رئيس التحرير: عادل صبري 10:53 صباحاً | الأربعاء 26 سبتمبر 2018 م | 15 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

إعادة النظر للإعلام

إعادة النظر للإعلام

مقالات مختارة

أحمد القاعود

إعادة النظر للإعلام

أحمد القاعود 31 يوليو 2014 10:48

مع اقتراب عمر الربيع العربي الذي بدأ في تونس ومر بمصر فليبيا فاليمن ثم المشرق العربي من أربعة سنوات، بات من الملح الوقوف علي طبيعة نسق الاعلام أو الاتصال الجماهيري كنسق مجتمعي في حياة الشعوب الحديثة ،  و تحديد الدور الحقيقي لهذا النسق ، و كيفية صناعته و البحث عن مكوناته و فواعله و طرق التحكم فيه و التأثير فيه و عليه و به .


قبل الربيع العربي اتسم الاعلام بطبيعة كل نظام علي حدة ، ففي تونس عرف بإعلام " بن علي " نسبة للرئيس زين العابدين بن علي ، و هو إعلام اتسم بتعظيم الحاكم و دوره و مهاجمة خصومه و النيل منه ، و في ليبيا عرف لون واحد من الاعلام ، هو اعلام ثورة الفاتح ، الذي كان بعيدا كل البعد عن المفهوم الحضاري الحديث لفكرة الاعلام و دوره ، أما مصر فقد استطاع الصحفيون فيها انتزاع قدر غير قليل من الحرية و النقاش ، بالاضافة إلي إعلام الدولة الذي لم يختلف عن اعلام بن علي أو القذافي ، لكن بعد الثورة ، و اتساع حجم و دور الاعلام في القرار السياسي ، و ضخ أموال ضخمة إلي وسائل الاعلام بكافة أنواعها و أشكالها ، بدأت فكرة " انتزاع الحرية " من نظام حسني مبارك ، تثير الريبة و توجب التدقيق فيها ، من حيث كونها حرية منتزعة فعلا بفعل نضالي من قبل الصحفيين ، أو أنها كانت منحة في إطار دور تلعبه أجهزة الأمن و الاستخبارات في نظام مبارك ، لايجاد نوع من التنفيس لدي الشعب و اضفاء مظهر ديموقراطي علي النظام القمعي ، الذي كان يهتم بالشكل الحديث في جوانبه خوفا من انتقادات الغرب .
 

في سوريا لم يختلف الأمر كثيرا عن ليبيا أو تونس و أيضا في دول الخليج .
 

فور انطلاق الثورة المصرية أخذ الاعلام يتراجع أمام الغضب الجماهيري القوي و بدأت القنوات المملوكة للدولة و لرجال أعمال، بالضرورة مستفيدون من النظام، في فتح المساحات للحديث عن اسقاط النظام وتغييره ، و ظلم الدولة و فسادها في محاولة لامتصاص الثورة و التعامل مع المتغير الطارئ الذي لم يكن في الحسبان ، و لركوب موجة التغيير التي جاءت بغتة ، و أدت إلي طرد الكثير من الاعلاميين و المشاهير من ميدان التحرير ، بسبب مواقفهم السياسية و هو ما فهم وقتها أن الثوار في الميدان من النوع غير المسيطر عليه اعلاميا و غير القابلين لأي محاولة من التدليس عليهم من أناس كانوا ضدهم ورغبوا فيما بعد نفاقهم و اظهار انتمائهم للثورة .
 

خلال عام الرئيس محمد مرسي اتضح جليا لأي مراقب متخصص و حتي غير متخصص أن وسائل الاعلام أصبحت تؤدي دورا غير المفترض أن تؤديه ، و هو الرقابة و التوعية و الترفيه و غيرها من الوظائف التي يعرفها أي طالب في بداية دراسته للاعلام ، لكن هذه الوسائل التي ضخ فيها أموال ضخمة خاصة من دول الخليج التي أيدت الانقلاب فيما بعد ، و بالأخص السعودية و الامارات ، اتخذت دورا مغاير تماما و غير منوط بها استخدامه ، و أصبحت فاعلا سياسيا و ليس وسائل  إعلام مهنية ، يمكن قبولها من جميع الأطراف السياسية في المجتمع .
 

و سائل الاعلام في عهد الرئيس محمد مرسي بات واضحا أنها تأتمر بأمر واحد و يتم توجيهها وجهة واحدة ، اتضح فيما بعد من هو الموجه لهذه الوسائل عندما خرج تسريب لقائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي ، يتحدث فيه عن ضياع هيبة المؤسسة العسكرية و بناء أذرع اعلامية للسيطرة بها علي الدولة و الشعب .
 

 استغلت هذه الوسائل المناخ غير المسبوق من الحرية ، و راحت تنشر أخبارا و تتبني قضايا هي في الحقيقة وهمية ، و بنت أجندة إعلامية متشابهة إلي حد قريب ، و صدرت حركات و شخصيات وتيارات لا وزن حقيقي لها ، لتهيئة الأجواء و الشعب للانقلاب العسكري .
 

هذه القضايا التي اكتشف المصريون أنها كانت قضايا مضللة ووهمية و غير موجودة إطلاقا علي أرض الواقع ، مثل قضية بيع الأهرامات أو بيع خيرت الشاطر " نائب المرشد العام للاخوان المسلمين " لشبه جزيرة سيناء للرئيس الأمريكي باراك أوباما ، أو تخلي الرئيس مرسي عن مثلث حلايب وشلاتين للسودان ، أو بيع قناة السويس لدولة قطر ، أو قضايا اجتماعية مثل مضاجعة الوداع أو تزويج القاصرات في سن السابعة ، أو خطاب مرسي لرئيس اسرائيل و الذي كتب بأسلوب روتيني كبقية رؤساء الدول ، لكن كلمة صديقي العزيزالتي جاءت فيه تم استغلالها  وتصيدها بسوء نية . كل هذه القضايا أثبتت أن وسائل الاعلامي في مصر لم تكن في الحقيقة وسائل إعلام و انما وسائل دعاية ، توجب إعادة النظر في دور الاعلام و التفرقة بينه و بين الدعاية  .
 

فمشهد الثلاثين من يونيو و ما سبقه من أحداث و ما تلاه بين أن الأمر برمته كان صورة اعلامية لا أكثر أو أقل ، حتي وان كان خرج للميادين عدد لا بأس به من الأشخاص .
 

بدأت المسرحية و أكبر عملية نصب في التاريخ المصري الحديث ، بتصوير المتظاهرين في ميدان التحرير و رابعة العدوية و غيرها من الأماكن  و التدليس بتركيب الصور و نسبها لفئة واحدة هي المعارضة لمحمد مرسي ، و كما تم تزييف الصور ، تم اللعب علي الأرقام وتكرراها و استقر رقم 33 مليون متظاهر في ميدان التحرير في هذا اليوم بالاضافة إلي عدة أماكن أخري و هو رقم يفوق المنطق و العقل و الخيال أيضا ، و يمكن ضحده من قبل أي شخص يتوقف برهة للتفكر في حقيقته ، لكن استخدامه و التركيز عليه جعل الكثيرون يرددونه ، و تبين أن الناس يصدقون الاعلام أكثر مما يصدقون أنفسهم ، و ظهر ذلك فيما بعد عندما يردد الشخص أنه لا توجد مظاهرات مناهضة للانقلاب واذا وجدت لا يتعد عددها العشرات ، بينما يمر امام الشخص نفسه مظاهرة في حارة أو شارع شعبي ، وهي تضم الألاف ، لكنه يرفض تصديق نفسه وعينيه ، و يفضل عنها تصديق وسائل الدعاية التي سيطرت علي عقله وذهنه ، و هذا ما سيحدث لاحقا في الانتخابات الرئاسية بعد الانقلاب و التي غاب الشعب عنها و أكد أنصار 30 يونيو أنفسهم ذلك ، لكن قطاعا كبيرا منهم فضل تصديق وسائل الدعاية التي قالت أن 26 مليونا شاركوا فيها .
 

بعد الانقلاب العسكري في 3 يوليو واغلاق كافة المنابر و وسائل الاعلام التابعة للقوي و التيارات الديموقراطية الرافضة للانقلاب ، بات من الضروري اعادة النظر في وسائل الاعلام و دورها ، و اجراء دراسات علي جمهورها ، فنظرية الرصاصة أو الطلقة السحرية التي كانت أولي نظريات علم الاعلام قبل قرن مضي ، و أصبحت وفقا للغالبية الساحقة من العلماء و الدارسين من نظريات الماضي ، باعتبارها تقوم علي اعتبار الجمهور المتلقي متشابها و قابلا لتصديق كل ما يأتي في الرسالة الاعلامية ، ظهر أنها قابلة للتطبيق علي أنصار 30 يونيو في مصر في عام 2013 وما يليه ، فلا يمكن تصديق بأي صورة من الصور أن اعتصاما لجزء من الناس يحتوي علي أسلحة كيماوية محرمة دولية ، ولا تمتلكها إلا جيوش الدول الكبري ، ناهيك عن فكرة وجود كرة أرضية تحت منصة ميدان رابعة العدوية . و غيرها من القضايا التي لا يمكن أن يتصورها عقل سليم لطفل حظه قليل من التجارب و الخبرة في الحياة .
 

دور الاعلام الخطير في الوقت الحالي و الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط ، و كونه جزء كبير و أساسي إن لم يكن الغالب في النزاعات الموجودة ، يجب ألا يتم التعامل معه بطريقة عادية أو اهماله كنسق اجتماعي غير مؤثر علي الأرض ، كما يحدث من قبل الرافضين للانقلاب العسكري في مصر . فامتلاك الحق و التأييد الشعبي الحقيقي و الأنصار ، يجب أن يكون معه إعلام قوي و مؤثر يصنع القضايا و يعيد ترتيب الأجندة و يشكل الرأي العام .
 

لذلك فانه بات من الضروري الاقتراب أكثر من هذا النسق و الوقوف علي جوانب القصور و الضعف فيها للعمل علي اصلاحها و جعلها اضافة قوية ومهمة بجانب الحراك الثوري في الشارع . الأمر بالطبع ليس مقتصرا علي مصر و انما كافة دول الربيع العربي التي تواجه باعلام ممول من قوي اقليمية و دولية تريد وأد حقها في الحرية و الديموقراطية .

صحفي وباحث اعلامي

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان