رئيس التحرير: عادل صبري 10:40 صباحاً | السبت 17 نوفمبر 2018 م | 08 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

ليبيا المتجهة نحو ماضيها

ليبيا المتجهة نحو ماضيها

مقالات مختارة

مصطفى كركوتي

ليبيا المتجهة نحو ماضيها

مصطفى كركوتي 03 أغسطس 2014 08:53

في غياب قيادة مركزية مقبولة محلياً وجيش قوي يتبعها، تتجه الدولة الليبية، والأصح: تعود، إلى تقسيمٍ جغرافي وإداري في ثلاث مناطق ذاتية الحكم، تماثل تقريباً ما كانت عليه قبل سبعة عقود،


حيث توزعت على ثلاث إدارات معروفة تاريخياً: برقة وطرابلس الغرب وفزّان. هذا أقل ما يقال عن ليبيا راهناً وهي تتعرض لتمزق عنيف وتوحش مستمر مع عدم احتمال وقف إطلاق نار قريب.
 

وعلى رغم تشابهها مع كل من سورية والعراق، أقله من ناحية التوحش غير المسبوق، فليبيا تتميز عن الحالتين المشرقيتين بتاريخها الحديث كأقاليم منفصلة تماماً فوق مساحة جغرافية واحدة، حيث كانت الأقاليم الثلاثة أقرب إلى دول الجوار تجارياً واقتصادياً، وإلى حد ما، ثقافياً أيضاً، مما الى بعضها بعضاً. هكذا كانت برقة شرقاً وعاصمتها بنغازي إزاء مصر والإسكندرية ومرسى مطروح، وطرابلس غرباً تجاه تونس وصفاقص، وفي الجنوب الشرقي فزان إزاء السودان. ولأن الوضع الراهن يتدهور يومياً من سيء إلى أسوأ، يلاحظ المراقب كيف أن ليبيا تسرع ليس فقط نحو حال كانت عليها قبل توحيدها منتصف القرن الفائت، بل ربما نحو تفتيت داخل الإقليم الواحد. ويستذكر كثيرون ماضي ليبيا قبل توحيدها، في مسعى لتحديد مسار ما ستؤول إليه الأمور مستقبلاً.
 

أذكر يوماً في أواخر عام 1991 عندما التقيت بعديلي الراحل، البنغازي منصور رشيد الكيخيا، وكان وزير دولة سابقاً للشؤون الخارجية في أولى حكومات معمر القذافي ومندوب ليبيا السابق في الأمم المتحدة، في منزل لجوئه السياسي الفرنسي، أنه لخّص لي تلك الفترة من تطلعات أبناء جيله «العروبيين»، ومعظمهم من خريجي جامعة القاهرة، الطامحين لبناء ليبيا معاصرة ومتحررة من النفوذ البريطاني والأميركي المباشر وغير المباشر. وفي قبو المنزل كشف هناك الأغطية عن لوحة زيتية ضخمة لأول وآخر ملك لليبيا المستقلة، إدريس الأول، وقد كُتب في أسفلها: محمد إدريس بن محمد المهدي السنوسي (1889-1983).
 

«كم أخطأنا بحق هذا الرجل»، قال منصور وهو يشير إلى اللوحة. «هذا هو القائد الحقيقي الموحِّد الوحيد لليبيا المعاصرة، ولولا حكمته وسعة بصيرته كانت ليبيا ستبقى مقسمة وشعبها لا يزال يقتتل في ما بين قبائله المتعددة من جهة، وبين ريفها ومدنها من جهة أخرى، ولا أحد يدري كيف ستكون عليه الآن». إدريس الأول لم يوحد برقة وطرابلس وفزان فحسب لفترة استمرت عقدين تقريباً (1951-1969)، «بل قدم لليبيا تجربة ديموقراطية ثقافية واعدة وملهمة باعتباره الزعيم الروحي لأتباع الطريقة الصوفية» وفقاً لمنصور. وتلك التجربة أنهاها الملازم أول، معمر القذافي، بانقلابه على إدريس الأول عام 1969 أثناء وجود الأخير في تركيا للعلاج، وقد باركه جمال عبد الناصر وعمّده «أميناً» على القومية العربية. وبقي السنوسي لاجئاً في مصر حتى وفاته عام 1983.
 

الكيخيا الذي أصبح لاحقاً الزعيم الأبرز في المعارضة الليبية وأحد أبرز ضحايا الديكتاتور، أوضح كيف أنه تمكن من إنقاذ النسخة الوحيدة من لوحة الملك الشخصية وحال دون وقوعها في أيدي «اللجان الشعبية الزاحفة» لتدمير كل ما تبقى من تراث ليبيا الوطني لمرحلة ما قبل القذافي. وقام منصور الذي كان آنذاك رئيس البعثة الليبية في نيويورك بإخفاء اللوحة قبل «تهريبها» إلى باريس (ومعروف أن القذافي دبر خطة لخطف الكيخيا من القاهرة إلى طرابلس في كانون الأول (ديسمبر) 1993 بمساعدة أفراد من مخابرات حسني مبارك، وقام بقتله لاحقاً بعد تعذيبه واحتفظ بجثته في إحدى ثلاجاته البشرية لتتحول إلى رفات بسبب انقطاع التيار الكهربائي في كانون الأول 2012، وذلك في قبو منزل كان يرتاده القذافي).
 

إدريس الأول قرأ التاريخ جيداً حول مستقبل ليبيا المقسمة وقرر مذّاك «وضع جل بيضه» في سلة الإدارة البريطانية في برقة ضد سلطة إيطاليا الفاشية الاستعمارية المتعاونة مع ألمانيا النازية قبل وخلال الحرب العالمية الثانية. وكانت قبائل السنوسية أكثر الليبيين نشاطاً في رصد تحركات القوات الألمانية الغازية بقيادة الجنرال إروين رومل في صحراء ليبيا ونقل المعلومات إلى الحلفاء. وقد كوفِىء بإعلانه أميراً على إمارة برقة المستقلة في 1949، ودعي لاحقاً كي يتولى مسؤولية إمارة طرابلس، حيث بدأ على الفور اتخاذ الخطوات اللازمة لتوحيد الأراضي الليبية تحت سيادة عرش واحد.
 

في 1949 وُضع الدستور واعتُمد بعد عامين، إثر مناقشات وطنية واسعة في مجلسي الشيوخ والنواب، فنشأ إثر ذلك مجلس وطني منتخب نصــّب إدريـــس الأول مــلكاً على البلاد. وقد ساهم ذلك في تمهيد السبيل أمامه لإعلان استقلال ممــلكة ليبيا المتحدة، كدولة ذات سيادة، في كانون الأول 1951. وكان إدريس الأول قد شكل وفداً من شخصيات ليبية وطنية خاض من خلاله مفاوضات شاملة مع البريطانيين وهيئة الأمم المتحدة انتهت بإعلان استقلال مملكة ليبيا الفيديرالية المتحدة مع إدريس ملكاً عليها.
 

وفي 1961، أعيدت صياغة الدستور الليبي تلبية للمتغيرات المحلية والاقليمية فأعيدت تسمية الدولة مملكة ليبيا. وكان لإدريس الأول فلسفة بسيطة استمدها من ميراثه الصوفي إذ أشاع بحماس فكرة التعايش السلمي وشعار تحمل الرأي الآخر ومبدأ «عِشْ ودع الآخر يعش»، وهي أفكار استمدها من السياسي والفيلسوف البارز آنذاك المهاتما غاندي وأحياها لاحقاً الزعيم الأسود نيلسون مانديلا.
 

الآن بدأت تظهر دعوات لإعادة تشكيل ليبيا في إطار فيديرالي مماثل لما كان قائماً عام 1951، وآخر هذه الدعوات جاءت في تشرين الثاني (نوفمبر) 2013 عندما طلب البنغازيون الذين يعتبرون أن ثورة 2011 ضد القذافي انطلقت من إقليمهم، منحهم حكماً ذاتياً واسعاً. فإثر الاحتجاجات ضد سلطات طرابلس واتهامها بالتمييز المتعمد ضد المناطق الأخرى، انتخبت القيادات الفيديرالية عبد ربه البرعصي رئيساً لحكومة المنطقة الشرقية مع تكليفه بمهمة رئيسة: إعادة تقسيم ليبيا ثلاث مناطق خاضعة لثلاث إدارات مماثلة لإدارات ليبيا التاريخية، برقة وطرابلس الغرب وفزان.
 

سنوات حكم القذافي، وهي من أطول فترات الحكم في التاريخ، ثم المواجهات الدموية الراهنة، ترجّح وضع ليبيا على طريق تتجه بها فعلاً نحو ماضيها.

نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان