” ومن ينتمى لجماعة الإخوان ويعيش داخلها يفهم مدى افتقار الجماعة إلى هذا المعنى لتطوير نظمها الإدارية فى إدارة العمل الجماعى فى كثير من وحداتها ..

المشكلة إذا مشكلة إدارية ، وليست تربوية أو أخلاقية أو تكوينية كما يظن البعض ، وإلا لما صمدت الجماعة فى وجه الأزمات ولعانت من كثير من التصدعات والتشققات ..

يحاول البعض أن يصور المشكلة على أنها دولة عميقة أو أنها مشكلة تربوية أو أزمة فكرية ، ولكن كل هؤلاء يرونها من زاوية ضيقة ، ربما تكون موجودة لكنها لا تنطلى على جسم التنظيم ككل ..

ظاهرة “الإكس إخوان” هى أحد أهم الظواهر الناتجة عن عدم التطوير الإدارى وتفعيل العمل الجماعى المؤسسى ، وهى مجموعات لديها طاقات عالية عجز العمل الجماعى البسيط عن استيعابها ، وبالتالى تهرب هذه الطاقات إلى كيانات أو مؤسسات تستوعبها ، أو تكون لنفسها مجموعات مستقلة متحررة تحاول من خلالها أن تعيش العمل الجماعى كما تريد هى ..

الجيل الجديد يمتلك الأدوات الحديثة التى تكسبة السرعة فى التفكير والمعالجة أكثر من الجيل القديم الذى انشغل بالأمور التنظيمية عن تحديث أدواته ، وفوجئ بامتلاك الشباب لها ، وهذا أمر طبيعى جدا فى تطور الأجيال إلا أنه عمق الأزمة الإدارية داخل التنظيم ، لأنه فى النهاية يعتمد التطوير الإدارى على شقين : الخبرات المتراكمة وأدوات المعالجة ، فالكبار يمتلكون الخبرات والشباب يمتلكون الأدوات الحديثة ، مما خلق حالة أشبه بالتنازع والصراع من أجل امتلاك القدرة على الخروج من الأزمة الراهنة ..

الكبار محقون فى أنهم يمتلكون الخبرات التى لا يتصورون تطوير إدارى بدونها ، والشباب كذلك محقون فى أنهم يمتلكون الأدوات الحديثة التى لا يتصورون تطوير إدارى بدونها !!

لعل بداية هذا النزاع الجيلى كانت فى عام 2006 م حينما اتخذت قيادة الجماعة قرارا جريئا وقويا بإجراء انتخابات داخلية بصورة الانتخاب القاعدى – فيه تنتخب المستويات الإدارية الأدنى المستويات الإدارية الأعلى – بدلا من الانتخاب القمى المعهود – وفيه تنتخب المستويات الإدارية الأعلى المستويات الأدنى – ورغم أن النتائج لم تكن مرضية ولم تحقق صعود كفاءات جديدة إلا بنسبة ضئيلة جدا ، وذلك يرجع وقتها لحالة التضييق الأمنى التى كانت مفروضة على التنظيم منذ سنوات ومسارات العمل المحدودة التى لم توفر محك التجربة والبروز لكفاءات جديدة يمكن انتخابها وبالتالى جاءت النتائج معبرة عن أنه “ليس فى الإمكان أبدع مما كان” !!

ورغم ذلك كله إلا أن الإنتخابات أحدثت خلخلة فى المشهد داخل التنظيم وألقت فى روع أفراده أن الجماعة تفتقر إلى كفاءات جديدة ، ومع إنطلاق الثورة وتعدد مسارات العمل وانفتاحه جُربت كفاءات جديدة وتميز منها الكثير ، ولعل الجماعة الآن لو أقبلت على انتخابات داخلية قاعدية ستجنى ثمرة ما أقبلت عليه منذ ثمان سنوات ..

جماعة الإخوان كجماعة ناجحة فى إدارة عمل جماعى منظم مؤهلة وبشكل كبير عن غيرها فى تطوير نظمها الإدارية والتحول إلى العمل الجماعى المؤسسى حينما توضع فى حالة تحدى ، ولعل خير مثال على ذلك “حماس” ، لقد مر الإخوان فى فلسطين من قبل بما يمر به إخوان مصر الآن لكن حالة التحدى عند “حماس” والتى خلقتها المواجهة مع المحتل جعلتها تصل مبكرا إلى حالة العمل الجماعى المؤسسى والذى كان من نتاجه معركة “العصف المأكول” والتى نالت فيها مؤسسية “حماس” وتطورها إعجاب الجميع !!

ما أحوجنا الآن إلى إطلاق مشروع تطوير إدارى كبير بعنوان “نحوعمل جماعى مؤسسى” وأن نقوم مع ذلك بقطف ثمرة إجراءات عام 2006م ، وثورة 25 يناير بإجراء انتخابات داخلية جديدة وفق آليات حديثة ومؤمنة .

وعلى القيادات التى تربت على “المركزية” فى الإدارة ولا تستطيع التخلى عنها أن تتراجع إلى الوراء وأن تعمل فى الصفوف الخلفية مع العناصر الجديدة حديثة العهد بالعمل الجماعى فى التأصيل والتأطير له فإن ذلك هو ثغرها المناسب والمثمر الآن ، وأن تتنحى عن مواقعها فى القيادة العليا والذى أصبح له أثره الضار على التطوير الإدارى والتحول إلى العمل الجماعى المؤسسى ..

د.أحمد البيلى

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان