رئيس التحرير: عادل صبري 08:44 مساءً | الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م | 08 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

عـيـدٌ بِخَيرٍ عُـــدتَ يـــا عِـيــدُ

عـيـدٌ بِخَيرٍ عُـــدتَ يـــا عِـيــدُ

عاشق الحرية 31 يوليو 2014 11:00

"عـيـدٌ بِـأيَّـةِ حـــالٍ عُـــدتَ يـــا عِـيــدُ *** بِـمـا مَـضَـى أَم لأَمْــرٍ فِـيـكَ تـجـدِيـدُ"


ربما لا يكاد عيد يمر إلا ويتردد على آذاننا هذا البيت، بما يثيره من شجون وأحزان على أحوال الأمة التى تدمى القلب، فلا مكان إلا وفيه للمسلمين دم يراق أو أسير يئن فى غياهب السجون، أوجريح ينزف. إنك ما إن تسمع هذا البيت إلا وينصرف ذهنك سريعاً إلى ما يحدث للمسلمين فى فلسطين وسوريا والعراق والصومال وأفريقيا الوسطى وميانمار وليبيا واليمن ومصر . ينصرف ذهنك سريعاً إلى واقع الاستبداد والديكتاتورية الذى تئن منه المجتمعات العربية والإسلامية. ينصرف ذهنك إلى الخليج حيث الاستبداد والتسلط والتآمر على إرادات الشعوب.
 

يعكس هذا الاهتمام عابر الحدود إدراكاً من جانب عموم المسلمين بحقيقة الأعياد فى الإسلام، فهى ليست أعياد أفراد أو جماعات أو أحزاب، إنما هى أعياد أمة ودين، أعياد جماعية لا فردية.
 

ربما لم يتخيل المتنبى حين نظم كلمات هذا البيت أن أحداً سيجيبه بأن العيد قد عاد بالخير. وربما يتساءل كثيرون اليوم أين هذا الخير وسط كل هذه الأخطار المحيطة بالأمة والتى تنهش فى بنيانها. وقد مُزقت أوصالها تمزيقاً، ويُطعن فى قلبها طعناً مريراً، وقُطعت منها الأطراف وصارت جسداً يكاد لا ينبض بالحياة. وللإجابة عن هذا السؤال نسوق المشاهد التالية:
 

المشهد الأول.. غزة تنتصر

من كان يتخيل أن يصمد المجاهدون فى غزة20 يوماً متواصلة رغم الحصار المضروب على القطاع منذ سنوات والذى اشتدت حدته مع الانقلاب العسكرى الغاشم فى مصر؟ إن المقاومة قد ردت على العدوان الصهيونى قتلاً بقتل وجرحاً بجرح وأسراً بأسر وحصاراً بحصار وقصفاً بقصف. قد يكون ألم العدوان شديداً لكن "إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون".
 

 لقد بثت كتائب الشهيد عز الدين القسام فى قلوب الأسرى الفلسطينيين القابعين فى سجون الاحتلال الأمل لينالوا الحرية عما قريب، بعدما أسرت الجندى الصهيونى آرون شاؤول بما يبشر بصفقة قريبة تماثل صفقة جلعاد شاليط وسط آمال أن يؤانس شاؤول عدد من رفاقه الصهاينة طالما الحرب البرية مستمرة.
 

بدت المقاومة الفلسطينية فى هذه الحرب صلبة الإرادة. يسارع العدو إلى قبول الهدنة المقدمة من رفيقه المصرى فترفضها المقاومة. يمدد العدو الهدنة الإنسانية من طرف واحد فتواصل المقاومة قصف المغتصبات لأن هذه الهدنة لا تلبى شروط الشعب الفلسطينى.
 

إن أهل غزة فى هذه الأزمة لا يرجون من الأنظمة العربية العتيقة خيراً إنهم ينتظرون هبة أبناء الأمة جميعاً لتحرير بلدانهم، وحينها سيكون تحرير فلسطين أمراً يسيراً. ينتظرون منكم أيها الشباب أن تدخلوا عليهم السرور بالانتصار على الاستبداد والفساد والديكتاتورية كما أدخلوا على قلوبكم السرور بالمقاومة.
 

المشهد الثانى.. عام من الصمود الأسطورى للثوار فى أرض الكنانة

هناك وسط هذا الظلام شعاع آخر من نور يأتى من مصر. فأكثر من عام والثوار بالميادين، لم يفت فى عضدهم قتل أو اعتقال أو مطاردة. ما زال الثوار يضحون ويتحدون سلطات الانقلاب التى تزاوجت برأس المال الفاسد. كل يوم يقدمون الشهداء والمصابين فى سبيل نيل الحرية والعيش بكرامة ورفض النموذج "الوِسْطى" الذى يقدمه قائد الانقلاب العسكرى على أنه النموذج الصحيح لفهم الدين الإسلامى ويشاركه فى ذلك فنانون وراقصون بل وعلمانيون، يقدم كثير من الثوار التضحيات من أجل التمسك بالدين الصحيح بكماله وشموله وتطبيق أحكامه فى مجالات السياسة والمجتمع والاقتصاد.
 

كان من نتائج هذا الحراك -بعد الله تعالى- المقاطعة الواسعة لكافة الاستحقاقات التى حاول الانقلاب من خلالها شرعنة وجوده خاصة الاستفتاء على دستور الدم ومسرحية تنصيب قائد الانقلاب. لولا ذلك لتولى قائد الانقلاب رئاسة البلاد عقب انقلابه مباشرة أو بعده بأشهر معدودة لكنه اضطر للمراوغة وتأجيل هذه الخطوة ما يقرب من العام بسبب هذا الحراك. حتى بعد أن تولى مقاليد البلاد بانتخابات مزورة فإنه يعيش معزولاً عن الناس مما يبشر بقرب سقوطه إن شاء الله. لولا ذلك لحسم قائد الانقلاب الليبى الأمر لصالحه ولانهال المتآمرون على تونس.
 

إن خطورة الوضع فى مصر تكمن فى أهميتها الاستراتيجية سواء لتثوير شعوب المنطقة أو لمواجهة الهيمنة الغربية والأمريكية أو لنصرة الشعوب المحتلة أو فى مقابل ذلك الخنوع والاستسلام والخضوع بما يتبعه من إحباط محاولات التحرر فى المنطقة. والنموذجان يمثلهما الانقلاب العسكرى والحراك الثورى المناهض له.
 

المشهد الثالث.. الأمة على طريق الوعى

بالأمس القريب كان الشغل الشاغل لأبناء الأمة مبارة كرة قدم يلعبونها أو يتابعونها ويحللونها ويتصارعون فى تأييد فريق ضد الآخر وتشتعل الأزمات بين الدول بسبب مباراة. قد كان الأمر مثيراً للشجن.
 

أما اليوم فحق لنا أن نستبشر خيراً، فقد وعى كثير من شباب الأمة القضية، وأصبحت النقاشات تدور حول قضايا الأمة لتتمحور حول سبل إقامة نظام يحترم الإنسان، وأى نموذج يمكن الاستفادة منه لإحداث النهضة؟ ومن أين يبدأ تحرير فلسطين؟، وما جدوى الحراك فى الشارع وسبل تطويره؟ وإلى جانب هذه النوعية من القضايا انتقل الشباب الإسلامى أيضاً من التمحور حول فقه العبادات فقط إلى الاهتمام بفقه الدولة، إذ أصبح همه الشاغل كيفية إقامة نظام إسلامى يحرس الدين ويسوس الدنيا، وسبل التعامل مع الحاكم الظالم والحاكم غير الملتزم بتعاليم الإسلام .
 

أصبح الخلاف بين أبناء الأمة اليوم يدور حول طريق مواجهة التحديات التى تواجه مجتمعاتهم اليوم؛ هل يتم ذلك عبر التوعية؟ أم بالحراك الثورى؟ أم بالدعوة؟ أم بالدعاء؟ والحق أن كل ذلك يصب فى ذات الخانة ويحقق نفس الهدف فليبذل كل واحد منا ما يستطيع.
 

المشهد الرابع.. فى الأزمات يميز الله الخبيث من الطيب

فى كل أزمة تتعرض لها الأمة تنكشف الأقنعة. جاء العيد هذا العام وقد زال القناع عن كثير ممن تمسحوا بالدين ليُصدم الجميع بتبريرهم الدماء وركونهم للظالمين وكذبهم بادعائهم أن وضع الشريعة بوثيقة الانقلاب أفضل من وضعها بدستور 2012. لم يطلب أحد منهم حتى انكاراً على الظالمين، وإنما فقط طُلب منهم ألا يكونوا خيلاً يركبها الانقلاب للعبور عليها ثم يقتلها لكن أنى لهم أن يستجيبوا وهم العلماء الذين لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم.
 

انكشفت الأقنعة أيضاً عن كثير من اليساريين والقوميين والناصريين والليبراليين والعلمانيين، ليظهر عداؤهم الشديد للفكرة الإسلامية. تركوا العسكر يعيثون فى الأرض فساداً ليتخلصوا من الإسلاميين الذين اتهموهم بأنهم باعوا الثورة وأنهم المغيبون وأنهم أعداء التحرر، فيقدر الله ألا يبقى فى الميدان إلا الإسلاميون ونفر قليل من غيرهم مع أن فيهم من تلبس عليه أمر الثورات فلم يشارك فى الثورة الأولى لكن قدر له أن يموت أو يعتقل أو يطادر أويصمد فى الميدان وهو يدافع عن فكرته وعما قامت من أجله الثورة. ولا يعنى ذلك بعدهم عن فعاليات ثورة 25 يناير فقد كان لبعضهم السبق قبل كثيرين فى المشاركة.
 

المشهد الخامس.. إنقلاب ليبيا وُلد ميتاً

على خطى أسياده فى القاهرة حاول المغامر خليفة حفتر عدة مرات ركوب موجة مكافحة الإرهاب لينقلب على إرادة الشعب الليبى لكن الثوار كانوا له بالمرصاد فأفشلوا محاولتيه الأوليين. وتبقى الثالثة محاصرة بكل ما أوتيت من دعم إقليمى وصمت دولى. ربما نستطيع أن نتخيل حجم التآمر الإقليمى على ليبيا الثورة إذا علمنا أن الانقلاب فى مصر على سبيل المثال لم يكلف نفسه بياناً لإدانة المحاولة الانقلابية الأخيرة من جانب "حفتر"، وليس خفياً عداء الإمارات والسعودية للربيع العربى. لكن ثوار ليبيا قادرون إن شاء الله على دحض الانقلاب ليحدث الله بعد ذلك أمراً.
 

المشهد السادس.. تونس تتقدم

كما كان لتونس السبق فى إشعال ثورات الربيع العربى، تقدمت أيضاً على طريق البناء لتضع الدستور وتنجح فى تحجيم دور الجيش فى العملية السياسية. إن من أهم الدروس المستفادة من التجربة التونسية هو الشراكة التى جعلت من اليسارى المنصف المرزوقى مسئولاً عن إنجاح العملية السياسية كما حركة النهضة صاحبة الأغلبية ليبدو الرئيس التونسى فى القضايا المصيرية للأمة ليس أقل وطنية من الإسلاميين.
 

المشهد السابع: ضربة قوية لعملاء إيران والولايات المتحدة بالعراق

بعد نحو 10 سنوات من الاستبداد والديكتاتورية والاستبعاد من جانب الطبقة الحاكمة فى أرض الرافدين للمخالفين، بدعم من إيران والولايات المتحدة، ثار أحرار العراق تزامناً مع ثورات الربيع العربى ليواجهوا بالآلة القمعية للجيش العراقى الذى أنشئ كغيره من الجيوش العربية للدفاع عن النظام حتى ولو كان طائفياً، ليعيث فيهم قتلاً.
 

ولم يتراجع الثوار عن مطالبهم، حتى تمكن مسلحوهم من دحض قوات المالكى فى عدة محافظات والسيطرة عليها مما جدد الأمل فى رفع الظلم وتوسيع الحراك بحيث يعبر عن مكونات الشعب العراقى، لا يستبعد أحداً ولا يضطهد مخالفاً ويساهم فى حلحلة عروش الطغيان فى المنطقة.
 

هذا الحراك ضم فئات عديدة من أبناء الشعب العراقى، إلا إن الإعلام تعمد تقديم تنظيم الدولة الإسلامية على أنه الطرف الوحيد فى الحراك المناهض لحكومة نورى المالكى مستغلاً بعض آراء التنظيم لتقليب الرأى العام ضد الحراك الثورى فى العراق. لذا يجب التعاطى مع أخبار التنظيم فى الإعلام بمزيد من التدقيق والبحث كوننا نعانى من حالة من الدجل الإعلامى القائم على شيطنة كل المخالفين خاصة إذا كانوا إسلاميين. فإذا ما وقعت العين على خطيئة وجب تقويمها.
 

المشهد الثامن.. أردوغان يمتص الضربات وتَحبط المؤامرات

يعجب كثير من أبناء الأمة خاصة الإسلاميين بتجربة حزب العدالة والتنمية فى تركيا، إذ هو حزب ذو مرجعية إسلامية تمكن من تحجيم دور الجيش فى العملية السياسية، كما إنه يعمل على مراجعة القوانين التى تحد من الحرية الدينية الموجهة ضد الإسلام بشكل أساسى بفعل عملية العلمنة التى تدشينها فى عهد مصطفى كمال أتاتورك. وازداد الإعجاب بالتجربة التركية بسبب الموقف المشرفة لرئيس الوزراء رجب طيب أردوغان التى دافع فيها عن إرادة الشعوب وحريتها فى الاختيار، فالرجل يوجه الصفعات السياسية لقادة الانقلاب فى مصر الواحدة تلو الأخرى. وليس موقفه مما يحدث بسوريا وغزة ببعيد.
 

أن يكون بالعالم الإسلامى قائد كأردوغان يتمتع بشعبية هائلة بدولته التى توصف بالعلمانية هو فى حد ذاته غنيمة تستدعى الإعجاب والسرور، الذى يزداد حين ينجح الرجل فى امتصاص الضربات وردها أقوى لمن يحاولون إفشال التجربة كما حدث بقضية الفساد الأخيرة.
 

هذه المشاهد وغيرها الكثير ليست دعوة لنسيان آلام الأمة وجراحها يوم العيد، وإنما هى محاولة لبث الأمل فى قلوب شباب الأمة فكما يقال "اليأس خيانة". فرغم الجراح يرسل الله إلينا البشريات لتطمئن القلوب ولنثق أن نصر الله قادم. نعم نستبشر بهذه المشاهد، ونسعى جاهدين فى مواجهة الطغيان والاستبداد والفساد ومحاولات العلمانية التغلغل فى المجتمع كما تمكنتمن مؤسسات الدولة والاحتكام لشرع الله.
 

 نداء أخير لإخواننا بدول الخليج إعلموا أن إخوانكم فى مصر وليبيا يقتلون بأموالكم فى الوقت الذى يموت فيه مسلمون جوعاً ومرضاً. يحاول أمراؤكم التلاعب بإرادات الشعوب كما يتلاعبون الشطرنج إلا إن الشعوب الحرة تأبى ذلك، فشاركوهم حراكهم وثورتهم فالإسلام برئ مما يفعل هؤلاء.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان